محتوى الدورة
ما الذي لا يُمثّله الإنسان؟
0/24
منظومة المحبّة في كيان الإنسان
0/20
دور القدوة في حياة الإنسان
0/18
العلاقة بين الدنيا والآخرة
0/24
السنن الإلهية
0/20
كيف نصبح إنسانًا بحق؟
0/17
ما هو علم الإنسان؟
حول الدرس

هل للحب مكان في فطرتنا؟ القلب هو مكان من في وجودنا؟

القلب مكانٌ لمن؟ هل خطر على بالك يومًا هذا السؤال؟ ان قلوبنا بطبيعتها مملوءة بالحب، فكل كمال أو جمال ظاهري يجذبنا بسهولة ويجعلنا مفتونين به، ولكن هل للقلب مساحة وقدرة لكل هذه المحبوبات المتنوعة؟ في هذه المقالة، نود أن نجيب على سؤال “القلب هو مكان من؟” وأين يتم توطين الحب ومحبوبنا الحقيقي؟

على مدى السماء اللامتناهي، والكواكب والمجرات، والمخلوقات والصحاري والبحار، وكل ما هو موجود وملموس في هذا الوجود،  هناك رمزية وغموض يعتريها. تماما كخلق الإنسان الذي بكل بساطته ورقيته، يتصف بالتعقيد والغموض في الوقت ذاته. ومن هنا، فإننا غالبًا ما نحتاج في مساعينا وأفعالنا التي نختارها ونسعى لتحقيقها، إلى الفكر والتأمل والإرشاد. حتى في مشاعر الحب والعشق؛ لأننا دائماً نسعى إلى اكتساب الكمالات اللا متناهية.

بعضنا يعرف القلب فقط كعضلة تنبض بحجم قبضة اليد وتعمل كآلية لضخ الدم في الصدر، ولكن كما ذكرنا في المقالات السابقة، القلب هو اسم للجانب الإنساني الطموح الذي لا حدود له في وجودنا، وهو حقيقة وجودنا والثروة الوحيدة التي نمتلكها في رحلتنا نحو الآخرة. إنه الجانب الأكثر قيمة وقوة في وجودنا الذي يحتوي على مختلف العواطف والروابط والعلاقات والارتباطات والمشاعر. لكن من ينتمي حقا الى القلب وكيف يمكنه أن يستوعب محبوبات مختلفة إلى هذا الحد، وهل هناك حقًا وجود محبوبات أخرى في قلوبنا؟

القلب ومختلف المحبوبات

عندما ننظر بعناية إلى أجزاء جسمنا، ندرك أن كل عضو مصمم لهدف محدد. لا يمكننا السماع بمعدتنا أو التفكير بعيننا. أعضاء حواسنا هي مواقع ارتباطنا بالكمالات والمحبوبات الحسية، والعقل هو مكان الحسابات والأنشطة العقلية. في الواقع، كل واحدة من هذه الأعضاء مختصة بمرتبة من وجودنا ولها وظيفتها الخاصة. ولكن ماذا عن القلب؟ إن قلبنا مرتبط بمرتبة ماوراء العقل وهو محل تواجد محبوبنا الرئيسي. في الواقع، لا يحقق  القلب سوى هذه الوظيفة، وإذا كان لدينا استخدام آخر للقلب، فإننا لم نحقق كماله. كما يمكن لقلم خاص بالكتابة أن يتدهور إلى حد آلة لاختلاط محتويات علبة أقلام الطلاء، يمكن أيضًا أن ينحرف قلبنا عن موقعه في التواصل مع محبوبه الحقيقي. إلى أن يصبح مجرد سلة مهملات لمحبوبات سطحية وتافهة.

