محتوى الدورة
ما الذي لا يُمثّله الإنسان؟
0/24
منظومة المحبّة في كيان الإنسان
0/20
دور القدوة في حياة الإنسان
0/18
العلاقة بين الدنيا والآخرة
0/24
السنن الإلهية
0/20
كيف نصبح إنسانًا بحق؟
0/17
ما هو علم الإنسان؟
حول الدرس

ما الذي يحدد القيمة الحقيقية للإنسان؟     

رأس مال نفیس “قد بعتها بثمن بخس!”. هذه هي جملةٌ قد سمعناها عدة مرات لأسباب مختلفة موجهة لأنفسنا أو للآخرين. ويا له من شعور سيء عندما ندرك أننا فرطنا وبسهولة في شيء قبل أن نعلم قیمته الحقیقیة، في الوقت الذی لا يوجد مجال للتعويض في كثير من الأحيان .

تملي كل القوانين البشرية علينا أنه يجب التعويض عند لغو أي اتفاق مسبق. لذلك، من الضروري قبل الالتزام بأي معاملة علينا النظر بدقة في قيمتها وسعرها والاستفسار من مصادر مختلفة لضمان القرار الذي يناسبنا أكثر.

ولكن عندما يتعلق الأمر بقيمتنا الخاصة، لماذا نغفل و بسهولة عن رأس المال الثمین هذا ؟

في هذا المقال، سوف نمعن النظر في التقييم الصحيح للحياة و نوضح كيف يمكننا إيجاد قيمتنا الحقيقية.

من یشتري الشيء رخیصاً یفرط فیه بثمن بخس[1]

نحن نعيش في عالم مادي مليء بالأمور الملموسة، و لذلك فقد اعتدنا على قواعد هذا العالم و احتياجاته. فنمضي شهورا و سنوات عديدة من حياتنا في أمور لا تلعب دورا مهما في حياتنا الأبدية. و بما أن هذه النظرة المادية هي المسيطرة على أذهاننا، فإننا نقيم العالم على هذا المقياس، لذلك نری بأن لدينا المزيد من الرغبة والميل نحو الأشياء المادية والملموسة. فعلى سبيل المثال نمضي أسابيع في تعلّم فن أو لغة أجنبية و لكن ما إن أردنا قضاء ساعة يوميًا في معرفة أنفسنا، نشعر بالقلق من أننا سوف يتخلف عن أداء مهامنا الأخرى. كل هذا يعود إلى حقيقة أننا خاطئين في تقييم الأمور.

ثمن الأشياء تعتمد على وجهة نظرنا إليها

قد تعلمنا في المقالات السابقة أن حياتنا تتكون من أفكار وسلوكيات وخيارات وعلاقات. ولكن ما الذي يحدد مستوى ونوع هذه الأفكار وهذه العلاقات؟ في الواقع، يتم تحديد تقييمنا للأمور من خلال القيمة التي نتصورها في أذهاننا للحياة ومع وضع هذا في الاعتبار، نحن على استعداد لاستثمار كل وقتنا وعواطفنا في ما نعتبره ذا قيمة.

على سبيل المثال، إذا أصيب أحد أفراد أسرتنا بمرض خطير، سنتأثر بشدة و نكرس أياما وليالي في الاعتناء به ونكون مستعدين لدفع أي تكلفة لنراه مرة أخرى في صحة وراحة.

ولكن، هل سمعت يومًا أن شخصًا تتحمّس هذه المشاعر من أجل مزهریّة في منزله؟ إذا أظهر مثل رد الفعل هذا، فمن المحتمل أن يُحكم عليه بالخرف.

هذه هي القاعدة التي تنطبق على حياتنا كلها. وتعتمد جميع علاقاتنا مع أنفسنا والآخرين على نفس وجهة النظر والمشاعر التي نملكها تجاه أنفسنا وحياتنا والآخرين. فكلما اتسع نطاق رؤيتنا، زادت قوة مشاعرنا و محبتنا تجاهه وبالتالي الود للاستثمار فيه أكثر.

