محتوى الدورة
القضاء والقدر والاختيار
0/13
الابتلاء والامتحان في مسيرة الحياة
0/26
الأمراض الخفية للروح
0/15
معرفة الجنة والنار
0/22
النظرة الأبدية والاستعداد للآخرة
0/14
من الخيال إلى سلامة القلب
0/31
الإنسان محور الخلق
0/13
الإنسان، الخلق، والحياة الأبدية
حول الدرس

الاستسلام أم المقاومة؛ كيف يأسرنا الشيطان؟

أيهما تختار؟ الاستسلام أم المقاومة؟ في حياة كل واحد منا هناك عادة مواقف يتعين علينا الاختيار فيها بين الاستسلام و المقاومة. ولكن يختلف الأمر عندما يتعلق بالعداء الحقيقي، حيث يكون الاستسلام بمثابة السقوط. يواجه كل كائن حي أعداء وفقًا لطبيعة وجوده، وكلّما اتّسع نطاقُ هذا الوجود، ازداد عددُ أعدائه. في هذا السياق، يُنبهنا خالقنا ومبدعنا، الذي يحيط علماً ببنية وجودنا، إلى كائنٍ بعينه كعدوٍّ مُبينٍ لنا، ويطلب منا أن نأخذ هذه العداوة على محمل الجد.

هذا العدو ليس سوى الشيطان الذي لا يتوافق مع بنية وجودنا إطلاقا وإذا استسلمنا له سنكون من المهلكين. تماما كما يلفظ جسدنا أنفاسه عند استسلامه لفيروس قاتل، كذلك تُزهقُ أنفسُنا إنْ سَلّمْنا أمرَنا للشيطان كعدونا المبين فذلك يعني الضياع والحرمان من تحقيق الهدف السامي الذي خُلقنا من أجله. إنّه لا مناصَ لنا من مقاتلة الشيطان ومقاومته، ولكن من المُهمّ أن نُدرك الظروفَ التي تُتيح له الاستسلامَ، والطرقَ التي يتّخذُها للتسلّل إلينا والهيمنة علينا، وكيفيةَ سدّ منافذِ سيطرته علينا والحذر من الانصياع والاستسلام له.

متى نستسلم؟

إنّ التمعّن في تجارب الحياة يُثري عقولَنا وينير دروبنا، ولنأخذْ مثالًا جليًّا: متى تُمنى الهزيمةُ بنا؟ يكمنُ الجوابُ في تضخيم قدرة العدوّ وتصغيرِ قدراتنا، أو في الوهم بسهولة النصر والاستهتار بمَقدرات الخصم. ففي كلتا الحالتين، نفقدُ الدافع للقتال، لأنّنا نعتقد أنّ النتيجة محددة سلفًا.

إن تصورَنا عن الشيطان لا يخرج عن هذه القاعدة. الشيطان هو عدونا اللدود بلا شك، وقد تؤدي لحظةٌ من الغفلة إلى سقوطنا، ولكن يجب ألا ننسى أن هذا العدو ليست له سلطة علينا بشكل ذاتي. في الواقع، نحن من يفتح أمامه الباب بأخطائنا وغفلتنا أو بغرورنا. وعندما يأمرنا الخالق العظيم باتّخاذ الشيطان عدوًّا، فهذا يعني أنّ الشيطان، بكلّ جيشه الهائل ومعدّاته المدمرة، ليس كائنًا لا يُقهر، بل يجب علينا أن نُتقن فنّ مقاتلته ونرفضَ الاستسلامَ له ونختار المقاومة مهما كانت الظروفُ صعبةً.

