جسر الصراط والحقائق المثيرة حوله

جدول المحتويات
دراسة مفهوم جسر الصراط من منظور علم الإنسان الإسلامي

دراسة مفهوم جسر الصراط من منظور علم الإنسان الإسلامي

لابد وأن سمعتم عن جسر الصراط. إنه من بين الحقائق التي ترتبط بالقيامة والمعاد، وكلما يتم الحديث عن محاسبة أعمال البشر في يوم القيامة، تتداعى تلقائيا صورة في أذهاننا عن ذلك الممر الصعب الذي يمتد عبر الآخرة. ولكن ما نعرفه عن الصراط هو قليل جداً. نعلم فقط أنه ممرٌ مخيفٌ ومشوّش يمتد عبر جهنم، حيث يتعيّن على جميع البشر في يوم القيامة أن يعبروه، والذي هو أَدَقُّ مِنَ الشَّعْر وَ أَحَدُّ مِنَ السَّيْفِ، ليُحاسبوا على أعمالهم.[1] وفي النهاية، يعبر الذين تم قبول أعمالهم الصراط ليصلوا إلى الجنة، بينما يبقى المذنبون في محطات الانتظار للحساب لفترات طويلة.

تثير هذه الأفكار القليلة حول الصراط ألغازًا عديدة في عقولنا ومنها:

  • ما هي حقيقة الصراط، وأين يقع جسر الصراط بالضبط؟
  • هل الصراط هو جسر سيظهر في صحراء المحشر فيما بعد، أم أنه موجود الآن؟
  • وما معنى مرور الصراط من داخل جهنم، ولماذا يجد البشر – بما فيهم الأبرار – أنفسهم مجبرين على ذلك المرور؟ هذه وغيرها من التساؤلات العميقة والمعقدة.

سوف نتناول هنا حقيقة الصراط والتساؤلات المتعلقة به، ولكن قبل ذلك، ينبغي علينا تسليط الضوء على نقطة أساسية، وهي أن کلمة “الصراط” تعني الطريق الرئيسي والواضح[2]؛ لذا، فإن استخدام مصطلح “جسر الصراط” ليس صحيحًا من الناحية اللغوية. ولكن نظرًا لانتشار هذا التعبير بين الناس، فقد قمنا أيضًا باستخدامه بهذا الشكل.

أين جسر الصراط؟

السؤال الأول الذي يتبادر إلى الذهن حول ماهية الصراط هو: أين يقع  جسر الصراط بالضبط؟ هل هو جسر بعيد عن الدنيا، ما وراء السماوات وعبر النجوم والكواكب؟ هل هو موجود الآن، أم أنه سيظهر في القيامة؟

عندما يقال عن الصراط أنه “طريق في الآخرة يمر عبر جهنم”،  يتولد هذا التفسير تلقائياً الى ذهن المستمع، أن الصراط غير موجود في الوقت الحالي، بل هو ممر يجب عبوره بعد الموت وفي يوم القيامة. ينبع  لك التفسير من نفس الفهم الخاطئ الذي يُنظر إلى عالم الآخرة على أنه كيان مستقل ومنعزل عن الدنيا، بعيدًا عنها في المكان والزمان. ولكن كما ذكرنا سابقًا، فإن الآخرة لب عالمًا منفصلًا عن الدنيا أو وراء السماوات بل هي جزء لا يتجزأ من الدنيا. إنّ العلاقة بين الدنيا والآخرة تشبه العلاقة بين رحم الأم والدنيا، و كما أن تُحيط الدنيا برحم الأم، فإن الآخرة أيضًا محيطة بالدنيا. لذا فإننا الآن على الصراط، وهو ليس مسار سيظهر في وقت لاحق، بل هو حقيقة تمتد مسارها من داخل النفس وليس خارجها. ولكن كيف يتم تحركنا على طول هذا المسار؟

كيف نسلك مسار الصراط؟

وجهة نظر أخرى تتعلق بالصراط هي طبيعة تحركنا عليه، فالصراط ليس مجرد طريق خارجي، بل هو بالأساس حقيقة روحية. وبالتالي، فإن حركتنا على مسار الصراط تعكس حركة جوهرية وداخلية، وتمثل نمطًا من الصيرورة. لا نقوم نحن على الصراط بحركات أو تنقلات مكانية أو جسدية، كما يحدث في الطرق الدنيوية، بل تحدث کل من سرعتنا وتقدمنا وتوقفنا وتراجعنا على مسار الصراط، جميعها فی داخل نفوسنا.

