أهمية معرفة الآخرة وحياة الإنسان الأبدية
ذكرنا في الدروس السابقة أن الإنسان في مسيرة صيرورة دائمة نحو الأبدية والخلود. فكينونتنا تمتد من لحظة الميلاد إلى آفاق لا نهاية لها، والموت ليس إلا عتبة عبور لا فناء. فنحن نحيا ما دام الله هو القيوم الدائم.
إن بنية وجودنا مصممة على الخلود، فلكل واحد منا جذور ضاربة في أعماق الأبدية منذ بَدْءِ الخلق. وحقيقة الأمر أننا، منذ أن أوجدنا الخالق وقدّرت لنا الحياة على هذه الأرض، نسير حثيثًا في رحلة العودة إلى جذرنا الأصيل. فقصة كل واحد منا هي قصة روح عاشقة عرفت حلاوة القرب من الله في عالم سابق، وهي الآن تحط رحالها مؤقتًا على هذا الكوكب، وما إن تنتهي هذه الرحلة، تعود إلى موطنها الأصلي. الحقيقة أن حياتنا الحقيقية لم تبدأ بعد؛ بل ستبدأ مع لحظة الوفاة، في دار الخلود.
إن هذه الدنيا ليست لنا إلا بمثابة رحم تفقد معناها وجدواها بدون الآخرة. فكل ما نختاره ونقيم من علاقات، وما يدور في أذهاننا وما يصدر عن جوارحنا من أفعال، لا بد أن يُنظَّم ويُوجَّه ببصيرة الآخرة واستحضارها. لذا، فمن الوهم أن نحاول تفسير كل شيء بمنطق دنيوي قاصر؛ إنه لضرب من العبث أن نتوقع أن تجري الأمور في هذه الحياة وفق أهوائنا وشهواتنا البحتة، وألا تعترض طريق رغباتنا أي صعوبة أو تحد! فالدنيا هي ميدان العمل والبناء، وعلينا أن نُعِدَّ فيها الزاد ليوم المعاد وحياة الخلود السرمدي التي تبدأ حقًا في العالَم الآخر.[1]
ستضمحلّ كل اعتبارات الدنيا ومظاهرها الزائفة في الدار الآخرة؛ فما كنا عليه في هذه الحياة الدنيا من جاه وسلطان ومكانة اجتماعية، لا يمثل قيمة أو وزنًا في معادلة الحياة الأبدية للإنسان. والمحزن أن أغلب بني البشر، لجهلهم بحقيقة ذواتهم، يصبّون جلّ اهتمامهم وغاية سعيهم على هذه الحياة الدنيا الفانية،[2] يَعتبرون السعادة والهدف من خلقهم في جمع حطام الدنيا الزائل ومظاهرها الخادعة، من بيوت فارهة وسيارات باهظة ورحلات مترفة وتعليم الأبناء؛ لكنهم يتناسون الأسئلة المصيرية: من أين جئنا؟ وأين كان موطننا الحقيقي؟ وأين نحن الآن على خارطة الوجود؟ وإلى أي مصير نسير؟ وما هو موقعنا في عالم الخلود؟ هذه التساؤلات لا تجد لها موضعًا في تفكيرهم!
من الواضح أنه كلما كان الإنسان مدركًا لوجهته في رحلته الأبدية، وخصائصها ومتطلباتها، تمكن من اختيار مساره الصحيح والسير نحوه بثقة وسرعة. أما إذا جهل موقعه وطبيعة المحطة الأخيرة ومتطلباتها، فإنه سيعيش في حيرة واضطراب، وقد لا يصل إلى هدفه أبدًا، أو يصل بعد عناء شديد. سنناقش في هذا الدرس، الحياة الأبدية للإنسان وأهمية الارتباط بالخلود، والفوائد التي نجنيها من هذا الإدراك، والعواقب التي قد تترتب عند إهماله.
آثار النظرة الأبدية للحياة و وفوائدها
إن أول وأهم أثر للإيمان بالحياة الأبدية هو منح الحياة الدنيوية معنى وهدفًا، وانتشالها من عبثية لا طائل منها. من أكثر المشكلات التي يعاني منها الناس اليوم هي الشعور بالفراغ والعبثية. ولكن، إذا كنا على يقين بأن المحطة القادمة ليست الفناء والعدم، بل هي حياة أرقى وأعظم، فإن ذلك سيجعل وجودنا في هذه الدنيا مليئًا بالمعنى والقيمة. عندما يؤمن الإنسان بالأبدية ويُدرك أنه مخلوق خالد، فإنه سيفكر بجدية في مصلحته الحقيقية في الحاضر والمستقبل، والأهم من ذلك، سيبحث عن كيفية الاستعداد لهذه الحياة الخالدة. وبالتالي، سيولي معرفة الآخرة الأولوية في دراسته وتفكيره، ويحرص على أن تكون كل خياراته وعلاقاته وسلوكياته وتوجهاته الفكرية متوافقة مع هذا المصير الأبدي، مما يمنحه شعورًا دائمًا بالسعادة والطمأنينة.
