ضرورة مقارعة موانع الوصول إلى مودة أهل البيت عليهم السلام و تشخيص أسباب التغافل عنهم
بعد أن تعرّفنا إلى مفهوم المودّة تجاه أهل البيت (عليهم السلام)، ووقفنا على الفرق بين المودّة والمحبة، واطّلعنا على الآثار والخسائر التي سببها الخلط بين هذين المفهومين، يحسن بنا أن نعرف موانع الوصول إلى المودّة أيضًا؛ والتي لم تكتفِ بإبعادنا عن الأصل والجذر، ولا بجعل طريقنا نحو الفرح الحقيقي والسكينة أصعب، بل حرمتنا من بلوغ السعادة والسلامة اللتين لا تُنالان إلا من خلال مرافقة المتخصّص المعصوم وتربيته لنا. وكما أننا لم ننتبه إلى الفرق الهائل بين مفهوم المودّة والمحبة، وظللنا سنين، بل قرونًا، نُطمْئن أنفسنا بوهم امتلاك المحبة لأهل البيت، قد نغفل بسهولة عن أثر تلك الموانع التي سرَت بهدوء في أعماق حياتنا، حتى حرمتنا من منبع الرحمة والرأفة، ومن التشبّه بصفات الله.
قد يكون الأنس بظروف خاصة، أو بمكان، أو بزمان، أو حتى بما نملك وما لا نملك، حجابًا كثيفًا من العادة، يحجب بصيرتنا إلى درجة أننا لا نكاد ننتبه إلى فقدان نعمة المربّي، ولا إلى الغفلة عن هدف عظيم مختبئ خلف هذه العادات. حتى نصل إلى حدّ ننسى فيه حقيقتنا الإنسانية، فنُعطي الدنيا دورًا محوريًّا أكبر من قدرها، بينما خُلِقت الدنيا لتكون مجرّد موضع اكتساب الأدوات اللازمة في الآخرة.
في هذا المقال، نهدف إلى استعراض موانع الوصول إلى المودّة التي جعلتنا نغفل، أو نهمل، أو حتى نفقد المتخصصَ المعصوم الذي ارتبطت سعادتنا الدنيوية والأبدية به، لنبحث من خلالها عن طريق العودة إلى أحضان عائلتنا السماوية، والطريق الصحيح للسير من جديد.
الطاغوت والاستكبار؛ مانعٌ يحول دون بلوغ المودّة
كنّا ولا نزال نشهد، حُكم الطواغيت والحكّام المستبدّين عبر التاريخ؛ الذين رأوا نجاحهم وبقاءهم مرهونين بإبعاد الناس عن حقيقتهم الإنسانيّة. فقد سعى هؤلاء، عبر أدوات الخداع والقمع، إلى خلق مسافةٍ بيننا وبين عائلتنا السماوية. إذ إنّه في عالمٍ تسود فيه الرحمة والعدل والسرور والطمأنينة، لا يبقى مكان للاستبداد ولا لِتسلّط المتجبّرين على البشر. ولذلك فإنّ أفضل وسيلة لاستمرار طغيانهم هي إبعاد الإنسان عن أصله وحقيقته، وقطعُ الصلة التي من شأنها أن تُعيد توجيهنا نحو هدفنا وغايـتنا النهائيّة.
وقد أدّى هذا الدورَ كلٌّ من حكّام مستبدّين أخفَوا الحقيقة عن الناس، وجماعات ثقافيّة حديثة، شغلت الشباب بظواهر الحياة ومباهجها السطحية؛ فكانت النتيجة أن كثيرًا منّا، رغم عيشه في محيط ديني، لا يزال غريبًا عن ذاته الخالدة، لأنّه غفل عن الارتباط بمن يضمن له السعادة الحقيقية وبلوغ هدف الخلقة.
ولهذا السبب، وعلى الرغم من وجودنا في مجتمعٍ متديّن، ما زلنا نشعر بالفراغ، ونفتقد السرور والسكينة. إنّ هناك مفقودًا نحسّ بفقدانه، لكنّ الأنس بالدنيا والانشغال بحاجاتنا ونقائصنا في مستوياتها الطبيعيّة، يجعلنا عاجزين حتى عن تمييز ما نفتقده. لقد أدّى انفصالنا عن أنفسنا الحقيقيّة وعن عائلتنا السماويّة إلى غربةٍ داخليّة، جعلتنا نكتفي بكمالاتٍ محدودة زائلة؛ مثل اللذّات الحسيّة، والنموّ الطبيعي، والبقاء والرفاه الحيواني، أو في أحسن الأحوال التقدّم العقلي. بينما كانت نتيجة الابتعاد عن قدوتنا وهادينا وعائلتنا الحقيقيّة، خسارةً عظيمة لا يمكن تداركها بسهولة، لأنها سلبتنا فرصة النموّ اللامتناهي.
هذه الخسارة لم تكن إلّا ثمرة الاستسلام لسلطان الاستكبار، واللامبالاة تجاه حكم الطواغيت الذين رأَوا أنّ بقاءهم مرهونٌ بابتعادنا عن المعصوم وانقطاعنا عنه.
الجهل وقِلّة الوعي؛ كعائق لبلوغ المودّة
عادة ما تظهر آثار الجهل وقِلّة الوعي في الشؤون الماديّة والدنيويّة سريعاً، فالحصول على شهادةٍ أو اختيارُ عملٍ لا يسهم في نمونا، ولا يلبّي احتياجاتنا، ولا يقرّبنا من السكينة، أو اختيارُ مكان عيش يولد التوتر والاضطراب ، أو زواجٌ غير واعٍ مما يسلب السكينة بدلاً من جلبها؛ كل هذه الأمور تتضح نتيجتها السلبية عاجلاً أو آجلاً.