إنّ إغفالَنا لنفوسنا يصيبنا بالبلادة والفتور، وللخروج من هذا الضعف نسارع بدافعٍ من اللاوعي، إلى الانجذاب نحو الانفعالات الزائفة التي تجسّد رغبات الشيطان الرجيم. أمّا إذا عرفنا قدرنا ومنزلتنا، وأدركنا جوهر وجودنا اللامتناهي، فسوف نُدرك أنّ الشيطان لا يُمكنه بأيّ حال من الأحوال الوصولُ إلى جانبنا الإلهي والإنساني. وفي الواقع، إنّ أبعاد وجودنا الدنيا هي التي تُشكلُ ثغراتٍ في تحصيناتنا، ممّا يُتيح للشيطان التسلل والهيمنة علينا. وعندما نُسيطر على هذه الأبعاد ونُخضعها لسيطرة جانب ماوراء العقل أو بُعدنا الإنسانيّ للوجود، فسوف نُغلق أبواب الضعف أمام الشيطان ولن نُعطيه أيّةَ فرصةٍ للنيل منّا ولن نُظهر له ضعفنا. إن فقدان السيطرة على الأبعاد الدنيا للوجود هو بمثابة إظهار نقطة ضعفنا أمام الشيطان. ويستغل الشيطان هذه الأبعاد بوصفها بوابات للتسلل إلى كياننا، وليتحكم بنا في النهاية فيُهلكنا.

تخيل طفلاً ينخدع بسهولة ببعض قطع الحلوى أو الألعاب البسيطة. تماماً كما تجذب هذه الأشياء الطفل، تغري الإنسانَ مظاهرُ الكمالات الجمادية والنباتية والحيوانية، وحتى العقلية، فَيَنخدع بها. ويستغلّ الشيطان هذه الكمالات كأدواتٍ ليجعلنا نقع تحت سيطرته، فإذا لم نتعامل معها بحكمة وضبط، أصبحت سبباً في سقوطنا.

طرق نفوذ الشيطان

  • الشك والشبهة

يبحث الشيطان، إلى جانب الأدوات التي نوفرها له، عن الظروف التي نشعر فيها بأكبر قدر من التردد وعدم الاستقرار، أي عندما نكون في حالة ضعف قابلة للانزلاق. فالشيطان لا يتدخل في الأمور الثابتة والقناعات الراسخة لدينا، بل يستهدف شكوكنا وشبهاتنا، تلك الترددات التي تجعلنا ضعفاء وعرضة للتأثر، تماماً كالشجرة التي ينخرها السوس من الداخل فتسقط عند أدنى صدمة. إن هدف الشيطان الوحيد هو أن يُبعدنا عن الصراط المستقيم.

 لذلك فإنه يستغل كل عنوان خاطئ، أو رسالة،  أو فكرة، أو دافع، أو شعور، ليُخرجنا عن توازننا ويُدخلنا في حالة من الارتباك. من المؤكد أنه في ظل حالة الارتباك هذه، بين الاستسلام أو المقاومة، لن نختار المقاومة. وفي اللحظة التي نفقد فيها سيطرتنا على الأوضاع، فإن أدنى هبة ريح ستؤدي إلى سقوطنا. في الواقع، في هذه الحالة، يفعل الشيطان بنا ما يمنعنا حتى من التفكير في الاستسلام أو المقاومة، ونستسلم بسهولة لرغباته.

  • اليأس

النجاح لا يعني بالضرورة عدم التعرض لأي هزيمة من الشيطان، بل يعني أننا لم نستسلم لليأس بعد الهزيمة، بل خرجنا منها أقوى وأكثر استعدادًا. لأن اليأس يعني بداية التقصير، فتتلاشى الأعمال الصالحة واحداً تلو الآخر بسبب فقدان الحافز. وهنا يُفتح الطريق للانحراف، ويجد الشيطان منفذاً للتسلل والسيطرة على النفس.

لا شك أننا واجهنا أشخاصًا يائسين في حياتنا. إن أهم سمة لشخص يائس تتمثل في افتقاره إلى الدافع للتحرك والسعي لتحقيق هدفه. فالشخص الذي يفتقر إلى القوة النفسية لا يملك القدرة على المقاومة بل يستسلم بسهولة. وبالفعل، يسعى الشيطان إلى إيصالنا إلى هذه النقطة من اليأس، حيث نفقد الإرادة للمقاومة ونختار الاستسلام بين الاستسلام والمقاومة. فاليأس يقوم بإضعافنا فقط، ويمهد الطريق لمزيد من الظلم والجرائم والمفاسد.

