مدرسة المنتظر لعلم الإنسان

محتوى الدورة
الإنسان، الإمام، والسعادة الأبدية
حول الدرس

لماذا كان التشبّه بأهل البيت (ع) هو الطريق الوحيد للوصول إلى هدف الخلق؟

يكمن في أعماق كل إنسان، دافعٌ فطريّ يدعوه إلى النمو، والتطوير الذاتي والسعي الحثيث نحو الكمال المطلق. إنّنا لا نزال نسعى لتجاوز المحدودية، والبلوغ إلى النسخة الأكمل من ذواتنا. بيد أنّ السؤال الجوهري هو: ما غايةُ هذا السعي الإنساني؟ مَن الذي يمكنه أن يكون دليلنا في هذا الطريق؟ وما المعيار الذي يبيّن لنا أنّنا نسير في الاتجاه الصحيح؟ من منظور علم الإنسان في الرؤية الإسلامية، إنّ الغاية النهائية لهذه الحركة هي التشبّه بصفات الله؛ غير أنّ الذات الإلهيّة ليست قابلةً للإدراك المباشر بالنسبة لنا، ولذلك نحتاج إلى قدوة واضحة، مرئية، وقابلة للاقتداء، تُرينا الطريق. قدوةٌ تشبه الله في صفاته، ويمكن لنا، في الوقت نفسه، أن نقتدي بها. وهنا تمامًا يأتي دور أهل البيت (عليهم السلام)؛ فإنّهم تجسيد عيني للقيم الإلهية، والمثال الكامل للإنسانية، والنموذج العملي للوصول إلى ذلك الشَّبَه الحقيقي.

سنبيّن في هذا المقال أنّه لماذا كان التشبّه بأهل البيت (عليهم السلام) ليس خيارًا ثانويًا، بل هو الطريق الوحيد المضمون لبلوغ هدف الخلق، وكيف يضمن هذا الاقتداء مسيرة نمونا وكمالنا.

مفهوم التشَّبه بصفات الله ودور أهل البيت في تحقُّقه

إنّ التشبّه بصفات الله تعالى لا يعني محاكاة ظاهرية، ولا الوصول إلى قوة خارقة، بل يشير إلى التناسب مع الكمالات الإلهية. وهذا التشبّه لا يعني الاتحاد بذات الله، بل يعني أن تتجلّى فينا أسماؤه وصفاته، مثل الرحمة، والعلم، والقدرة. وهذه العملية تشبه تمامًا علاقة التلميذ بأستاذه؛ فالتلميذ، من خلال التدريب والممارسة، يكتسب شيئًا فشيئًا مهارات أستاذه وكمالاته، حتى يُصبح هو أيضًا صاحب ذلك «الاسم» وتلك الصفة. وهكذا، فإنّ طريق التشبّه بصفات الله هو طريق اكتساب الأسماء الإلهية والتخلّق بأخلاقه.[1]

ولكن هنا يظهر السؤال المهم: كيف يمكن أن نتشبه بصفات الله وهو اللامتناهي الذي لا يُدرَك؟

نحن لا نستطيع أن نتخذ الله تعالى قدوةً مباشرة، لأننا لا نراه، ولا يمكننا أن نشاهد صفاته وسلوكه بصورة محسوسة في مواقف الحياة المختلفة. إنّنا بحاجة إلى نموذج يكون من جهةٍ، مرآة كاملة تعكس الكمالات الإلهية، ومن جهةٍ أخرى، قد عاش في هيئة إنسان بيننا، بحيث نرى سلوكه في تفاصيل الحياة: من طريقة تعامله مع أهله وأصدقائه، إلى أسلوبه في مواجهة الأعداء والمحن، لنقتدي به اقتداءً عمليًا واضحًا.

أهل البيت (عليهم السلام)؛ الميزان والإنسان الكامل في طريق التشَّبه

في هذا الطريق الدقيق والمعقّد للنموّ الإنساني، لا يسير أيُّ مسافرٍ بلا أداةٍ للقياس والتقييم. فكما يحتاج متسلّق الجبال إلى مقياس الارتفاع، والقبطان إلى بوصلة، يحتاج الإنسان في مسيرته نحو الكمال إلى «ميزان» دقيق يهديه. هذا الميزان يساعده على تقييم أعماله وأفكاره ونيّاته، ليدرك هل هو يسير في الطريق الصحيح أم يبتعد شيئًا فشيئًا عن الهدف الأساسي. غير أنّ هذا الميزان لا يمكن أن يكون قوانين جامدة بلا روح؛ فالنفس الإنسانية حيّة، متحرّكة، وفاعلة، وتحتاج إلى قدوة حيّة. إنّ أهل البيت (عليهم السلام) هم المظهر الكامل للحقّ، والتجسيد الواقعي للإنسان الكامل. فإنّهم صورة متحقّقة فعلاً لما نملكه نحن بالقوّة والإمكان. ومن خلال عرض ذواتنا على مرآة وجودهم، نستطيع أن نكتشف نقائص أرواحنا واعوجاجاتها، ونقطع عمليًا طريق التشبّه بالله. إنّ الإمام ليس مجرد مرشد، بل هو الميزان والمعيار للأعمال.[2]  وقد جاء في القرآن الكريم قوله تعالى: “يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمَامِهِمْ” [3]  وهذا يعني أن موقع الإنسان في الآخرة يُقاس بمقدار تشبّهه بأئمّته. من هنا، فإن الطريق الوحيد للوصول إلى هدف الخلق يمرّ عبر التشبّه بالأئمة (عليهم السلام)، إذ إنّ أيَّ قدوةٍ سواهم ناقصة ومضلِّلة، ولا يمكن أن توصل الإنسان إلى غاية خُلق لأجلها.