القلب الذي يمكن أن نستدل عليه بأسماء متعددة كالروح، والنفس، والطفل الروحاني العزيز، إنه ذو طبيعة لا نهائية، وبشكل عام فإنه لا يمكن أن يرتبط إلا بمحبوب من جنسه. القلب الذي لا يستطيع إقامة علاقة مع الله، يشبه جهاز الرادار المتطور الذي استخدمناه كصندوق أدوات. ما يجب ألا ننساه هو أن القلب هو الوسيلة الوحيدة لتواصلنا مع محبوبنا الحقيقي، أي الله، وبدونه سنكون مساوين للحيوانات التي انخرطت في مراتب الجماد والنبات والحيوان. ونتيجة لذلك، لا توجد لديهم طريقة للوصول إلى المحبوب الحقيقي الأعلى. إذن تعتبر أولى خطوات إعادة القلب إلى أصله، هي معرفة من ينتمي إلى القلب ومن يمتلك الإذن بالدخول إليه من المحبوبات، فإن عظمة قلوبنا تكمن في كونها موطنًا للكمال المطلق واللا محدود وأنها تنتمي إليه.

ما هي مهمّتنا في الحياة؟

من خلال مراتب وجودنا المختلفة، ندخل في التواصل مع محبوبات متعددة، ولذا فمن الضروري بمعرفة ما ينبغي أن يكون في القلب حتى لا نضيع قلوبنا في أمور لا قيمة لها. فسواء كانت تلك المحبوبات من عالم الجمادات، أو النباتات، أو الحيوانات، أو العقل، أو ماوراء العقل، فإنها بالرغم من تنوع وظائفها، تبقى تؤثر في عمق قلوبنا. كل محبوب، باستثناء المحبوب الخاص بجانب ماوراء العقل، يمكنه أن يجد مكانًا في قلوبنا عندما يعمل في اتجاه تعزيز ماوراء العقل ويكون خاضعًا تمامًا لسيطرته فقط.  وليس الامر أن يكون له ائتمان ذاتي ويمتلك دورًا مستقلًا ذاتيًا في إثارة الفرح والحزن في قلوبنا.

إن محبوبات الأبعاد الأخرى لوجودنا تكون ذا فائدة فقط عندما يتم تضمينها في إدارة ماوراء العقل. لنفترض أنك ترغب في العمل في شركة مقاولات، ليس مهما لصاحب العمل أن تجيد الطبخ أو رعاية النباتات أو أنك تلعب التنس بشكل جيد، بل ما يهمه هو أن تكون لديك شهادة أو خبرة في مجال البناء أو أي مهارة تساعدك في العمل في هذا المجال. يتم تعريف ارتباط قلوبنا مع الله والمحبوبات الأخرى بنفس الطريقة، أي أنه لا يمكننا أن نكون متعلقين بالمنزل أو السيارة أو الشهادة العلمية أو المرتبة الوظيفية وما إلى ذلك فقط، بل نتوقع أن ينمو الجانب الفوق عقلي من وجودنا ايضاً وأن نصل في النهاية إلى السعادة والسكينة. ولكي تدوم السعادة و السكينة عندنا كإنسان، يجب أن ندير علاقتنا مع المحبوب الحقيقي بشكل صحيح.

لقد أثبتنا في مقالات التوحيد أن الله هو المحبوب الوحيد لهذا الجانب من وجودنا، وإذا كان لديك أي استفسار في هذا الصدد، يمكنك الرجوع إلى الدورة الأولية. هذه الأمور ستكون مفيدة في علاقتنا مع المحبوب الحقيقي فقط عندما تكون موجهةً لخدمة الجانب ماوراء العقلي من وجودنا.

