مدرسة المنتظر لعلم الإنسان

محتوى الدورة
البداية الحقيقية للحياة
0/12
تزكية النفس لأجل الأبدية
حول الدرس

من المعرفة المبعثرة إلى الهداية المنسجمة: تأمل في مكانة القرآن في الحياة المعاصرة

في الحياة المعاصرة، يواجه الإنسان باستمرار مواقف تتجلّى فيها فجوةٌ واضحة بين تراكم المعلومات والعثور على معيارٍ للهداية. فلو تصوّرنا شخصًا يعيش في بيئةٍ تعليمية أو مهنية، يتعرّض يوميًّا لكمٍّ هائل من البيانات والنظريات والتحليلات المتنوّعة، لوجدناه ــ رغم هذا الثراء المعرفي ــ ما يزال، عند لحظة اتخاذ القرار وتحديد الاتجاه الصحيح، يواجه سؤالًا جوهريًّا عن الأساس الذي ينبغي أن يستند إليه والمعيار الذي يجب أن يحتكم إليه.

في مثل هذه الحالة، لا تكمن المشكلة في مجرّد امتلاك المعرفة، بل في القدرة على إدراك العلاقة بين العلم والهداية والغاية من الحياة. وهنا تبرز واحدة من أعمق القضايا التي يعالجها الفكر الديني؛ إذ يطرح سؤالًا أساسيًّا: هل يمكن للإنسان في حياته المعاصرة أن يجد مرجعًا يكون له هاديًا في مسيرته، وفي الوقت نفسه يحدّد له الأفق النهائي لفهمه ورؤيته للوجود؟

تغدو الإجابة عن هذا السؤال أكثر إلحاحًا حين لا يُنظر إلى القرآن بوصفه نصًّا خاصًّا بالشعائر فحسب، بل باعتباره كتابَ هدايةٍ للإنسان. فإذا كان القرآن دليلَ البشرية، فلا ينبغي أن تنحصر صلة الإنسان به في مجالٍ مخصوص، أو في حدٍّ أدنى من الأحكام والتكاليف. وعليه، فإن السؤال الجوهري يتمثّل في: لماذا بقي الرجوع إلى القرآن محدودًا في كثير من الميادين، رغم ما ينطوي عليه من طاقةٍ هاديةٍ شاملة؟ ولماذا يبدو أثره الفعلي في تنظيم الحياة النظرية والعملية للإنسان المعاصر أقلَّ من السعة التي يُفترض أن يملكها؟ إن هذا التساؤل لا يعبّر عن هاجس ديني فحسب، بل يثير أيضًا سؤالًا يتعلّق بأساس الفهم، وبنية النظام المعرفي، والاتجاه الذي تتحرّك فيه حياة الإنسان.

دور القرآن في الحياة المعاصرة وإشكالية مرجعية الهداية

أول ما ينبغي الالتفات إليه هو أن القرآن ليس مجرد نصٍّ يُضاف إلى سائر النصوص. فعندما يُوصف بأنّه كتاب الهداية ودليل البشرية، فإن الحديث لا يدور عن مصدرٍ معرفيٍّ عادي، بل عن مرجعٍ يكشف للإنسان علاقته بالحقيقة، ويُبيّن له الطريق الذي يسلكه، والغاية التي يتجه إليها. والهداية، بهذا المعنى، ليست أمرًا ثانويًّا أو هامشيًّا في حياة الإنسان، بل هي التي ترسم الأفق العام لحياته وتحدّد اتجاهها الكلّي. ومن هنا، فإنّ عدم فهم هذه المرجعية على الوجه الصحيح يؤدّي بطبيعة الحال إلى تضييق نطاق الرجوع إلى القرآن وتقليص دوره.

ويتجلّى هذا التضييق في مظهرين واضحين: الأول أنّ كثيرًا من الباحثين والعلماء في مختلف التخصّصات لم يصلوا بعد إلى القناعة بأنّ القرآن قادر على أن يكون مرجعًا للهداية الشاملة في مختلف شؤون الحياة. والثاني أنّ الرجوع إلى القرآن، حتى داخل الدوائر الدينية المتخصّصة، بقي أحيانًا محصورًا في نطاقٍ محدود، حيث اختُزل في الغالب في الاستفادة من الآيات المرتبطة بالأحكام الشرعية. ومن ثمّ فالمشكلة لا تكمن في قلّة قراءة القرآن فحسب، بل في حصر وظيفته ضمن جانبٍ معيّن من الاحتياجات المعرفية للإنسان، وإغفال آفاقه الأوسع.

