الشيطان على الصراط المستقيم: كيف يُبعد الإنسان عن هدفه الأسمى؟
هل ينتظرنا الشيطان حقاً على الصراط المستقيم؟ أليس هذا الصراط هو السبيل المؤدي إلى الله تعالى؟ فما الذي يفعله الشيطان هناك؟ لا شكّ أنك واجهتَ هذا الموقف من قبل: حين تعزم على القيام بخطوة إيجابية، تجد فجأة سيلًا من العقبات والمشاكل أمامك. لا تتعجّب، فالشيطان قابع هناك مترصداً على الصراط المستقيم. ولكي نصل إلى الله، لا بدّ أن نواجه هذا الخصم.
على سبيل المثال، حين تعزم على مساعدة أحدهم، تظهر لك فجأة أزمة مالية تبثّ فيك القلق من المستقبل؛ أو حين تنوي الشروع في عمل روحي جديد، يوقظ الشيطان فيك ذكريات الفشل ويغرس فيك اليأس حتى تنصرف. وإذا أردت أن تتعرّف على ذاتك الحقيقية، يغرقك في دوامة من المشاكل الكبيرة والصغيرة حتى تنسى لماذا سعيت أصلاً لاكتشاف حقيقتك.
في الحقيقة، نحن بحاجة إلى وجود الشيطان على هذا الطريق، لأن دوره هو أن يكشف لنا نقاط ضعفنا وانحرافاتنا، ويكون مرآةً لثغراتنا. ولكن، إن لم نكن على دراية بأسلوب هجماته وكيفية التعامل معه، سنفاجأ به وننحرف عن الطريق الذي خُلقنا لنسلكه.
لو كنا نعرف شيئًا عن بنية نظام أو شبكة إلكترونية، لربما أدركنا أن الفيروسات عادةً ما تتسلل من نقاط ضعف أو خلل في النظام. وكذلك الشيطان، حين يسعى لإضلالنا عن الصراط المستقيم، يبحث عن ثغرات يتسلل من خلالها إلى مواطن ضعفنا. فإن علم أننا مفتونون بالترف وزخارف الدنيا، فإننه يقوم بإضلالنا من خلال ذلك. وإن علم بضعفنا في السيطرة على شهواتنا الحيوانية، استهدف نومنا وطعامنا، وقيّد أجسادنا وأفكارنا بعلاقات خارجة عن الإطار السليم، ليصرفنا عن الصراط المستقيم. لذا، ينبغي أن نعي أنه بمجرد أن نخطو على طريق الوصول إلى الله، فإن الشيطان سيكون هناك، قابعًا على الصراط المستقيم، منتظراً لحظة الهجوم. ولكن، كيف ينحرف بنا من خلال هذه الهجمات، وكيف نحصّن أنفسنا من الوقوع فيها؟ هذا ما نتناوله معًا في هذا الدرس.
الصراط المستقيم أم الانحراف؟
نحن لم نأت إلى هذه الدنيا عبثًا، فحياتنا هنا لها غاية، ولا غاية لها سوى الوصول إلى الله والتشبّه به. هذا الطريق ليس غامضًا بل واضح المعالم في متناول العقول والقلوب. فقد حدّد الله لنا البداية والنهاية والطريق بينهما، وأرسل لنا خريطة الطريق وأرسل معها مرشدين معصومين، ليكونوا قدوة لنا. ولكن، نحن من يجب أن ننظم أفكارنا وسلوكنا وعلاقاتنا وخياراتنا بطريقة تقودنا في النهاية إلى ولادةٍ سليمة في الآخرة، وإلى التشبّه بالكمال المطلق، أي الله. إلا أن بنية وجودنا مصممة بطريقة تتيح لنا اختيار طريقٍ آخر أيضاً، طريقٌ لا يقود إلى السعادة، بل يقودنا إلى أسرٍ أبدي. فنحن في الحقيقة إما أن نضل الطريق، فنصبح دون أن نشعر جنودًا للشيطان، نُتمّم خططه، ونخدم أهدافه، أو نسلك طريق الله، حيث يكون الشيطان بالمرصاد في انتظارنا على الصراط المستقيم، مستخدما كل فرصة وضعف لابعادنا عن الصراط المستقيم.
الشيطان، بدافع كبريائه وحسده العميق للإنسان، لا يدّخر جهدًا في صدّنا عن بلوغ الغاية التي خُلقنا من أجلها. وأكثر ما يسعى إليه هو أن يمنعنا من الدخول في الصراط المستقيم، لأنه يعلم أن أول خطوة خاطئة كفيلة بأن تُربك الطريق كله وتُغرقنا في الحيرة والتيه. لذلك، فإن أسهل حيلة يعتمدها هي أن يحجب عنا باب معرفة النفس، لأنه متى ما جهلنا حقيقتنا، تلاشت فينا الحاجة إلى الله، وسقطت من قلوبنا الرغبة في التشبّه به.
