علاج قسوة القلب؛ خمسة أساليب عملية ومؤثرة
ما هي قسوة القلب وكيف يكون علاجها؟ لقد تحدثنا في مباحث سابقة عن مفهوم القلب السليم وضرورة اكتسابه، وعرّفنا آفات وأمراض قلب تهدد سلامته وتؤدي في نهاية المطاف إلى قساوته وغلظته. والهدف من هذا المبحث هو أن نتعلم معاً سبل علاج قسوة القلب ونطبقها في الحياة اليومية، لنطهر ذواتنا من أي خيوط متوارية لهذا المرض الغامض قبل أن تتفشى وتستولي على القلب بأكمله.
وقبل الخوض في طرق العلاج، يجدر بنا أن نستعرض مرة أخرى مفهوم القلب السليم باعتباره المؤشر والمعيار الذي يجب أن نُخضِع له أنفسنا في جميع مراحل العلاج لقياس مدى نجاحنا.
ما هو قلب سليم ومتى تحدث قسوة القلب؟
سبق أن قلنا إن حقيقة وجودنا، وما سيبقى منّا بعد رحيلنا وينتقل إلى العالم الآخر، هو البُعد غير المادي من وجودنا، وهو ما يُعرف بـ “الروح” أو “القلب” أو “الذات الحقيقية”. هذا القلب هو رأس مالنا الوحيد في رحلة الأبدية، أما سائر ما نكدّ ونسعى لجمعه في الدنيا، فإنه عند الوفاة ينفصل عنا كما ينفصل الحبل السري عند الولادة، ولا يتبقى منه سوى أثر تركه في القلب، سواء كان سلبًا أم إيجابًا. إنّ القلب يشبه شريحة ذاكرة تحتوي على مختلف البيانات، وهذه المعلومات لا تُكشَف بالكامل إلا عندما يتصل القلب بنظام الآخرة، فيتمّ فكّ هذه الكبسولة المضغوطة، ويظهر كلّ ما كان مخبوءًا فيها من أعمال وأفكار ونوايا ومشاعر حبٍّ وكره، وتعلّقاتٍ وهميّة أو حقيقية. باختصار، إن القلب السليم هو القلب الذي عندما يُفحص ويُكشف باطنه،[1] لا يُوجد فيه سوى محبوبه الأساسي، وهو الله سبحانه وتعالى.[2] وهذا الوصف وحده، يكشف عن آلاف الأسرار. فالقلب الذي يتمتع بهذه الصفاء، لا شكّ أنه اجتاز اختبارات الحياة، صغائرها وكبائرها، بنجاح، وكان نظام حبه متوازنا، وعلاقاته الأسرية والاجتماعية سليمة، وعباداته مثمرة، ومجمل حياته في الدنيا ـ رغم أخطائها ـ إيجابي ومقبول، ويؤدي في النهاية إلى باطن سليم وولادة سليمة.
بناءً على هذا التعريف، يمكننا بسهولة أن ندرك ما تعنيه قسوة القلب، فهي تحدث عندما تختلّ تغذية النفس، ويختلّ نظام المحبة في الإنسان، فتطغى جوانب دنيا حيوانية في كياننا على ما وراء العقل، وتبدأ محبوبات زائفة باحتلال مساحة القلب، وتُقصي منه محبوبه الحقيقي. ويمكن لهذه المعشوقات الزائفة أن تكون أي شيء وأي شخص؛ بدءاً من محبوبات جمادية كالثروة والمال، وصولاً إلى معشوقات حيوانية كأفراد عائلة، أو محبوبات عقلية كطلب العلم. بل إن الانشغال بمقدسات وعبادات بمعزل عن الله يمكن أن يكون مصداقاً لمحبوب زائف ويؤدي في نهاية المطاف إلى قسوة القلب.
باختصار، من يُصاب بقسوة القلب يجد وقتاً واهتماماً لأي شيء وأي شخص عدا الله! فمثل هذا الشخص يتسم بنفور وفتور تجاه الله ومظاهره، وتصبح أعمال مثل الذكر، وتلاوة القرآن، والحضور في مساجد وأماكن روحية (كأضرحة أهل البيت عليهم السلام)، ثقلاً كالجبل على كاهله. وهو عموماً إما يفر من العبادة، أو يؤديها من باب العادة، أو خوفاً من النار، أو طلباً للثواب، وليس من أجل القرب من الله.
وفقًا لكلّ ما سبق، فإن قسوة القلب داءٌ سامّ فتاك، يبدّل طبيعة القلب من كونه جوهرًا متصلًا بالله، إلى كيان فاسق، وغير متوازن، وبعيد عن الله. ولا شكّ أن داءً بهذا التعقيد والعمق لا يُعالج بتعديل المظاهر، بل يتطلب تحولًا عميقًا ودائمًا في القلب.