سُلَّم طريق التشبه: من التمنّي القلبي إلى أسلوب الحياة

إنّ معرفة الهدف والقدوة ليست إلا بداية الطريق، أمّا السير في مسار التشبّه بأهل البيت (عليهم السلام) فيحتاج إلى حركةٍ عملية. تبدأ هذه الحركة بتمنٍّ عميقٍ من القلب؛ ذلك التمنّي الذي علّمنا أهل البيت (عليهم السلام) أنفسهم التعبير عنه في زيارة عاشوراء: «… أَنْ يَجْعَلَنِي مَعَكُمْ فِي الدُّنْيَا وَ اﻵْخِرَه…. وَ أَسْأَلُهُ أَنْ يُبَلِّغَنِي الْمَقَامَ الْمَحْمُودَ لَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ..» غير أنّ التشبّه بأهل البيت (عليهم السلام) لا يتحقق بالدعاء وحده؛ بل لا بدّ من أن نُنسِق أسلوب حياتنا مع سيرتهم. لا يمكن أن نتمنى بقلوبنا مرافقة الأطهرين، وفي الوقت ذاته نسلك عملياً طريقاً مخالفاً لمنهجهم. هذا يشبه من يدعي رغبة الصعود إلى القمة، لكنه يتلهى في سفح الجبل دون حمل معدات التسلق.

إن التشبّه بأهل البيت (عليهم السلام) يعني أن تكون سيرتهم ميزانًا لكلّ اختياراتنا، وارتباطاتنا، وأفكارنا، وسلوكياتنا؛ بدءاً من طريقة كسب الرزق، وعلاقات أسرية، وصولاً إلى أسلوب التعامل مع الأصدقاء والخصوم. أمّا إذا خالفت حياتُنا العملية هذا المنهج، فادّعاء التشبّه لا يكون إلا ضربًا من الخيال.

تحدّيات الطريق: خطر قدوات مزيّفة

إنّ أخطر ما يهدّد طريق التشبّه بأهل البيت (عليهم السلام) يكمن في اختيار قدوات كاذبة. ففي عالم اليوم تُطرح أمامنا نماذج كثيرة بوصفها قدوات يُحتذى بها؛ من فنانين ورياضيين إلى فلاسفة وعلماء. لكن هذه القدوات، في أفضل الأحوال، لا تقود الإنسان إلا إلى حدود العقل أو الجسد، لا إلى التشبّه بالله؛ لأنها نفسها لم تبلغ هذا المقام.

فإنْ كان قدوتنا شخصًا لا يمتلك إلا بُعدًا واحدًا من النموّ، كالعلم، أو الفن، أو القوة الاجتماعية، فلن نتجاوز حدود ذلك البعد أيضاً. من اتّخذ عالمًا قدوة، فلن يبلغ إلا قمّة العقل النظري؛ ومن جعل بطلاً رياضيًا مثاله الأعلى، سيظلّ حبيس الإطار الجسدي نفسه. أما من أراد الاقتراب من اللانهاية، وتنمية جميع أبعاد وجوده، فلا بد أن يختار قدوةً بلغت هي ذاتها مقام اللانهاية. وكما نُسَلِّم أدق أمورنا المادية لأكثر المتخصصين كفاءة، لا يليق أن نضع أرواحنا، وهي الجانب الإنساني من وجودنا، إلا بين يدي متخصص معصوم. أما الاقتداء بالقدوات الباطلة والناقصة، فلن يورث إلا الضلال والندم.

في هذا الدرس تحدّثنا عن حركة الإنسان وهدفه النهائي، وقلنا إنّ مسار النموّ الإنساني هو سفرٌ من الذات إلى الله. وغايته الأخيرة هي التشبّه بصفات الله تعالى؛ وأهل البيت (عليهم السلام)، بصفتهم الإنسان الكامل، قد وضعوا بين أيدينا معيار هذا الطريق و خارطة مساره. فخارطة الطريق هي سيرتهم، والميزان هو وجودهم النوراني.

وبذلك، فإنّ التشبّه بأهل البيت (عليهم السلام) ليس مجرد طريق آمن للنموّ الإنساني، بل هو الطريق الوحيد لتحقيق هدف الخلق؛ لأنّ الميزان الأخير هو الله، وأهل البيت (عليهم السلام) مظاهر تامّة لجماله وكماله. وكلما تعمّقنا في هذا التشبّه، ازددنا قربًا من الحقيقة الإلهية، ومن الهدف الذي خُلقنا من أجله.

[1]  قال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلّم) : «تَخَلَّقُوا بِأَخْلاَقِ اَللَّهِ.»

[2]  كما جاء في ؤيارة اميرالمؤمنين(ع) «السَّلامُ عَلَیک یا میزانَ الأعمال».

[3]  سورۀ اسراء، آیۀ 71

التعليقات والأسئلة

اطرح سؤالًا أو شارك تجربتك مع هذا الدرس.

0مناقشات
مناقشات الدرس
لا توجد مناقشات بعد

كن أول من يطرح سؤالًا حول هذا الدرس.