كلما استأنسنا اكثر بمحبوبات الكمالات المختلفة، كلما ازدادت علاقتنا بها و امتزجنا معها أكثر. هذا يعني أن القلب يمتلئ فقط بما يوليه اهتمامًا. إن مسار حياتنا والعلاقات التي لدينا مع أمور مختلفة تدفعنا باستمرار لكي نود الارتباط بمحبوبات متعددة في كمالاتنا الوجودية المختلفة. قد نقع في حب سيارتنا الجديدة في بعض الأحيان  وفي وقت آخر قد يصبح كل همنا هو شكلنا ومظهرنا الخارجي، وأحيانًا أخرى نصبح متعلقين بطفلنا و… في كل من هذه الحالات، إن قلبنا هو الذي يتأثر ويتغير وفقًا لكل هؤلاء المحبوبات. إن قلبنا لا يكون فارغًا أبدًا، وعندما يفقد أحد فإنه سرعان ما يحل مكانه محبوب آخر. إن مهمتنا في الواقع هي تفريغ قلوبنا من محبوبات الطبقات الدنيا من وجودنا وتنقيتها لتكون قلوبنا نقية طاهرة لمحبوبنا الأساسي، لأن قلوبنا هي مكان محبوبنا الحقيقي وهي حرم الله.

ماذا يعني “حرم”؟

كلمة “حرم” تعني أن يكون الشيء ممنوعًا. يمكننا القول أن الحرم هو المكان الذي بواسطة حرمته يتم استبعاد فئة من الأعمال والسلوكيات والصفات. أي أننا لا يمكننا التعامل فيه بأي شكل نريد، أو نستخدم أي كلمة أو لفظ نريد، أو الدخول إليه بأي شكل من الأشكال. الحضور في الحرم يتطلب صفات خاصة والدخول إليه يتطلب معايير وظروفًا محددة.

إن بنية وجود قلوبنا مصمم بطريقة تحمل خصائص الله. وبالتالي فإن قلوبنا تتناغم فقط مع وجود الله وتجد السكينة فقط عند ذكره. عندما تحتل قلوبنا محبة غير محبة الله، يصبح قلبنا متشردًا ومنافقًا ويفقد التوازن. لقد تم تعريف القلب كمنزل وحرم لله.[1] إن وجود حب غير الله في القلب يعادل خروج صاحب المنزل منه وتسليم المفتاح للغرباء. إن السماح لأي شيء آخر غير محبة الله بأن يسكن في قلب المرء هو بمثابة إخراج صاحب المنزل من منزله و إسناد المفاتيح لمستأجرين غير مبالين. النفس المملوءة بالمحبوبات الدنيوية والمؤقتة تقع في الغفلة وتصاب بأمراض متنوعة، أمراض تعيقنا في النهاية من الوصول إلى الله.

لذلك يجب علينا أن نعرف حدود ومستويات وجودنا المختلفة فيما يتعلق بقلوبنا، ولا ينبغي أن ندع الأوهام و الرغبات أو العلاقات أن تستولي على قلوبنا و أرواحنا و تحتل المكان كله. ولكن نظرًا لاننا لم نولى اهتماما كافيا لقلوبنا، فإن الخطوة الإيجابية التي يمكننا اتخاذها في هذا الصدد هي نزع المحبوبات الأخرى من قلوبنا لكي يتسنّى للمحبوب الحقيقي، والذي ينتمي إلى جوهر قلوبنا، أن يحتل مكانه في القلب.

في هذه المقالة تحدثنا عن القلب وما يمكن أن يحتله. إن قلوبنا تنتمي إلى الله وهي مكانٌ لله فقط. إننا نملأ قلوبنا عادة بغير المحبوب الأصلي لدينا من خلال الارتباطات التي لدينا في الدنيا. لا ينبغي أن يكون لدى هؤلاء المحبوبات مكان في قلوبنا ولا السماح لهم بالدخول إلى حرم القلب إلا إذا كانوا يقصدون تقوية علاقتنا مع محبوبنا الأصلي.

القلب مكان لمن في رأيك؟ هل يتعلق قلبك بصاحبه الأصلي؟

[1] قال الصادق عليه السلام: (القلب حرم الله فلا تسكن حرم الله غير الله) جامع الأخبار ص 28.