كيف يمكننا إنقاذ أنفسنا؟

مهما كنا أقوياء، فلن ننتصر بسهولة مادمنا لم نحصل على معلومات كافية عن عدونا، ولم نعرف كيف نستعد لمواجهته وماذا نتوقع منه. لنفترض أننا نمتلك أقوى الجيوش في العالم وأكثرها تجهيزًا، لكننا لا نعرف ما هي قدرات عدونا؟ هل سيهاجمنا من الأرض أم من السماء؟ بأي معدات يستعد للهجوم علينا؟ وما هي قدرات قواته؟ في هذه الحالة، يجب أن نبقى على أهبة الاستعداد الكامل من جميع الجوانب، وهو أمر شبه مستحيل، وفي النهاية قد نُفاجئ من حيث لا نتوقع.

ينطبق الأمر نفسه على مواجهة الشيطان. فإذا كنا على دراية بنوع هجماته وطريقة هجومه، فلن ننخدع أبدًا بخدعه وإغراءاته. يجب أن نعرف أن الشيطان لا يملك أي سلطة علينا، ولا تقتصر قدرته إلا على الاقتراح والإغراء. نحن من نخضع لإغرائه ونطيعه، لذلك يجب أن نفكر في فهم هجماته وأنواع إغراءاته، لكي نغلق عليه طريق النفوذ والسيطرة. سنتحدث في الدروس القادمة، بالتفصيل عن كيفية فهم هجمات الشيطان وأساليب هجماته، و نكتفي هنا بالإشارة إلى أن هجمات الشيطان تأتي من أربعة اتجاهات، وقد تُهاجمنا من الخلف أو الأمام أو اليمين أو اليسار.

علاوة على ذلك، توجد حلول أخرى تُحصّننا ضد الإغراءات وتُجنّبنا التعرض للضرر والأذى. على سبيل المثال، هناك علاقة مباشرة بين قلة الشكر وزيادة تعرضنا للأذى من قبل الشيطان. فمن المنطقي أن يختلف الشخص الذي يشكر نعم الله دائمًا ويُقدّر لطفه وجمالات الدنيا والآخرة عن الشخص الذي لا يشكر بسبب كمالاته وممتلكاته ولا يأخذ بعين الاعتبار عنايات الله ودعمه في الحياة. مثل هذا الشخص يقع بسهولة في فخ الخوف والقلق والحزن والاكتئاب وفقدان الدافع، وكلها علامات على الاستسلام والخضوع للشيطان. لا ينبغي أن ننسى أن خطورة هذا العدو لا تعني بأي حال من الأحوال عجزنا عن مواجهته. فنحن لا نملك الحق أبدًا في اختيار الاستسلام بين الاستسلام أو المقاومة.

تطرقنا في هذا الدرس، إلى حقيقة أننا نواجه جميعًا ظروفًا تُجبرنا على الاختيار بين الاستسلام أو المقاومة. لكن عندما نواجه عدوًا جادًا مثل الشيطان، فإن الاستسلام يعني الهلاك. وأوضحنا أننا نختار عادةً الاستسلام بدلاً من المقاومة عندما نبالغ في تقدير قوة عدونا أو نقلل من قدراتنا.

ولكن لا يكتفي الشيطان بذلك فقط، بل يستغل أي موقف لزرع الشك واليأس وإرباكنا، ليضعنا في موقف لا نملك فيه حتى فرصة الاختيار بين الاستسلام أو المقاومة، فنسقط حتى بأصغر هزة عن الصراط المستقيم. في الواقع، كلما زادت معلوماتنا عن كيفية هجمات الشيطان، كنا أكثر نجاحًا في اكتشاف هذه الهجمات والتعرف عليها.

 

هل واجهتم أنفسكم يومًا ما في موقف بين الاستسلام أو المقاومة؟ في مثل هذه المواقف، ما هي الطرق التي تستخدمونها للنجاة من الاستسلام للشيطان؟