محتوى الدورة
ما الذي لا يُمثّله الإنسان؟
0/24
منظومة المحبّة في كيان الإنسان
0/20
دور القدوة في حياة الإنسان
0/18
العلاقة بين الدنيا والآخرة
0/24
السنن الإلهية
0/20
كيف نصبح إنسانًا بحق؟
0/17
ما هو علم الإنسان؟
حول الدرس

ما هو الفرق بين معرفة النفس و علم الانسان؟

عند إجراء بحث بسيط عن كلمة “إنسان” في محركات البحث، فسنحصل على أكثر من 360 مليون نتيجة في أقل من ثانية. كل منها يسلط الضوء على مجموعة كبيرة من الخصائص البشرية. بدءًا من السلوك والعادات إلى الاهتمامات وأسلوب الحياة وكل ما يتعلق بهذا الکائن المعقد على الرغم من أنه مألوف لدينا! لكن السؤال هو: هل هذه الخصائص هي حقًا ما تميز الإنسان عن الكائنات الحية الأخرى، أم أن هناك شيئًا أكثر عمقًا يميزه عنها؟

ما يخبروننا به اليوم عن الإنسان يختلف عن حقيقته. فبدلا من الخوض في التعريف الحقيقي للإنسان، غالبا ما يكون التركيز على سماته الفردية والاجتماعية التي يتم تقديمها في شكل نظريات في معرفة النفس و علم الإنسان. حاليا، تنحصر هذه الدراسات في المجتمعات العلمية في مجال علم الاجتماع والأنثروبولوجيا، مما يؤدي إلى منظور محدود، ينظر إلى البشر من منظور اجتماعي فقط.

وأما معرفة النفس، فإنه يتمحور عادة على علم النفس واستراتيجيات تحقيق النجاح. ما يفسر وجود العديد من النظريات المعقدة الموجودة حول البشر، هو أننا لم نتمكن  بعد من استكشاف جميع أبعاد وجودنا.

الإنسان بصفته الشخصية المركزية في الكون، لديه تعريف دقيق يمكن العثور عليه في مقالة “ماهو المعنى الحقيقي لكلمة «إنسان»؟” حيث سنتحدث عن هذا الأمر بالتفصيل، أما في هذه المقالة سنشرح الفرق بين “علم الإنسان” و”معرفة النفس“.

علم الإنسان أساس كل العلوم

لتوضيح الأهمية الحاسمة لمعرفة الإنسان، دعنا نضرب مثالًا. تخيل طفلا يحضر درسا في الصف الثالث الابتدائي دون أن يجتاز الصفين الأول و الثاني. يتوقع المعلم من الطفل القراءة والكتابة والقيام بعمليات الضرب، على الرغم من عدم معرفة الطفل بأي من هذه المجالات. وكلما أصر المعلم على طلبه، ازداد اضطراب الطفل كافحا جاهدا من أجل تلبية التوقعات التي ليس لديه استعداد للوفاء بها. في الحقيقة، هذا الطفل هو انعكاس لأنفسنا، وهذا المعلم هو ليس أحد سوانا. إننا نتوقع من أنفسنا القيام بأشياء مستحيلة و التي لم نتعلم المبادئ الأساسية لها، لأننا غالبًا ما نفرض معايير غير قابلة للتحقيق على أنفسنا. فجميع علاقاتنا وأفكارنا ومعتقداتنا وخياراتنا مستمدة من معرفة لم نتعلم أبجديتها بعد.

في هذا المثال، يتجاوز اكتساب علم الإنسان القدرة على القراءة والكتابة ويشمل معرفة الحروف والأصوات، أو الأبجدية نفسها. بعبارة أخرى، يُعد علم الإنسان الأساس الذي يتم من خلاله تنمية جميع القدرات الأخرى. إنه ليس مجرد مجال يمكننا اختياره إذا أردنا، ولكنه بالأحرى موضوع أساسي من الضروري على الجميع تعلمه، إذ أن بدون مبادئه ستكون جميع الخطوات والمساعي اللاحقة خاطئة أو مستحيلة.

