محتوى الدورة
القضاء والقدر والاختيار
0/13
الابتلاء والامتحان في مسيرة الحياة
0/26
الأمراض الخفية للروح
0/15
معرفة الجنة والنار
0/22
النظرة الأبدية والاستعداد للآخرة
0/14
من الخيال إلى سلامة القلب
0/31
الإنسان محور الخلق
0/13
الإنسان، الخلق، والحياة الأبدية
حول الدرس

لماذا نتدين ونقيّد أنفسنا بقوانينه؟

يثير غيابُ الوعي بالبنية الوجودية للإنسان، تساؤلات جوهرية حول طبيعة العلاقة بينه وبين الدين. فما هي دوافع حضور الدين في حياتنا؟ ولماذا لا يتركنا الخالق أحرارًا بشكل مطلق؟ وإذا كان الإنسان كائنًا مختارًا، فما الحكمة من وجود هذه القوانين التي تبدو مقيِّدة لحريته؟

كما أسلفنا في دراساتنا السابقة، لن يتجلى الأثر العميق للدين في حياة الإنسان إلّا عند انتقاله إلى الآخرة. أمّا الإنسان الذي يقتصر تصوره للوجود على تحقيق الرفاهية الدنيوية، من مسكن فخم، ومنصب مرموق، أو سيارة فاخرة، فيفتقد الدين جوهر جاذبيته بالنسبة له. إذ أن الدافع البشري نحو بذل الجهد وتحمل المشاق يرتبط ارتباطاً وثيقاً بوجود غاية مستقبلية واضحة. فمن غير المنطقي التضحية بالراحة والأمان دون وجود هدف سام. كل من يذهب إلى ناد رياضي، يتحمل عناء التمارين لأنه يتطلع إلى جسم صحي أو بطولة رياضية. والشخص الذي يبذل جهداً في إعداد الطعام ويواجه صعوبة الطهي، ينتظر لذة التذوق. والطالب الذي يسعى إلى تحصيل العلم يتوقع مستقبلاً مهنياً زاهراً. وبطبيعة الحال، فإن غياب الهدف يقوض الدافع.

ينطبق الأمر ذاته على الدين. فإذا انتفت الآخرة، وانعدم الهدف الأسمى من خلقنا، غدا الالتزام بالدين ضرباً من العبث، وفقدت التعاليم الدينية مبررها المنطقي. فما الداعي إذن للتديّن، وما الحكمة من الانصياع لأوامر الشريعة؟ لكن الحقيقة هي أن الحياة الإنسانية لا تنتهي عند حدود هذه الدنيا، بل هي رحلة متصلة الأطوار، تبدأ قبل الميلاد، وتمتدّ بعد الموت إلى عالم الآخرة. صحيح أن الدين يؤثر على حياتنا الدنيوية، إلّا أنّه في جوهره منهاج شامل يهدف إلى تحقيق السعادة الحقيقية في الحياة الأبدية. لذلك، لا تستقيم الإجابة عن سؤال “لماذا نتديّن؟” إلا بفهم المعنى الحقيقي للحياة واستيعاب المراحل الثلاث للحياة المترابطة: ما قبل الدنيا، والدنيا، ثم الحياة الآخرة.

فطرتنا المتوافقة مع الدين

قلّما يخطو الإنسان الناجح خطوةً دون تخطيطٍ مسبق. فكيف يمكن أن يكون من الغريب أن يضع الله، المدبّر الحكيم وخالق الكون، برنامجًا لحركة الإنسان قبل خلقه؟ فالإنسان، باعتباره كائنًا جامعًا يحمل بالقوة أسماء الله وصفاته، خُلق وفق نظام دقيق يحدد مراحل وشروط وصوله إلى السعادة الحقيقية. لقد صمّم الله فطرتنا بحيث تتناسب مع هذا البرنامج الإلهي، فالدين في حقيقة الأمر هو البرنامج الذي يربط بين قوانا الوجودية وبين الله، ويدعمنا في الوصول إليه والتشبه به.

إن المعرفة الصحيحة للدين الحق، والوعي بأبعاد الوجود الإنساني، يكشفان عن توافق وتطابق كامل بينهما. فإذا ما حدث أن اتخذنا موقفاً سلبياً تجاه الدين الحق، أو ساورتنا تساؤلات حول جدوى التدين، فإن ذلك يعكس ابتعاداً عن بنية وجودنا وحقيقة فطرتنا. فالدين الحق ثابت لا يتغير، لكن نحن من قد نُخطئ في ترتيب أولوياتنا، مما يؤدي إلى فقدان التوازن والتناسق الإنساني في حياتنا.

لتوضيح هذه الفكرة، نستعرض مثالًا ملموسًا: يمتلك الإنسان نظامًا غذائيًا محددًا يعتمد على مصادر متنوعة كالنباتات والحبوب واللحوم، ويتمتع الجسم بقدرة طبيعية على استخلاص العناصر الغذائية الضرورية من هذه المصادر. بعبارة أخرى، هناك توافق بين الجسم وهذه المواد. لكن ماذا لو فقدنا فجأة القدرة على هضم هذه الأغذية أو أصبحنا نتحسس منها، وبدلًا من ذلك، وجدنا أجسامنا أكثر انسجامًا مع أطعمة غير طبيعية وضارّة؟ من البديهي في هذه الحالة أن المشكلة لا تكمن في اللحوم أو النباتات نفسها، بل في جسمنا الذي طرأت عليه تغيرات أخرجته عن حالته الطبيعية وتوازنه. لذا، إذا أردنا استعادة هذا التوافق والاستفادة من نتائجه، يجب علينا إعادة الجسم إلى حالته الطبيعية وتوازنه. بنفس المنطق، إذا أردنا أن نستفيد من الدين ونحصل على ثمراته، فلا بد أن نعيد أنفسنا إلى حالة التوازن الفطري، لأن الدين هو المنهج الذي صُمم ليتلاءم مع طبيعتنا الحقيقية. وعندما نحقق هذا التوازن الداخلي، سنجد أن الدين ليس قيدًا، بل هو الطريق الأوضح للوصول إلى السعادة والانسجام مع ذواتنا.