الطرق التالية هي أهم سبل علاج قسوة القلب، مع العلم أن طرق العلاج لا تقتصر على هذه النقاط فقط:
أولاً: مراقبة مدخلات النفس ومخرجاتها
إن أول وأهم طريقة لعلاج قسوة القلب والوقاية منها هي التحكم في مدخلات القلب ومخرجاته. فكما ذكرنا في سياق القوى الإدراكية للنفس، تُعد الحواس الخمس بوابات الدخول للنفس، وإذا تلوثت، ينتقل هذا التلوث بالتتابع إلى قوة الخيال، ثم الوهم، وأخيراً إلى العقل والقلب. فإذا أردنا لقلوبنا أن تبقى سليمة، يجب أن نعتني بعيوننا وآذاننا بدقة لئلا تشاهد أو تسمع أي شيء، وأن نراقب طهارة وسلامة أطعمة نتناولها. فـ الكَدَر الذي يستقر على القلب من رؤية مشهد غير مناسب، أو سماع حديث لغو وباطل، أو تناول طعام حرام أو نجس، لا يزول بسهولة.
في سياق الحفاظ على سلامة القلب، تُعد مراقبة مخرجات النفس، بما في ذلك الأفكار والنوايا، وأعمال نقوم بها بجوارحنا، وأقوال ننطق بها، لا تقل أهمية عن مراقبة المدخلات. صحيح أنها تُسمى “مخرجات” وأن النفس والقلب ينتجانها، لكن آثارها تُكتسب مجدداً بواسطة القلب. ومثال ملموس على ذلك هو أوقات ننطق فيها بكلام غير لائق، أو نسيء فيها لأحد، أو نغتاب… إلخ. إذا دققتم، ستشعرون لفترة طويلة بعد ارتكاب هذه الأفعال بأن أرواحنا قد ثَقُلت، وأننا لم نعد قادرين على إقامة علاقة حميمة ودافئة مع الله كالسابق. وبالطبع، فإن إدراك هذا الثقل يتناسب طردياً مع درجة طهارة القلب. وعادةً ما يشعر من دخلوا مراحل متقدمة من القسوة بهذا الثقل بدرجة أقل، أو قد يتلذذون حتى بفعل هذه الأمور، وهذا إنذار خطير جداً.
ثانياً: الطيران بأجنحة الخيال (إدارة ذكية لقوة الخيال)
من خطوات أخرى مؤثرة لعلاج قسوة القلب واكتساب قلب سليم، هي استخدام صحيح وذكي لقوة الخيال. فقلوبنا تابعة للخيال، وحيثما يطير طائر الخيال، يسير القلب أيضاً. لذلك، لا نبالغ إذا قلنا إنّ قيمة الإنسان هي محصلة خيالاته، ونوع خيالاته هو الذي يحدد قيمته.
للخيال دور كبير في جميع أنواع النجاحات والإخفاقات، ويمكن القول تقريباً إن كل نجاح أو فشل يُحسم أولاً في خيال الشخص قبل أن يتجلى خارجياً. كما أنّ نجاحات معنوية ليست استثناءً لهذه القاعدة؛ فإذا أردنا تحقيق نمو وتقدم ملموس في السير نحو الله، يجب علينا أن ندير ونوجه خيالاتنا بحيث تشتعل في وجودنا نار الشوق لوصال الله واستمتاع بملذات الجنة، لكي تعمل أعضاؤنا وجوارحنا في سبيل هذا الهدف. وبالطبع، فإن تربية وإدارة قوة الخيال ليست مهمة سهلة في البداية بسبب غلبة أبعادنا الدنيا والحيوانية. ولكن إذا توفرت لدينا الهمة واستعنا بقوة التلقين، فسيحدث هذا تدريجياً، وسنصل شيئاً فشيئاً إلى مرحلة يصبح فيها ذوقنا سماوياً وجنّياً، ولن نجد متعة في خيالات فاسدة أو عبثية بعد ذلك.
ثالثاً: استخدام قوة التفكر لعلاج قسوة القلب
تعدّ الاستعانة بقوة التفكر والتعقل، من طرق مؤثرة أخرى لعلاج قسوة القلب. فقوة العقل هي الأقرب إلى جزء “ماوراء العقل” (القلب)، ولذلك، عندما تكون العبادات مصحوبة بالتفكر، فإن الجزء “ماوراء العقل” (القلب) ينطلق بشكل أسرع مقارنة بعبادة لا ينشغل فيها سوى الجسد. ولهذا السبب، يُنصح بالاستثمار في جودة وفعالية العبادات من خلال التفكر والتدبر، بدلاً من التركيز على كمّها. [3] تجدر الإشارة إلى أن أعمال فكرية وعقلانية، كغيرها من الأمور، تعاني من آفات تضعف فعاليتها أو تفسدها بالكامل. إحدى هذه الآفات هي الوقوع في فخ الشك والتردد. ولنفس الأسباب التي ذكرناها، فإن قوة العقل تخطئ في كثير من الأحيان، وبالإضافة إلى ذلك، فإنها لا تدرك جوهر وباطن كثير من الأمور بسبب قيودها الذاتية. فإن الذين يسعون لإثبات صحة أو خطأ أمور معنوية بمجرد التفكر والتعقل ويغفلون عن “العنصر العاطفي والإحساس”، يقعون في فخ الشك والشبهة، ولا تتحول قلوبهم فحسب، بل يصابون بقسوة القلب.