قيمة الإنسان

يتم تحديد القيمة التي نضعها لأنفسنا من خلال معرفتنا لأنفسنا وكيفية تعريفنا لها.  موضوع ” طبیعة نفس الإنسان” شغل أذهان الكثير من الناس والفلاسفة منذ العصور الأولى. يعتقد البعض مثل أفلاطون أن جوهر الإنسان يكمن في الجانب غير المادي[2]، بينما لا يرى فلاسفة مثل هوبز[3] وماركس[4] فرقًا كبيرًا بين البشر والحيوانات.[5] حتى في عصرنا الحديث، هناك الكثير من الناس الذين يصرون على تقليص كرامة الإنسان إلى مستوى الحيوان الناطق (homo sapiens)، ويتصورون أنفسهم على أنهم سلالة متقدمة من القرود. على كل حال، فإن كل هؤلاء الأشخاص لديهم نقطة واحدة مشتركة: علينا اولاً أن نعرف “أنفسنا” جيدًا حتى نتمكن من تعديل علاقاتنا ومعتقداتنا وسلوكياتنا على ذلك الأساس.

من أجل معرفة ما إذا كنا مدركين لقيمتنا كإنسان أم لا، يجب أن نفكر في الفئة التي نعرف أنفسنا فيها. هل نعتبر أنفسنا مجرد كائن نباتي له جنس و مدفوع باحتياجات اساسية مثل النمو والتغذية والتكاثر؟ أم أننا نعرّف أنفسنا كحيوان لا همّ له غير تأسيس عائلة والعمل من أجل رفاهيتها و خدمة الآخرين والعيش في بنية اجتماعية والصعود في التسلسل الهرمي الاجتماعي؟

حتى لو أصررنا بحزم وقلنا: “كلا، إنا إنسان” ولكن في الواقع، كل ما يقلقنا هو قصر قامتنا أو حجم عضلاتنا، فإننا قد حددنا أنفسنا على مستوى نباتي. أو إذا كان تعريفنا لأنفسنا يقتصر على لقب طبيب أو مهندس أو أم وأب، أو إذا شعرنا بالضيق من عدم الزواج والعيش مع شخص معين، فإنا لا نقدّر أنفسنا أكثر من حيوان.

فإن معرفتنا بأنفسنا تكتمل عندما ندرك البعد الإنساني لوجودنا ونحدد “النفس” بناءً على هذا. قیمتي هي قيمة إنسان له بعد نباتي وحيواني، لكن تتحدد أفكاره وسلوكه وعلاقاته وخياراته بناءً على نفسه الحقيقية و بعده الإنسانی، ولا ینزّٓل مستوی  قراراته و سلوکه إلى مستوى نبات أو حيوان ابدا.

قلبك ثمنك

لابد ان الحديث عن التقييم،قد أثار فضولك لمعرفة القيمة التي حددتها لنفسك. لمعرفة الجواب، يكفي ان ننظر الى كل ما يشغل بالنا و نوع و مستوى مخاوفنا. تكمن القيمة التي نضعها لأنفسنا في الطريقة التي نقضي بها حياتنا.

يجب أن ننظر أين تسافر أفكارنا وقلوبنا. هل هي مشغولة بالسيارة الباهظة الثمن التي مرت من أمام أعيننا؟ أم هي عالقة بحفلة الليلة الماضية؟ ام اننا مستغرقون في المنصب المهم الذي سوف نشغله غدا؟ نعم، أيا ما كان، فهذه هي قيمتنا. موضع القلب هو الذي يملي علينا قيمتنا الحقيقية.

[1] . و كل من يشتري الشيء رخيصا يفرط فيه بثمن بخس : المثنوي المعنوي للرومي: 1: 1766:  pdf تأليف جلال الدين الرومي – فولة بوك

[2].  نظرية المعرفة الأفلاطونية

[3]  . كان هوبز تابعا  للمذهب الحتمي النفسي و لم يميز بين الإنسان والحيوان

[4].  يعتقد ماركس أن الإنسان حيوان سياسي بالمعنى الحقيقي للكلمة

[5].  افكار عن الطبيعة البشرية، روجر سکرتن