نحن نُدرك بوضوح أضرار وخسائر ناتجة عن جهلنا في شؤوننا الحياتية المحدودة، غير أنّنا نغفل عن صدمات لا تعوّض يفرضها علينا الجهل بحقيقتنا وغايتنا الوجودية. ومثلنا في ذلك كمثل من يدرك أدق عيوب مركبته، لكنه بسبب الجهل يسير في طريق لا تقوده إلى مقصده، بل تُبعده عنه لحظة بعد لحظة.
وبما أن بلوغُنا لغاية الخَلق والتشبّه بصفات الله متوقّفًا على وجود ارتباطٍ فعّال ومثمر بالمعصوم، فإنّ انقطاع هذا الارتباط أو غيابه لا بدّ أن يقود إلى حيرةٍ واضطرابٍ في الطريق. وعندما ننسى صلتنا بأهل البيت عليهم السلام، فإننا ننشغل، في أفضل الأحوال، بـالعقلانية الدنيوية المحدودة، غافلين عن حقيقة أنّ العقل الذي ابتعد عن منبعه الأصيل، وانقطع عن مصدره اللامتناهي، لن يكون إلا كمصباحٍ لا ينير سوى بضع خطوات أمامنا، ولن يستطيع أن يكشف لنا معالم الطريق الحقيقي في الحياة.
ومن ثمّ، فإنّ هذا الجهل لا يحرمنا فقط من ولادةٍ سليمة نحو الأبديّة، بل يجعلنا أيضًا نتجاهل التضحيات العظيمة التي بذلها أهل البيت (عليهم السلام) في سبيل إيصالنا إلى جوهر الدين، ونمط الحياة الإنسانية، وإدراك الأبدية الممتدة أمامنا.
التعلق بالدنيا كأعظم موانع مودة الإمام
تشترك كل واحد من العوامل التي تناولناها حتى الآن، في إعاقة الإنسان عن الارتقاء إلى منزلة نصرة أهل البيت (عليهم السلام)، وتُعدّ كلها موانع دون إقامة المودة الحقيقية. إلا أنه من بين تلك العوامل، يمكن اعتبار الانشغال بالدنيا والغرق في لذاتها وجاذبيتها البراقة هو العامل الأكثر تأثيراً وأشدّها منعاً من سائر الحجب. وبما أن إدراك أي غايةٍ عظيمة يتطلب ثمناً يتناسب مع قيمتها، فهل يوجد في الوجود غاية أهم من الإنسان نفسه، وهدف أسمى من سعادته الأبدية؟ إن مفتاح تحقيق هذه السعادة هو بيد شخص واحد؛ ليس فقط لأنه مدركٌ لبنيتنا الوجودية وغايتنا ومسار حركتنا، بل لأنه المثل الأعلى للكمال المطلق (صورة الله الكاملة). ومع ذلك، فإن إدراكنا لأهمية الصلة بالمعصوم يتطلب أولاً وعياً حقيقياً بذواتنا الأصلية وعدم نسيان منبع وجودنا.
وللأسف، يؤدي الإنس بالدنيا، والاعتياد على لذّاتها السريعة، وتناول الحرام، وعدم السيطرة على مدخلات النفس، إلى تغيير ذائقتنا الفطرية اللامحدودة. هذا الانحراف يُقحمنا في أدنى مستويات الحاجات والشهوات. النتيجة هي أننا بدلًا من “التحليق” نحو مراتب الكمال، نرضى بـ”الزحف” في تراب المطامع الدنيوية. لقد استغرقتنا الشهوات والكمالات الدنيا إلى حد أننا حُرمنا من لذة وجود المعصوم، فلم نعد ندرك الخسارة الناجمة عن غيابه، ولم نصبح مستعدين لدفع ثمن نصرته. بينما خلاصنا الحقيقي يكمن في استعادة النظرة الأبدية وإعادة الوصل بأهل البيت (عليهم السلام).
حينما نُدرك أن حقيقتنا الوجودية لا تقتصر على حدود الجسد ورغبات مادية، تتغير آفاق حياتنا فنرى أنفسنا بمستوى الهدف الذي خُلقنا لأجله. وهذه النظرة تمنح معاناتنا معنىً وجهودنا اتجاهًا، وتقودنا إلى “معاملة” نتائجها رابحة في الدنيا والآخرة. وهي معاملة لن تُنجينا وحدنا، بل ستؤدي إلى نجاة البشرية جمعاء؛ وتؤهّلنا لأن نكون ممهدين لقدوم من يَسحبنا برحمته الواسعة من أدنى مراتب الوجود إلى أرفعها.
في الحقيقة، إن النجاة الأبديّة ما هي إلا ثمرةُ ارتباطٍ وثيق بالمعصوم المتخصّص، والسير وفق تعليماته وتدريباته. وعليه، فإنّ كلّ ما يحول بيننا وبين هذا الارتباط يُعدّ جحيمًا بالنسبة لنا.
في هذا المقال، استعرضنا موانع بلوغ المودّة، وذكرنا أنّه كما يسعى الطواغيت والمستكبرون إلى منعنا من معرفة حقيقتنا، فإنّ الجهل، والتعلّق بالدنيا، والانشغال برغباتها، كلُّ ذلك يلعب دورًا كبيرًا في عدم فهم علاقتنا بالإمام، وفي غياب إدراك أهميّة نصرته، ومن ثمّ يُعدّ من أبرز موانع الوصول إلى مودّة أهل البيت (عليهم السلام).