رابعاً: الموعظة والتلقي (عامل حياة القلب)
تُعد الموعظة والنصح عامل حياة للقلب،[4] وهي من أدوية تساعد بشكل هائل في علاج قسوة القلب. سماع الموعظة يعني تخصيص الوقت لسماع كلمات العظماء وتكييف الذات مع هذه الكلمات. لكنها لا تقتصر على هذا المصداق؛ فربما تكون قد مررت بتجارب تحولات داخلية نتيجة سماع موعظة. فالموعظة هي “الوَكزَة” التي تصل إلى آذان أرواحنا، أحياناً على شكل جملة منقوشة على حائط، وأحياناً في صفحات كتاب، وأحياناً في مقطع فيديو أو صوت مدته دقيقة من شخص ذي قلب ونفس، وتَسْتَملِك قلوبنا وكأن هذه الكلمات قيلت لنا خصيصاً!
لا ينبغي الاستهانة بقوة الموعظة، فهي قادرة على هزّ القلب من سباته، وتذكيره بما نُسي. فنحن جميعًا، على اختلاف مستوياتنا، بحاجة دائمة إلى من يُذكّرنا بسبب وجودنا، وغاية خلقنا، وطريق عودتنا، ونحتاج من يقول لنا من نحن، ولماذا نحن هنا. أما القلب الذي لا يفسح لنفسه وقتًا لسماع الموعظة، ولا يخصّص وقتاً في الأسبوع لسماع أو قراءة النصائح الحكيمة والإلهية، فلن يلبث أن يُصاب بالقسوة و يموت لا محالة.
خامساً: الصداقة مع العائلة السماوية (حل لجميع المشاكل)
من أهم علامات قسوة القلب وصعوبته، هو عجزنا عن إقامة الأنس والصداقة مع عائلتنا السماوية، أي أهل البيت (عليهم السلام)، وخاصة الوجود المقدس للإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف). فكما قلنا سابقاً، أهل البيت (عليهم السلام)، بالإضافة إلى كونهم أكمل تجليات الله في الكون وخلفاءه وممثليه على الأرض، هم أيضاً العائلة الأصلية والحقيقية لجميع البشر. فمن لا يستطيع إقامة علاقة دافئة وحميمية مع عائلته الأصلية، ولا يُلبي حاجته للحب والعاطفة والقوة بالاتصال بـوجودهم، فإنه سيواجه مشاكل حتماً في علاقاته الأرضية وسيُصاب بـ “تسوّل العاطفة” من هذا وذاك. وبشكل عام، فإن الأنس والصحبة مع العائلة السماوية، والشعور بالشوق إليهم والتوّاق للالتحاق بهم في الدنيا والآخرة، هي من علامات سلامة القلب ومن أفضل سبل علاج قسوة القلب.
القلب هو العنصر الوجودي الأكثر رقة فينا، وعندما يمرض، يؤثر على حياتنا وعلاقاتنا بالكامل مع أنفسنا، والله، والآخرين. وبما يتناسب مع حساسية ورقة القلب، يجب أن يكون علاج قسوة القلب علاجاً شاملاً ومُركباً، حتى تتجلى آثاره تدريجياً في روحيتنا. ومن بين جميع علامات القلب السليم، فإن أهمها هو التمتع بالسرور والسكينة الروحية والمعنوية، والابتعاد عن سرعة الغضب، والحقد، والعصبية، والنرجسية، والحسد، وغيرها من ملوثات تُثقل القلب وتجرده من فرصة التحليق والتواصل مع العالم الغيبي. لذلك، لتقييم نجاحنا في العلاج، يجب أن نقارن أنفسنا باستمرار بهذه المعايير لنرى مدى البُعد الذي يفصلنا عن شخصية يجب أن نكتسبها.
ما ذكرنا في هذا المقال إلا جزءاً من أهم سُبل علاج قسوة القلب، ونترك الباقي لكم. نرجو منكم، ومن أجلنا ومن أجل القراء الآخرين، أن تكتبوا لنا عن أي طُرق أخرى تعرفونها لعلاج قسوة القلب وما هي تجاربكم في هذا المجال؟
[1] . “يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ” (سورة الطارق، الآية ۹)
[2] . الإمام الصادق عليه السلام في تفسير قوله تعالى: “إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ”: «القلب السليم هو القلب الذي يلقى ربه وليس فيه أحد سواه، وكل قلب فيه شرك أو شك فهو ساقط.» (الكافي، ج۲، ص۱۶)
[3] الإمام علي عليه السلام: «لَا خَيْرَ فِي عِبَادَةٍ لَيْسَ فِيهَا تَفَقُّهٌ، وَلَا خَيْرَ فِي عِلْمٍ لَيْسَ فِيهِ تَفَكُّرٌ، وَلَا خَيْرَ فِي قِرَاءَةٍ لَيْسَ فِيهَا تَدَبُّرٌ.» (بحار الأنوار، ج۷۵، ص۴۱)
[4] الإمام علي عليه السلام: «أَحْيِ قَلْبَكَ بِالْمَوْعِظَةِ…» (نهج البلاغة، الرسالة ۳۱)