محتوى الدورة
القضاء والقدر والاختيار
0/13
الابتلاء والامتحان في مسيرة الحياة
0/26
الأمراض الخفية للروح
0/15
معرفة الجنة والنار
0/22
النظرة الأبدية والاستعداد للآخرة
0/14
من الخيال إلى سلامة القلب
0/31
الإنسان محور الخلق
0/13
الإنسان، الخلق، والحياة الأبدية
حول الدرس

من هم يشملهم فضل الشفاعة وما هي شروط ذلك؟

  • ما هي حقيقة الشفاعة؟
  • هل يجوز التهاون في الأعمال والذنوب اعتمادًا على الشفاعة؟
  • هل تشمل الشفاعة الجميع؟
  • ما هي شروط وأسباب حصول الشفاعة؟

الشفاعة في اللغة تعني ضم شيء إلى شيء ليصبحا زوجًا. سنوضح هذا المفهوم بمثال. المصائب من صفات الحياة الدنيا، وغالبًا ما نتعرض لها جميعًا، ولكن الفرق بين الناس يكمن في كيفية مواجهتهم لهذه المصائب والمخاوف والقلق. يستطيع بعض الناس تغيير أوضاعهم بسرعة بفضل أصدقائهم وعلاقاتهم القوية، والبعض الآخر لا يجد من يلجأ إليه. أما هناك أيضا من يصل إلى حالة يصبح فيها من الصعب على أصدقائه مساعدته.

الشفاعة هي أن يتوسط شخص ما لنا عند وقوع محنة أو ضيق، فيمد لنا يد العون وينقذنا من تلك الحالة الصعبة. لكن النقطة الجوهرية هنا هي أننا يجب أن نكون قد استحوذنا على ودّ هذا الشخص ذي القدرة والمكانة العالية في حياتنا، وأن يكون في مقدوره الوصول إلينا ومساعدتنا عندما نحتاجه.

لنفترض أننا بحاجة إلى جراحة، وأننا على اتصال بأفضل الأطباء والجراحين المتخصصين، ولكن عندما لا تسمح حالتنا الصحية بإجراء الجراحة؛ كأن يكون لدينا ارتفاع في ضغط الدم، أو عدوى نشطة في أجسامنا، أو نواجه ظروفًا تخديرية محفوفة بالمخاطر، فإن هذا الاتصال لا يجدي نفعًا. فما دمنا لم نصل إلى حالة مستقرة، لا يمكن لأي جراح أو متخصص أن يساعدنا. في تلك الحالة، لا يمكننا أن يكون لدينا شفيع أو منقذ. هذا الحال لا يقتصر على الدنيا فقط، بل إننا نواجه الوضع نفسه في الآخرة. إننا بحاجة إلى شفيع، والسؤال هو: كيف نوفر لأنفسنا ذلك وكيف ننال الشفاعة؟ هذا ما سوف نناقشه في هذا المقال.

الشفعاء الحقيقيون

نحن نختار نوع علاقاتنا والأشخاص الذين نتواصل معهم، وعمق الروابط التي نبنيها معهم. من الطبيعي أن نطمح للتقرب من أشخاص ناجحين ومؤثرين، لكننا لا ننجح دائمًا في تحقيق هذا، أو قد لا نختار دائمًا الاتجاه الصحيح. فعندما تواجهنا أفكار مزعجة أو مشاعر خوف وقلق وحزن، نميل أحيانًا إلى اللجوء إلى حلول مؤقتة لتهدئة أنفسنا، بدلاً من التوجه إلى من يمكنه مساعدتنا بصدق على تخطي هذه الحالة وتجاوزها. فترانا نحاول تخفيف آلامنا من خلال الاستماع إلى الموسيقى أو مشاهدة الأفلام أو قضاء وقت ممتع مع الأصدقاء، ولكن هذه الأمور لا تمتلك القوة الكافية لحل مشكلاتنا، فهي مجرد مسكنات مؤقتة تصرف انتباهنا عن واقعنا ومشكلاتنا.

تماما كما أننا نستعين بأدوات ومعدات خاصة بكل عمل في الدنيا، فإننا بحاجة إلى وسائل خاصة و مناسبة لتحقيق السعادة والراحة القلبية في الآخرة. القرآن وأهل البيت عليهم السلام والأنبياء والصديقون والشهداء والصالحون[1] هم أفضل الوسائل التي يمكنها أن تنقذنا من الشدائد والعذاب وتوصلنا إلى بر الأمان والسعادة والطمأنينة. إن قيمتنا الحقيقية تتحدد بمن نختارهم صحبةً وبما نستثمره من وقتنا. إننا لن ننال السكينة والطمأنينة الدائمين إلا بالتقرب من الله والتشبه به. ومن ثم، فإن من يستطيع مساعدتنا في هذا الطريق هو من وصل بنفسه إلى درجة من السكينة والطمأنينة.