وعليه، فإنّ القضية الأساسية ينبغي البحث عنها في طبيعة التصوّر الذي نحمله عن القرآن نفسه. فإذا نُظر إليه بوصفه مصدرًا يُرجع إليه لاستنباط بعض الأحكام فحسب، فمن الطبيعي أن تُغفل طاقته الواسعة في هداية الإنسان وتوجيه حياته بأكملها. أمّا إذا أُدرك القرآن حقًّا بوصفه كتاب هداية، فإنّ علاقة الإنسان به لا يمكن أن تظلّ عند حدود الاستفادة السطحية أو الجزئية، بل لا بدّ أن ترتقي إلى مستوى إعادة بناء منظومة الفهم، وإعادة تنظيم الرؤية التي ينظر من خلالها إلى نفسه والعالم والحياة.

شمولية القرآن وأفق العلم

إنّ القرآن يمتلك كلمةً يقولها في جميع الميادين والحقول المعرفية. وقد تبدو هذه العبارة، للوهلة الأولى، شديدة العمومية إذا تُركت دون بيان أو تحليل؛ غير أنّ المراد منها أعمق من ذلك. فالقرآن يضع بين يدي الإنسان أفقًا تنكشف فيه العلوم من إطارها المتفرّق ووظيفتها الأداتية المحضة، لتُفهم في علاقتها بالحقيقة والهداية.

ومن هنا، فإنّ الحديث عن شمولية القرآن لا يعني بالضرورة أن يحلّ محلّ سائر العلوم والتخصّصات بصورةٍ آلية أو مباشرة، بل يعني أنّه لا يبقى جانبٌ أساسي من جوانب حياة الإنسان وفهمه خارج دائرة هدايته وتوجيهه. فالقرآن لا يُقصي العلوم، وإنما يمنحها الإطار الذي تنتظم داخله، والغاية التي تتوجّه نحوها.

ومن هذا المنظور، يظلّ العلم ناقصًا ما لم يرتبط بالهداية. فالعلم قادرٌ على أن يزوّد الإنسان بالأدوات والوسائل، غير أنّ الأدوات وحدها لا تحدّد المقصد، ولا ترسم الوجهة. والذي يكشف الغاية ويحدّد الاتجاه هو المرجع الذي يَهدي الإنسان ويقوده. ولذلك، حين يُقال إنّ القرآن يملك كلمةً في جميع المجالات، فإنّ المقصود ليس التفاصيل الجزئية لكل علم، بل الأسس التي يقوم عليها، والاتجاه الذي يسير نحوه، والمعايير التي يحتكم إليها، والغايات التي يتطلّع إلى تحقيقها.

وبهذا المعنى، فإنّ شمولية القرآن تتعلّق ببناء الأفق الكلّي للفهم الإنساني، لا بمجرد إضافة مجموعةٍ من القضايا المتفرّقة إلى البنى العلمية القائمة. وحتى اليوم، لم تُستخرج العلوم المختلفة من القرآن إلا في نطاقاتٍ محدودة واستثنائية؛ ولذلك قد يبدو هذا الطرح غريبًا للوهلة الأولى. غير أنّ من طبيعة الإنسان أنّه إذا لم يشهد تحقّق قدرةٍ ما على أرض الواقع، اعتاد الوضع القائم وألِفه، ثم أخذ ينظر إلى ما وراءه بوصفه أمرًا بعيدًا أو غير مألوف.

ومن هنا، فإنّ عدم الألفة مع إمكان استنباط آفاق معرفية واسعة من القرآن قد جعل كثيرين لا ينظرون إلى شموليته بوصفها إمكانيةً معرفيةً قابلةً للاكتشاف والتفعيل، بل باعتبارها دعوى يصعب تقبّلها أو التسليم بها.

