مدرسة المنتظر لعلم الإنسان

محتوى الدورة
الإنسان، الإمام، والسعادة الأبدية
حول الدرس

الثبات على العهد والوفاء إلى المنتهى، شرط مُلازمة الإمام

لو كُنّا في كربلاء، هل كُنّا سنثبت حقاً إلى جانب الإمام، أم كنّا سنتخلى عن ساحة الامتحان بذرائع واهية كحال الكثير من المدّعين؟ هذا التساؤل يُفضي إلى استفسارات جوهرية قد يضيء درب حياتنا:

  • ما هو الشرط الحقيقي للمعيّة والمُلازمة للإمام، ومن هم الذين يثبتون معه إلى نهاية المطاف؟
  • لماذا يثبت البعض في مفاصل التاريخ الحرجة إلى جانب إمام زمانهم، بينما ينفصل آخرون، رغم سوابقهم اللامعة؟
  • هل معية الإمام ومرافقته مجرّد ادّعاء قلبي، أم أنّ لها شرطًا حقيقيًا باطنيًا؟

نتناول في هذا المقال باستفاضة شرطي المُلازمة للإمام – الصبر والوفاء – ونُحلل كيف تُشكل هاتان الصفتان المعيار الأساسي للثبات أو الانفصال عن وليّ الله في لحظات مصيرية.

الصبر: الركن الأساسي للملازمة والمعية

يُعدّ الصبر عنصراً أساسياً لسلامة القلب واستقامته. فالصبر هو الأداة التي نبلغ بها أي درجة من درجات الكمال. إنه الشرط الوحيد اللازم في طريق الأبدية، ألا وهو امتلاك القلب السليم. [1]فهو العنصر الجوهري في إيماننا، وهو قائم على المعرفة واليقين، ويلعب دورًا أساسيًا في كيان الإيمان تمامًا كما يلعب الرأس دوره في جسد الإنسان.[2]

الصبر هو الركن الأساس والشرط الأوّل لمرافقة الإمام؛ وبدونه تبقى مرافقة الإمام مجرّد ادّعاء لا أكثر. والصبر ليس مجرد سكوت أو مقاومة سلبية، بل هو ثباتٌ واعٍ قائم على المعرفة في مواجهة الصعوبات والتحدّيات. الذين يدركون الصبر لا كفضيلة أخلاقية فحسب، بل كأداة للثبات في مسار الولاية، هم الأنصار الصادقون، وهذا هو معيار البقاء إلى جوار وليّ الله.

غير أنّ مكانة الصبر لا تقتصر على ميادين القتال واختبارات خارجية؛ بل إنّه يلعب دورًا مصيريًا في مسيرة تكامل الإنسان. فقد خُلق الإنسان بمجموعة من الكمالات الإلهية الكامنة، لكن تفعيل هذا الرصيد الكامن مستحيل دون الصبر. كل اسم من أسماء إلهية (كالرحمة، التوكل، الرضا، الوفاء، الشجاعة…) لا يزدهر إلا في سياق التضاد والمشقة. والصبر هنا هو أداة تنقلنا من المعرفة النظرية إلى الملكة القلبية.

ثمة فرق شاسع بين المعرفة النظرية والملكة القلبية. المعرفة النظرية تزداد بالمطالعة والممارسة، لكننا لا نحيا بها. المهم هو مقدار ما نملكه في قلوبنا، وهو ما نحيا به في الدنيا وسنُحشر به في البرزخ. ولطالما يحدث أن نملك معارف كثيرة، ومع ذلك لا نكون أقوياء أو سعداء؛ لأنّ معارفنا لم تتحوّل إلى مَلَكاتٍ روحية والتي لن تتحقّق إلًا بالصبر في الامتحانات وتقلّب الأحوال. يقول الإمام محمد الباقر (عليه السلام): “الجنة محفوفة بالمكاره والصبر”.[3] فالصبر هو كلمة المرور لعبور المصاعب والجسر الذي يوصل إلى مقام القرب الإلهي؛ إذ لا يستطيع غير الصبور أن يبلغ وسط المنغّصات والمحن، إلى ملَكاته الحقيقية في باطنه، ولا أن يصل إلى مقام المعية مع وليّ الله.

الوفاء؛ معيار الثبات والاستقامة في طريق الإمام

الوفاء يعني الالتزام والثبات على التعهدات. وهو شرط لازم وأساسي في مسار المُلازمة مع الإمام، ولازمته الصبر. إذا كان الصبر هو قوة الوقوف في المسار، فإن الوفاء هو الثبات على العهد. الوفاء في حقيقته هو الصبر والمثابرة في العلاقة التي عقدناها مع الإمام أو مع الله، أو مع عهودنا الداخلية. لا يقتصر الوفاء على إدعاء لفظي؛ بل يعني البقاء على الالتزام في أصعب الظروف، وفي عزلة مطلقة، وحتى عندما لا يكون هناك منفعة مباشرة.