إذا لم ندرك طبيعة وجودنا الإنساني ومقامه، فقد نستسلم لأي نمط سلوكي أو نموذج يعرض علينا، أو نلجأ إلى أي شخص طلبًا للمساعدة، مما قد يدفعنا إلى اتخاذ خيارات نندم عليها فيما بعد. من الواضح أننا لا نتوقع من بائع أقراص مدمجة أن يكون جراحًا، ولا نعتبر لاعب كرة قدم أو ممثلاً مؤهلاً ليقوم بتوجيهنا إلى طريق السعادة. وإذا فعلنا ذلك، لربما لن ندرك خطأ اختيارنا في الدنيا، ولكننا سنكتشف ذلك في الآخرة عندما نلتقي بذواتنا الحقيقية ونرى أن اختياراتنا وعلاقاتنا الدنيوية هي التي صاغت آخرتنا.

سوف نرافق في الآخرة أولئك الذين كوّنا معهم علاقات في الدنيا، ووطّدنا أسس الصداقة معهم. لذا، إذا أردنا شفعاء أقوياء في الآخرة، فعلينا أن نهيئ في الدنيا الأرضية لعلاقة وصداقة حقيقية معهم. فمن يستطيع أن يشفع لنا وينقذنا في الآخرة، يملك بلا شك القدرة على مساعدتنا وإنقاذنا في الدنيا أيضاً.

  الاستعداد لتلقي الشفاعة

سوف نواجه في الآخرة حقائق حقيقية. نمونا وتطورنا وكذلك معاناتنا جميعها حقيقية. ومن الطبيعي أننا نحتاج لمساعدة حقيقية للخلاص من المواقف غير المناسبة التي قد نعاني منها. ولكن مجرد طلب المساعدة لا يكفي. يجب علينا تهيئة الظروف المناسبة لتلقي هذه المساعدة، كما يجب أن نعد العدة للتقرب من الشفعاء في الدنيا قبل الدخول في الآخرة. كما ذكرنا سابقًا، فإن العلاقة بين الدنيا والآخرة تشبه العلاقة بين رحم الأم والدنيا. إذن فإن الآخرة عالم لا يُقارَن بالدنيا في عظمته وإمكاناته، كما أنها تشتمل على مصائب ومحن تفوق الدنيا بكثير وتتطلب مساعدات أسمى وأعظم. تخيل الفرق بين مساعدة تلميذ في الصف الأول وحل مسألة رياضية لالمتقدم رياضي، ثم اضرب هذا الفرق في ما لا نهاية. فكيف نتصور أننا سننجح في أن نتخلص من مصائبنا بأدوات دنيوية زائفة وهزيلة في الآخرة، وهي أعظم وأعقد من الدنيا بلا حدود؟

بالإضافة إلى ذلك، قد نبتعد في الدنيا عن ذواتنا الحقيقية وعن جانبنا الإنساني إلى درجة تجعل أعظم الشفعاء في القيامة عاجزين عن الوصول إلينا ونجاتنا لسنوات طويلة. حتى المعلم لا يستطيع أن يساعد تلميذه في الامتحان إلا إذا كان التلميذ يملك معلومات أساسية عن الموضوع ويعاني في التفاصيل فقط. تخيل تلميذاً لم يكتب كلمة على ورقة الامتحان ورغم ذلك يتوقع من معلمه أن يساعده، من الطبيعي أن يكون المعلم عاجزاً عن مساعدته في مثل هذه الحالة. وكذلك نحن، لا يمكننا أن ننال الشفاعة إلا إذا كانت أصول ديننا وعلاقتنا بالله وبالمعصوم سليمة، أي إذا كنا نملك رصيداً نسبياً في الآخرة يمكّننا من الاستفادة من هذه المساعدة. في الواقع، كلما ابتعدنا عن التوازن الإنساني والقلب السليم، ابتعدنا عن الشفاعة وعن إمكانية الحصول عليها.

تناولنا في هذا المقال شروط الشفاعة، وبيّنا أنه لا يكفي توفير الأسباب للتقرب من الشفعاء في الآخرة، بل يجب علينا أيضاً أن نسلك سلوكاً صالحاً في الدنيا يجعلنا مستحقين للشفاعة.

هل تأملون في أن يُشفع لكم في الآخرة؟ ما هي الجهود التي بذلتموها لتوطيد علاقتكم بالشفعاء في الدنيا؟

[1] . سورة النساء، الآية 69.