دور القرآن في الحياة المعاصرة

في العالم المعاصر يتخصص الإنسان في مجالات متعددة، غير أنّ التخصص حين ينفصل عن الهداية يتحوّل تدريجيًا إلى جُزرٍ معرفية متباعدة: لكل حقل لغته الخاصة، وأسئلته التي يصوغها بمعزل عن غيره، وحلولٌ يقترحها داخل أفقه المحدود؛ بينما تظل الأسئلة الكبرى، كالغاية النهائية، وعلاقة الإنسان بالحقيقة، والمعيار الأعلى للحكم والتقويم، باهتة أو بلا جواب. وفي هذا السياق، يمكن للقرآن أن يقوم بدورٍ جامع؛ لأنه ينقل التفكير من مستوى الجزئيات إلى مستوى الكليات، ومن منطق الأدوات إلى منطق الغايات.

إن انحسار الرجوع إلى القرآن ليس مسألة تعليمية فحسب، بل هو علامة على خللٍ في إدراك موقع القرآن ذاته. فمادام القرآن يُختزل في مساحة محدودة من الحياة المعرفية، فإن الحياة الفردية والاجتماعية ستُحرم من طاقته الكاملة. ومن ثمّ، فالمسألة ليست في مجرّد قراءة القرآن، بل في تحديد موقعه داخل بنية الفهم والعمل الإنساني؛ فإذا ضاق هذا الموقع، ضاق أثره تبعًا لذلك.

يتضح هذا المعنى على المستوى الفردي بسهولة: فقد يعتمد الإنسان في قراراته المصيرية على مصادر معلومات كثيرة، لكنّه إن افتقد معيارًا يجمع شتات المعطيات ويوجهها، وقع في تعددٍ مضطرب لا نظام له. وعلى المستوى الجماعي تجري القاعدة نفسها: فالمجتمع الذي تُدفع فيه مرجعية الهداية إلى الهامش قد يحرز تقدمًا في إنتاج المعرفة، لكنه يظلّ عرضة للتشتت حين يتعلق الأمر بتحديد علاقة هذه المعرفة بحقيقة الإنسان ومعنى وجوده. وبهذا المعنى، فإنّ قضية القرآن ليست قضية عبادية أو تراثية فحسب، بل هي قضية تتعلّق بالنظام الوجودي والمعرفي للحياة الإنسانية

القرآن بوصفه «كتابًا دراسيًا للإنسان»

نرى أن القرآن يمكن النظر إليه بوصفه «كتابًا دراسيًا للإنسان»، أي كتابًا يُنتظر منه أن يُعلِّم ويُثمر في الواقع. فالدراسة هنا ليست تلاوةً مجردة ولا حضورًا موسميًا في المناسبات، بل هي قابليةٌ للتعلّم والتطبيق. وبهذا المعنى ينبغي للقرآن أن يدخل في صميم بناء الإنسان: في التربية، وتشكيل العقلانية العملية، وتوجيه الاختيارات اليومية.

ويترتب على ذلك أثرٌ عملي واضح: لا يصبح حضور القرآن في الحياة المعاصرة حضورًا حقيقيًا إلا حين تتحول علاقتنا به إلى تعلّمٍ فاعل؛ بحيث يعمل الفرد والمجتمع بالقرآن، ويعرضان عليه أسئلتهما الواقعية، ويستخرجان منه أجوبةً في صورة معايير وضوابط واتجاهات ورؤيةٍ للمعنى، لا أن تبقى الصلة به عند حدّ القراءة التي لا تلامس مجال الفعل.

عدم تقادم القرآن وإمكان استمرار الهداية عبر الزمن

من سمات جوهرية للقرآن الكريم هي أنه لا يبلى مع مرور الزمن ولا يفقد فاعليته بتقادم العصور. وهذه ليست عبارة مدحٍ إنشائية، بل هي بيان لقدرة القرآن على مرافقة الإنسان عبر التاريخ؛ بحيث يبقى، مهما امتدّ الزمن، صالحًا لأن يكون كتابًا دراسيًا للبشر، أي مصدرًا دائمًا للتعلّم والتطبيق. وذلك لأنّ خلق الإنسان نفسه مرتبط بالحقيقة القرآنية، ولأنّ القرآن يحيط بدقيقةه الوجودية كافة.