ذكرنا سابقًا أن الانتقال إلى الحياة البرزخية وما بعدها يتطلب تجهيزًا يتناسب مع طبيعة ذلك العالم، الذي هو أعظم وأرقى بمليارات المرات من الحياة الدنيا. ومن هنا، يجب أن تكون جميع أعمالنا، سواء في طلب العلم، أو الزواج، أو بناء الأسرة، أو تربية الأبناء، أو التطور المهني، كلها موجهة نحو الاقتراب من الله سبحانه وتعالى، والاستعداد للولادة الحقيقية في الآخرة. وإلا، فسنكون قد خسرنا فرصة كبرى.
إن أعظم ما يشغل بال من يحمل نظرة أبدية لنفسه هو السعي إلى تحقيق “القلب السليم”. فتجده يسعى في أي ظرف كان لاكتساب الصفات الإلهية والاتحاد مع الحق تعالى، لأنه يعلم أن جودة حياته الأبدية تعتمد على مقدار ما حصّله في الدنيا من أسماء الله وصفاته. بمعنى آخر، إن كل واحد منا في الآخرة سيكون ضيفًا على مائدة أعماله التي قدّم في حياتنا الدنيا. فالحياة الأبدية تُبنى وفق إجاباتنا عن خمسين سؤالًا في يوم القيامة، ومدى معرفتنا بهذه الأسئلة في الدنيا، ومدى تطابق أسلوب حياتنا معها، يعكس مدى فهمنا لأنفسنا وعلاقتنا بالله. الإيمان العميق بالحياة الأبدية يجعل تحمل المصاعب والمحن أمرًا سهلًا يسيراً، ويجعلنا نعيش حياتنا بصفقة رابحة مع الله، فلا نحتاج إلى التملق أو التذلل لأحد، لأننا ندرك أن كل شيء في هذه الدنيا مملوك لله، وأن المعيار الحقيقي هو ما بعد هذه الحياة. مما يجعلنا أحرارًا، غير معتمدين على مدح الناس أو رضاهم، بل نعيش في حالة من السكينة الدائمة. بالإضافة إلى ذلك، عندما ندرك أن هناك أبدية في انتظارنا، فلن نشعر بالوحدة أو الخوف أبداً، بل سنشعر دائمًا بالقرب من الله وعائلتنا السماوية، وسندرك أننا دائمًا وأبدًا في كنف ربوبيتهم ورعايتهم.
عواقب انكار الحياة الأبدية
إذا نزعنا عنصر الأبدية والخلود من أنفسنا، فإن “الأنا الزائفة” لدينا ستحلّ محلّ “الأنا الحقيقية”، وسينعكس ذلك على كل اختياراتنا وعلاقاتنا وأفكارنا وسلوكياتنا، فتصبح كلها خاطئة ومضللة. عندما نمنح الدنيا كل القيمة والاعتبار، نفقد قدراتنا على إدراك مفهوم الخلود، وحينها يصبح من السهل على الشيطان أن يعبث بنا، فيحرّضنا ضد الله وأهل البيت وحتى ضد حقيقتنا الأصيلة.
كل من كان سريع الغضب، شديد الحساسية، سيئ الخلق، حاقدٌ نمّاء، لا يمكنه أن شغل عقله وقلبه بالتفكير في الآخرة. فجميع مظاهر التعاسة والضعف والذنوب والهزائم التي نمرّ بها، تنتج عن فقدان الإيمان بالحياة الأبدية.
من لا يعرف هويته الحقيقية، ولا ينظر إلى نفسه بعظمتها الأبدية، لن يحبّ ذاته كما ينبغي، ويقتصر تعريفه عن نفسه كمجرد كائن محدود بين الولادة والموت، فيعتبر كل وجوده وممتلكاته مرتبطة فقط بهذه الدنيا الفانية، ويجعل كل جهوده منصبّة على تحقيق مكاسب دنيوية بحتة.
حتى إذا أردنا الاستمتاع بهذه الدنيا، أو البحث عن الخير في مختلف جوانبها الجمادية والنباتية والحيوانية والعقلية وما وراء العقلية، فلا بدّ أن نحافظ دوماً على النظرة الأبدية، لأن مجرد فقدان هذا المنظور يجعل النعم تتحوّل إلى نقم، والراحة تنقلب إلى عذاب، فلا نجني خيرًا في أي بُعد من أبعاد وجودنا، ونصبح في الآخرة من الملعونين و المغبونين.
في هذا الدرس، تحدثنا عن الحياة الأبدية للإنسان وعلاقته بالأبدية، وبيّنا كيف أن تبنّي نظرة أبدية للحياة لا يمنح حياتنا الدنيوية معنى ويحررنا من العبثية فحسب، بل يجعلنا نوجّه كل جهودنا نحو حياتنا الحقيقية والأبدية، كما يدفعنا إلى السعي لاكتساب الصفات الإلهية والتوافق مع الحقّ تعالى، وهو الهدف الأسمى من وجودنا.
ما رأيكم، كيف يمكن أن تؤثر هذه النظرة الأبدية على أسلوب حياتنا؟ ننتظر آرائكم القيّمة.
[1] سورة العنكبوت، الآية 64
[2] . سورة الأنفال، الآية 67