كيف يُضلّنا الشيطان عن الصراط؟
إن سلوك طريق التشبّه والتخلق بأخلاق الله ليس بالأمر الهين. كما ذكرنا فإن الشيطان يتربّص بنا على الصراط المستقيم، ولا يدّخر وسعًا ليزيحنا عنه. تخيّل مصارعًا في وسط الحلبة، كيف ينتهز أدنى غفلة من خصمه ليشتّت تركيزه، ويزعزع توازنه، ثم يطرحه أرضًا في أقصر وقت. هذا ما يفعله الشيطان تماماً: ينتظر غفلة صغيرة، لينقضّ على توازنك. إنه يحاول بكل وسيلة أن نبقى دون معرفة بحقيقة وجودنا، وإذا حدث أن تعرّفنا إلى أنفسنا ولو قليلًا، يزرع فينا الشكوك والشبهات ليقوّض تلك المعرفة. كما أنه لا يتركنا بسهولة أبداً، فإذا رأى فينا ثباتًا، دخل علينا من باب الغفلة، ثم يسعى في النهاية أن يثنينا بالفعل عن الاستمرار في طريق نمونا.
ما الذي يمكننا فعله؟
الآن يُطرح السؤال: كيف نحافظ على توازننا في طريق التشبّه بصفات الله، رغم كل وساوس الشيطان؟ لعلّنا إن استرجعنا أيام المدرسة، نتذكر دائمًا وجود طلاب كانوا يستغلّون ضعف الآخرين أو نقائصهم وسيلةً لإيذائهم. يستخدم الشيطان الوسيلة نفسها، فيضرب على مكامن النقص والضعف فينا. وبما أنه لا يمكنه الوصول إلى بُعدنا ماوراء العقلي، فإنه يستغل كمالات الجوانب الدنيا من وجودنا لزعزعة توازننا والانحراف بنا عن مسار الخلق الذي وُجدنا لأجله.
بطبيعة الحال، إذا كانت محبوبات الجوانب الدنيا خاضعة للبعد ماوراء العقلي ومتوازنة ضمن الميزان الإنساني، فإننا نضيّق الخناق على الشيطان لينال منّا. فكما أن متسلق الجبال لا يستطيع الصعود من دون أماكن يتمسك بها أو يثبت قدميه عليها، فكذلك الشيطان على الصراط المستقيم لا يمكنه النفاذ إلى نفوسنا من دون أن نوفر له نحن ما يتشبّث به.
صحيح أن الشيطان يتربّص بنا على الصراط المستقيم، ويسعى جاهدًا لإخراجنا من هذا الطريق، ولكنه، كما قال الله تعالى، فإنه عدوٌّ مبين،[1] أي أنّ تمييز مكره وهجماته ليس بالأمر العسير، ولكن بشرط أن نكون على دراية بأبعاد وجودنا، وأن نعرف نوع الهجمات التي يشنّها على الصراط المستقيم.
تخيل أنك تسلك دربًا جبليًا؛ من الطبيعي أنك لو كنت على دراية بتعاريجه وأخطاره، وعلى وعي بنقاط قوتك وضعفك، فإنك تستعد لمواجهة المخاطر المحتملة. وكذلك، فإن فهم طبيعة هجمات الشيطان على الصراط المستقيم يساعدنا على توقّع نوع الهجوم بحسب الظروف التي نمر بها.
حين نُفرط في الالتفات إلى الجوانب الدنيا من أبعاد وجودنا، علينا أن نتوقّع هجومًا من جهة اليسار، وحين نظن أننا حققنا النجاح والكمال، فعلينا أن نتحسب لهجوم من اليمين، وحين تُلاحقنا ذكريات الماضي وألمه، فلنعلم أننا نتعرض لهجوم الشيطان من الخلف، وعندما تُثقلنا هواجس المستقبل، فليكن في بالنا أنه يحاول التسلّل إلينا من الأمام. ولا عجب أن اليقظة والاستعداد يقلّلان من الضرر، ويجعلان انحرافنا عن طريق التشبّه بالله أقل احتمالًا.
في هذا الدرس ذكرنا أننا سواء شئنا أم أبينا، بمجرد دخولنا في الصراط المستقيم، والسير في طريق الوصول إلى الله، يبدأ الشيطان في التربّص بنا، ولا يوفّر جهدًا في بث الغفلة وزعزعة توازننا في هذا الطريق. إنه عدوٌّ مبين، وحيله ومكره واضحة، لكنّ هذا الوضوح لا يغنينا شيئًا إن لم نكن على دراية ببنية نفوسنا، وبطبيعة هجماته على الصراط المستقيم، حتى لا يفاجئنا في لحظة ضعف.
ماذا عنك، هل كنت تعلم أن الشيطان يترصّدك حتى على الصراط المستقيم؟ فكم أعددت نفسك للتصدي لهجماته؟
[1] سورة الزخرف، الآیة 62