لتحقيق فهم أعمق، يُعتبر من الأفضل الرجوع مرة أخرى إلى قانون النسبة، والتأمل في حركة الجنين في رحم الأم. كيف يتم تحرك الجنين في رحم الأم؟ هل يقطع مسافة ما من لحظة تكوّن النطفة حتى يصبح جنينًا كاملًا؟ بالطبع لا. إنّ العملية التي يخضع لها الجنين من لحظة تكوّن النطفة حتى يتحوّل إلى جنين كامل هي عملية صيرورة وتطوّر. لا يكون الصراط خارجاً عن الجنين بل إنه يكمن داخله، حيث يسلك طريق الصراط داخل ذاته. فإذا سلك هذا المسار بشكل صحيح، أو سار في “الصراط المستقيم”، فسيولد سليمًا صحیحًا، بينما إذا تعثّر أو توقف في الطريق، أو حصل أي نقص أو ضعف بسبب الإهمال والغفلة، فسيولد مع إصابة أو ضعف أو نقص في عضوه. تنطبق هذه القوانين أيضًا على حركتنا على الصراط في سياق الآخرة. یعتبر الصراط المستقيم في هذا النوع من الحركة هو مسار روحي داخلي بلانهاية، ينطلق من النفس نحو الله، وكلما نال الفرد المزيد من أسماء الله على هذا المسار، زادت سرعة تقدمه.

لماذا يمر مسار الصراط من جهنّم؟

سؤالنا الآخر هو: لماذا يمر الصراط من داخل جهنّم، وماذا نعني بجهنّم؟ إن مرور الصراط من داخل الجحيم يحمل معنى دقيقًا، وإذا فهمنا العلاقة بين الدنيا والآخرة بشكل صحيح، سندرك ذلك بوضوح. یتم تقییم الطفل الذي يولد منذ لحظة دخوله إلى الحياة بظروف الدنيا، وأي عدم توافق في وجوده و جسده سيؤدي إلى معاناة فورية أو طويلة الأمد، حسب شدتها وأهميتها. فعلى سبيل المثال، تمثل مشاكل في الجهاز التنفسي وعدم القدرة على التنفس، تهديدًا فوريًا لحياة المولود، وبالتالي يتطلب وجوده توفير بيئة خاصة له، وقد ينبغي التوجه إلى استشارة الأطباء للتعامل مع عواقب محتملة، مثل تشوهات في أحد أطرافه في المستقبل. كما رأينا في هذا المثال، يعكس الصراط للطفل حقيقته الذاتية، وفي الواقع يعكس النتيجة الطبيعية لما اكتسبه الطفل في بطن أمه وجلبه إلى الحياة، ومعاناة الجحيم في الواقع هي نتيجة لما يخلقه الإنسان بنفسه.

يتبع دخولنا إلى عالم الآخرة نفس المنطق. سیتم تقییم وجودنا مع ظروف الحياة الآخرة فور وصولنا إلى ذاك العالم، تمامًا مثل المولود عند دخوله الدنيا. إنّ الصراط هو المقياس الذي يتم استخدامه لتقييم كيفية توافقنا مع ظروف الحياة في الآخرة. إذا لم يكن وجودنا ثابتا على الصراط المستقيم، أو إذا لم نتكيف بشكل صحيح مع ظروف الحياة في الآخرة، فاننا سنواجه معاناة سريعة أو مستقبلية استنادًا إلى درجة عدم التناغم هذه.

يظهر بوضوح تام من خلال هذا المثال، سبب مرور الصراط من داخل جهنم وعلاقتهما. إذ أنه كما ذكرنا في الدروس السابقة، أنّ جهنم تُعتبر مستشفى الآخرة، حيث يتم إرسال أي عدم توافق إلى المستشفى للعلاج والتصحيح، سواء في الدنيا أو الآخرة.

تناولنا في هذا الدرس، مفهوم الصراط وماهية جسر الصراط، حيث أدركنا أن الصراط هو حقیقة وجودية في النفس الإنسانية ويعكس أعمالنا واکتساباتنا الروحية. ومن هنا، أدركنا أن البعض يعبرون الصراط بهدوء و سكينة،  بينما يواجه آخرون نارًا ملتهبة تمثل معاناة وعذاب.

نطمح أن تكون المعلومات التي قدمناها واضحة ومفيدة بشأن حقیقة الصراط. وإذا كانت لديكم أي أسئلة إضافية، فلا تترددوا في مشاركتها معنا في قسم التعليقات.

[1] . الكافي للكليني، ج8، ص312، ح486

[2] . الميزان في تفسير القرآن، العلامة الطباطبایی، ج۱، ص۳۱

اكتب رأيك