قبول الدين

إن أي علاقة، مهما كانت طبيعتها، تستلزم وجود ضوابط وقواعد تحكمها، وعلاقة الإنسان بخالقه ليست استثناءً من هذه القاعدة. فالدين الحق هو المنهج الإلهي الذي وضعه الله لضمان استقامة هذه العلاقة، ولمساعدتنا على تحقيق الهدف من وجودنا. بمجرد أن يختار الإنسان الدين، يصبح ملتزمًا بتعاليمه وقوانينه. ومع ذلك، فإن اختيار الدين لا يخضع للإكراه، إذ خلق الله الإنسان مخيراً، وهذا الاختيار يشمل حرية اختيار الدين؛[1] ولكن، كما بين الخالق، فقد تبين الرشد من الغيّ بوضوح، ويحكم العقل السليم بأن المنهج الذي وضعه الخالق، وهو العليم بكل أبعاد الوجود، هو الأفضل والأمثل لتحقيق الغاية المنشودة.

عندما يبلغ الفرد مستوى من النضج والفهم العميق، يدرك فيه استحالة اجتياز طريق مجهول، ذي أهمية بالغة ومحفوف بالمخاطر، دون الاستعانة بالمتقدم متخصص أو وضع خطة محكمة، فإنه حينئذٍ يكون مستعدًا لتقبل صعوبات الامتثال لتوجيهات هذا الالمتقدم. ذلك أن سعادته وبلوغ هدفه يكمنان في اتباع إرشاداته وتنفيذ خطة السعادة التي وضعها. إن اختيار الدين يعني أننا نرى أنفسنا جديرين بالوصول إلى الغاية التي خُلقنا من أجلها، وهي التشبّه بالله في الكمال قدر المستطاع. وبالطبع، فإن بلوغ مثل هذا المقام لا يتحقق إلا من خلال توفير شروطه ومتطلباته. تمامًا كما يفعل الطالب الذي يقرر متابعة دراسته أو الشخص الذي يلتحق بنادٍ رياضي، حيث يكون مستعدًا لمواجهة التحديات والمشاق التي يتطلبها هذا الطريق، لأنه يؤمن بأن النتيجة تستحق الجهد المبذول.

سبب الشعور بصعوبة الدين أو سهولته

يثار تساؤل جوهري حول التباين الظاهر في تلقي الدين بين الناس فبينما يجده البعض يسيرا ميسرا يستعصي على آخرين ولتفسير هذه الظاهرة ينبغي التأمل في بنية الدين نفسها التي تحمل في طياتها نظاما رياضيا محكما كسائر مظاهر الخلق. وبالتالي من المهم كيفية تعاملنا مع الدين ومستوى التواصل الذي نقيمه معه.

عادة ما يبدأ تعاملنا مع الدين من قشرته الخارجية أي من أحكامه وتشريعاته الظاهرة ولكن الحقيقة أننا نتواصل مع جوهر الدين وحقيقته من خلال بعدنا الفطري وهنا في هذا المستوى نشعر بأكبر قدر من القرب والألفة مع الدين ومن هذا المنطلق المنطقي فإن أفضل طريقة للتواصل مع الدين هي البدء من الجزء الذي يشاركنا فيه أكبر قدر من القيم والمبادئ ويثير فينا أعظم مقدار من الميل والانجذاب.

وإذا ما تعرفنا على ذواتنا الحقيقية وأبعاد وجودنا العميقة، فلن نجد أي تنافر بيننا وبين الدين، بل على العكس، سنرى أن تعاليمه تتماشى مع فطرتنا، مما يجعل الالتزام به أمرًا طبيعيًا ومحببًا. وهذا هو سرّ سهولة تقبّل الدين لدى بعض غير المسلمين، إنّه القرب الذي يجدونه بين الدين وفطرتهم. وكلّما قمنا بتنمية فطرتنا وتهذيبها، يسّرنا على أنفسنا فهم الدين وتطبيقه. إذًا ولإقامة تعامل صحيح مع الدين، فإننا بحاجة إلى أمرين: أولا، البدء من الجزء الصحيح من الدين، أي الجزء المتوافق مع فطرنا وثانيا، اعتماد منهج فطري في التعامل مع الدين، ينطلق من الفطرة ويتوجه نحوها.

في هذا الدرس، تناولنا علاقة الإنسان بالدين، وأدركنا أن الله وضع الدين كمنهج للحياة قبل أن يخلقنا، مما يعني أن بنية وجودنا متوافقة تمامًا مع تعاليمه. فإذا وجدنا الدين صعبًا أو شعرنا بعدم الرغبة في الالتزام به، فالمشكلة ليست في الدين ذاته، بل في عدم توازننا الداخلي وعدم إدراكنا لهويتنا الحقيقية. إن صعوبة الدين تعود إلى جهلنا بذواتنا الحقيقية وطريقة تعاملنا الخاطئة معه.

والآن، كيف تنظر أنت إلى الدين؟

هل تعتبره وسيلة لإشباع احتياجاتك الدنيوية فقط، أم تراه طريقًا لتحقيق الغاية التي خُلِقت من أجلها؟


[1] سورة البقرة، الآية 256