وعليه، فإنّ دور القرآن في الحياة المعاصرة لا يختلف في جوهره عن دوره في الماضي أو المستقبل، وإنما الاختلاف يكمن في مدى انكشاف معانيه وطاقاته. فكلّما ازداد علم الإنسان واتسعت معارفه، كان ينبغي أن تنكشف له طبقات أعمق من القرآن. وإذا لم يحدث ذلك في الواقع، فقد يكون ذلك مؤشرًا على خللٍ في طريقة التلقّي والمواجهة، لا على نقصٍ في القرآن أو محدوديةٍ زمنية فيه. ومن هنا، فإنّ الشعور بتراجع حضور القرآن في الحياة المعاصرة ينبغي أن يُفسَّر في ضوء طريقة التعامل معه ومستوى الرجوع إليه، لا في ضوء قصورٍ زمنيٍّ فيه أو محدوديةٍ تاريخية في رسالته.

الأفق الاجتماعي: تعليم القرآن وتحقيق حقوق الإنسان

حين يُطرح تعليم القرآن بوصفه خيارًا محوريًا للمستقبل ويُربط بمسار حقوق الإنسان، فإن ذلك يكشف عن قابليته للتأثير الاجتماعي. فحقوق الإنسان ليست ملفًا نظريًا معزولًا، بل هي تنظيمٌ للعلاقات البشرية، وصيانةٌ للكرامة، وضبطٌ لمعاني الحق والعدل، وبناءٌ للهياكل التي تقلّل الظلم وتمنع الاستئثار.

ومن هنا، يمكن لتعليم القرآن أن يتجاوز مجرد نقل المعلومات إلى مستوى أعمق: إعادة بناء الإنسان في فهمه للحق والواجب، وفي علاقته بالآخر، وفي معايير العدل والإنصاف. وبذلك لا يظل دور القرآن فرديًا محضًا؛ إذ يملك القرآن قدرةً على تربية إنسانٍ واعٍ بحقوقه ومسؤولياته، بما يمهد تدريجيًا لإصلاح علاقات اجتماعية والحد من صور اللاعدالة. وبهذا يدخل القرآن ميدان القضايا الكبرى لا بوصفه شعارًا، بل بوصفه مصدرًا للتعليم وإعادة تشكيل الوعي بالحياة.

القرآن وإشكالية التقدم

يعيش الإنسان المعاصر في عالمٍ اتسعت فيه إمكانات المعرفة، غير أنّ سؤال الهداية ما زال سؤالًا تأسيسيًا. وفي هذا السياق، لا يعني الرجوع إلى القرآن الانكفاء إلى نصّ تاريخي معزول، بل يعني استعادة مرجعية قادرة على جمع تفرّق المعرفة والعمل والغاية في أفقٍ ذي معنى. فحين تُهمَل هذه المرجعية تتعرض الحياة لتشظٍّ معرفي، وحين تُؤخذ بجدّية يتاح وصلُ العلم بالحق، وربطُ الهداية بفكرة التقدم ومساره.وعليه، فالقرآن _ضمن هذا التصور_ كتابٌ ينبغي أن يعود من الهامش إلى متن الحياة؛ لا عبر الخطاب الشعاري، بل عبر فهمٍ دقيق لموقعه في هداية الإنسان. إن تضييق نطاق الرجوع إلى القرآن، سواء لدى المتخصصين في حقول معرفية متعددة، أم داخل بعض قراءات دينية اختزالية، جعل طاقته الشاملة أقل ظهورًا. غير أنّه إذا كان القرآن مرجع هدايةٍ للإنسان، فإن علاقته بالعلم، وبحقوق الإنسان، وبالتعليم، وبالتقدم، ستكون علاقةً بنيوية لا عرضية. وفي هذا الأفق لا تستقيم الحياة المعاصرة على وجهٍ منسجمٍ وموجَّه إلا إذا تجاوزت مجرد تراكم المعلومات واتصلت بالمعيار الأعلى للهداية؛ وهو الموقع الذي نزل القرآن من أجله