الفرق بين علم الإنسان ومعرفة النفس

تشير مصطلحات “الإنسان“، “الذات الحقيقية”، “الأنا الحقيقية” و “النفس” جميعها إلى كائن ذي أبعاد مختلفة، مع كون أحد أبعاده متمايزا ومتسامياً. هذا الجانب المتعالي يميز البشر عن المخلوقات الأخرى. لذلك، من وجهة النظر هذه، لا يوجد فرق بين علم الإنسان ومعرفة النفس.

في الفلسفة الإسلامية أيضا، يشير كل من علم الإنسان و معرفة النفس إلى المفهوم ذاته، وهو دراسة النفس الحقيقية ومعرفتها. يسعى هذا العلم إلى تحقيق فهم شامل وكامل للإنسان من أجل تنظيم علاقته بالحياة، والعالم المحيط به وغاية خلقه بناءا على هذه المعرفة. في هذه النظرة إلى العالم، فإن الإنسان هو مركز الخليقة، ولكن بدون معرفته لنفسه فإنه لن يتمكن من الوصول إلى غايته. هذا هو تقريبا الوضع الذي نراه في العالم اليوم.[1]

حكاية الإنسان هي حكاية حاكم غير كفء يسمح للآخرين بالتدخل في شؤون بلاده، و هذا ما يؤدي إلى تضييع كل من نفسه ومملكته. إذا لم يعرف المرء نفسه فإنه لن يستطيع أن يحكم هذا العالم، ويترك نفسه تحت رحمة أهوائه ورغباته وحاجاته، بل  وبدلا من ان يحدد رغباته وأهدافه بنفسه، فإن قواعد العالم هي التي ستحكم عليه و تجره في أي اتجاه كان.

ما هو تأثير علم الإنسان على حياتنا؟

كل شخص منا لديه منظار خاص يفسر من خلاله كل شيء، قضايا مثل ماهية الإنسان، والغرض من خلقه، ومعنى الحياة، وما إلى ذلك. على الرغم من أنه قد تكون هذه الآراء خاطئة أو سطحية، إلا أنه من المستحيل أن يكون الفرد غير مبالٍ بهذه الأمور.

نحن نضع جميع خطط حياتنا، الكلية منها والجزئية، بناءً على هذا المنظار. يختار كل من يعتبر نفسه حيوانًا متطورًا في افتراضاته العقلية طريقة معينة في العيش، بينما يختار الشخص الذي يعتبر نفسه إنسانا حقيقيا نهجا مختلفا. يوجد لكل أسلوب حياة نتائجه الخاصة به.

تقود النظرة الأولى الفرد إلى حصر وجوده بالكامل في الفترة المحدودة بين الولادة والوفاة، لذلك يصبح جشعًا و مضطربا يخشى الموت، وقد يلحق الضرر بنفسه والآخرين، لأنه قلق دائماً بشأن الخسارة: فقدان اللذة، والسلطة، والثروة، و في النهاية فقدان نفسه! أما الشخص الذي يرى نفسه كإنسان، ويؤمن أن الإنسان لن يفنى أبدا، فإنه لا يخاف، ولا يحارب أحدا لتحقيق مكاسبه الشخصية، و يضبط نفسه في المصاعب.

ما يدفع هاتين المجموعتين من الناس للتعبير عن  مشاعر مختلفة هو نظرتهم المتناقصة للإنسان. يرجع هذا الاختلاف في الرأي بالاختلاف في علم الإنسان أو معرفة النفس عند الأشخاص، حيث يؤدي التعريف الخاطئ للإنسان إلى خيارات لنمط حياة خاطئ وتجارب مؤلمة من الحزن والضيق.

في هذه المقالة، قمنا بإعادة تعريف مصطلحات علم الإنسان و معرفة النفس، و من وجهة نظرنا استنتجنا أن كلا المفهومين مرتبطان ارتباطًا وثيقا و يتعلقان بمعرفة النفس الحقيقية للإنسان. هذه المعرفة هي التي تؤثر على فهم الشخص للحياة، والرغبات، والطموحات، والأولويات، والهدف الذي يحدده الإنسان لنفسه.

[1] .  أنواع معرفة النفس