عوائق الصبر والوفاء

إنّ العدو الأوّل للصبر هو سطوة هوى النفس. فالنفس مجبولة على القلق والعجلة، وما إن تشتدّ عليها الصعاب حتى تضطرب وتخور عزيمتها. فكيف يُتوقع من نفسٍ بهذه الخِلْقة أن تظلّ ثابتةً على عهد المُلازمة، وأن تثبت إلى جوار إمامها؟

وفي سياق آخر،فإنّ الحياة مُحاطة بالتناقضات المستمرة – كالألم والنزاع وضغوط اجتماعية. وهنا يكمن المحك؛ فالنفس التي تستقبل هذه التحديات كـ ‘تهديد’، تفقد رغبتها في المُلازمة الروحية والمعية. أما النفس التي تستقبلها كـ ‘فرصة للارتقاء’، فهي وحدها التي تثبت في رِكاب الصادقين.

عاشوراء؛ معيارٌ واضح للمرافقة الحقيقية

لم تكن واقعة عاشوراء مجرد مسرح لعرض الظلم والمظلومية، بل كانت ميداناً فريداً لتمحيص الأنصار الحقيقيين من المُدّعين. الآلاف الذين دعوا الإمام برسائل حماسية، تخلّوا عنه عند اشتداد الخطر، بل ووقفوا في صف العدو. في المقابل، صمدت ثلة قليلة من الأنصار بوفاء حتى اللحظة الأخيرة. لقد كانوا أهل صبر نابع من الإيمان والفهم العميق للمسار. وبتعبير حكيم للإمام علي (عليه السلام): “في تقلُّب الأحوال عُلمت جواهر الرجال”.[4] فالقلب يُختبر وتظهر حقيقته في مواقف التنازع واختلاف الأحوال. ولهذا، أعلن الإمام الحسين (عليه السلام) صراحة في قلب الميدان: “أَيُّهَا النَّاسُ، فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ يَصْبِرُ عَلَى حَدِّ السُّيُوفِ وَطَعْنِ الأَسِنَّةِ فَلْيَقُمْ مَعَنَا، وَإِلَّا فَلْيَنْصَرِفْ عَنَّا”.[5]

واقعة عاشوراء ليست مجرد حدث تاريخي، بل هي معيار حيّ يُقاس به سلامة وصدق قلوبنا اليوم. يكفي أن نتخيل أنفسنا في موضع أحد أصحاب الإمام، لتقييم قراراتنا اليوم وعلاقتنا بإمام زماننا. يكفينا دون أي مجاملة، نضع أنفسنا في موضع كل فرد من أصحاب الإمام أو حتى في صفوف أعدائه، مُستحضرين ما مرّ بهم موثقاً. حينئذٍ، يُمكننا أن نُقيّم قراراتنا الحالية ومدى صدقها في سياق مُلازمتنا لإمام عصرنا ونصرتنا له في غربته. إن عاشوراء تُقدّم مرآةً صافيةً لِنُبصر فيها موضعنا الحقيقي من الحق.

شرط مرافقة الإمام في زمن الغيبة

قد يتساءل البعض: “لم أكن في كربلاء، ولا أرى إمامي الآن، فما حاجتي إلى الصبر والوفاء؟” إن كل واحد منا يقف في ميادين يومية تختبر صبره ووفاءه: ضغوط اجتماعية، الظلم، إحباط من طول الانتظار، ثقل الامتحانات العائلية، وأزمات أخلاقية واقتصادية… كلها ميادين لمُمارسة الصبر والوفاء.

في عصر الغيبة، قد لا تكون الرؤية البصرية للإمام هي المعيار، بل المعيار الحقيقي هو مقدار تشابهنا الوجودي معه، وهذا التشابه يُوضع تحت الاختبار في كل لحظة. بعبارة أخرى، إن اختبار الثبات والمُلازمة مع الإمام لا يرتبط بظهوره أو غيبته، بل هو اختبار دائم يُقدم لجميع البشر عبر تاريخهم.

في هذا المقال تحدّثنا عن أهمية الصبر والوفاء بوصفهما الشرط الأساس لمرافقة الإمام، وبيّنّا أنّ شرط المرافقة ليس رؤية الإمام، بل أن نجعل من مشهد كربلاء جزءًا من حياتنا اليومية. فكلّ يوم هو فرصة لإثبات وفائنا أو نقضه. وإن كنّا نريد أن نكون إلى جانب  الإمام حين يدعونا، فعلينا ممارسة الصبر والوفاء، لا في الأقوال، بل في الأفعال والسلوك والاختيارات والثبات على طريق الحق.

[1] یَوْمَ لَا یَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِیمٍ؛ سورة الشعراء، الآيتان 88-89

[2] الامام صادق (ع): «الصَّبْرُ مِنَ اَلْإِيمَانِ بِمَنْزِلَةِ اَلرَّأْسِ مِنَ اَلْجَسَدِ فَإِذَا ذَهَبَ اَلرَّأْسُ ذَهَبَ اَلْجَسَدُ كَذَلِكَ إِذَا ذَهَبَ  اَلصَّبْرُ ذَهَبَ اَلْإِيمَانُ» (الکافی، ج 2، ص 89).

[3]  (اصول الکافی، جلد 73 ص 2)

[4] . (بحار الأنوار: ج ٧٧، ص ٢٨٦).

[5] ينابيع المودّة، ص 356

التعليقات والأسئلة

اطرح سؤالًا أو شارك تجربتك مع هذا الدرس.

0مناقشات
مناقشات الدرس
لا توجد مناقشات بعد

كن أول من يطرح سؤالًا حول هذا الدرس.