دور طرق معرفة النفس في القيادة إلى طريق معرفة النفس الحقيقية

جدول المحتويات
"الصمت والخلوة والتفكير من أفضل طرق معرفة النفس "

المواجهة بين وجهات النظر الفطرية والدنيوية

نحن غالبا ما نخلط بين مفهومي “معرفة النفس” و”علم النفس“، فنلجأ إلى اختبارات الشخصية للتعرف على أنفسنا. لكن كما قلنا سابقاً، فإنّ ذاتنا الحقيقية هي معنىً مستقل لا علاقة لها بسماتنا الشخصية والأخلاقية. لكل إنسان بُعد فريد و مميز يسمى “النفس الحقيقية”  إلى جانب أبعاده الأخرى المختلفة من وجوده، وهي التي تعتبر وجه تسميته “إنساناً”. والمقصود من طرق معرفة النفس هي الطرق التي تؤدي إلى معرفة نفسنا الحقيقية والتصالح معها. الطريق في هذه الرحلة جذاب للغاية حيث أنك ما إن تخطو فيه حتى لن ترغب في تركه.

الطرق المسدودة

الشعور بالنقص والاضطراب أمر مؤسف يلقي بظلاله على حياة الإنسان المعاصر ويجعله يشعر بالاختناق. حیث أنّ کل الناس فيه سواء، الغني منهم أو الفقير، متعلما أو غير متعلم، رئيس أو مواطن عادي، كلهم مشتركون في امتلاك هذا الشعور، و کأن للبشر جميعًا أمر مفقود لا يمكنهم العثور عليه مهما يبحثون عنه في خضم الحياة اليومية.

قد يحاول الإنسان ملىء هذا الخلأ بمختلف الطرق المعروفة، منها سيكولوجية النجاح والثروة، وعلم إدارة العقل والبرمجة اللغوية العصبية (NLP)، وقانون الجذب، والتأمل(ميديتيشن)، وما إلى ذلك. لقد شعر الإنسان في الآونة الأخيرة أنه إذا حقق النجاح في علاقاته الشخصية والمهنية، سیهدأ له هذا الشعور بالضياع، إلا أنه لم يعثر على ضالته وظل يشعر بخیبة أمل. الحقیقة أن كل هذه الطرق تعمل كمسكن مؤقت للألم، والذي لا یوقف الشعور بالضلال إلا لفترة قصيرة، بینما تظل أصل المشكلة موجودة.

ضالةٌ تدعى ب:”النفس الحقیقية”

من المؤسف أن نقول إن معظمنا نعاني من نسیان الذات وذلك أننا انشغلنا الکثیر بالحياة لدرجة أننا نسينا أنفسنا الحقيقية. والدليل على ذلك، خذ ورقةَ وقلمًا واكتب برنامجك اليومي كاملا. ألقِ نظرة على القائمة المکتوبة وانظر إلى الدقيقة التي خصصتها للخلوة مع نفسك الحقیقية لیلٌا ونهارًا. إنّ النتيجة مخيبة للأمل بالنسبة لمعظمنا. قد يبدو هذا غريباً ولکن ضالّتنا الحقیقية التي نبحث عنها طيلة الحياة، هي ليست غير أنفسنا!

ما دمنا أننا لم نجد ولا نعرف أنفسنا، ستبقى حياتنا متشابكة وكلما حاولنا جاهدين لتحقيق السعادة والسلام لن نستطيع التخلص من المشاعر المزعجة التي تعيق قدراتنا على الإنجاز و التغلب على النكسات.

إن المعرفة التي نمتلكها عن أنفسنا إن لم تكن ناقصة فهي خاطئة، تماما مثل أحجية(البازل) التي  فقدت أكبر قطعة منها، أو كتاب ضاعت أهم صفحاته. لا بد علينا النظر إلى داخلنا لكي نجد أنفسنا والذي لايمكن تحقيقه إلا من خلال الخلوة والصمت والتفكير.

 

التفکر هو الطريقة الوحيدة للتصالح مع ذواتنا الحقيقية

حسب رأي الباحثین إنّ دماغ كل إنسان قادر على تحليل أكثر من 50000 فکر مختلف طوال اليوم. قد لا تصدق معرفة أنه من بين كل هذه الأفكار المختلفة، لا يتجاوز عدد الأفكار المركزة على النفس الإنسانية عند البعض صفرا!

واليوم قد اتسعت أفكار الناس في ظل وسائل الإعلام التي ﺗﻘـﻮم ﺑالتخطيط لأفكارهم وتقرر حتى مادة تفكيرهم. إن قوة وسائل الإعلام كبيرة لدرجة أنها يمكن أن تحوّل قضية سخيفة ومضحكة إلى موضوع هام جدا و یجعل الشخص یخوض متجولا في الإنترنت لساعة طويلة متطلعا بفضول إلى حياة المشاهير مثلا و کشف السبب وراء طلاق أحدهم و زوجته، أو متابعة کیفیة إقامة احتفالات لعائلة ملكية في بلد ما، وغيره.

لقد أصبح الأمر كذلك وکأنّ الخلوة مع النفس تخلق خوفا في نفس الإنسان. فما إن نجد أنفسنا وحيدين حتى نبدأ بااتصال هاتفي أو تشغیل التلفاز أو التجول في عالمنا الافتراضي. طالما أننا لا نفرّغ أنفسنا للخلوة، فلن تتیح لنا فرصة للوصول إلى السلام والسعادة؛ لأنهما من نتائج معرفة النفس، ولا تتحقق معرفة النفس دون الصمت و الخلوة والتفکیر. وبالتالي فمن الضروري قضاء بعض الوقت، مَهما كان قصيرًا یومیًا، للخلوة مع أنفسنا و الأنس بها. وأفضل الأوقات للتفکر هي بداية اليوم قبل طلوع الفجر و نهایة اللیل. يمكننا الجلوس في زاوية مريحة ومنح أنفسنا الحقيقية فرصة لتظهر نفسها. يجب أن نترك لها العنان لتطرح أسئلة قد يقودها العثور على أجوبتها إلى السعادة الحقيقية الأبدية والسكينة التي لا نهاية لها.

هذه هي أهم الأسئلة في حياتنا والتي نتجاهلها طيلة عمرنا:

  • من أنا؟ لماذا أتيت إلى هذا العالم؟
  • ما هي فلسفة الولادة والموت؟
  • هل أتیت إلی هذا العالم للدراسة والزواج وإنجاب الأطفال و الموت في النهاية فقط؟
  • لو كان الغرض من الحياة هو هذا فحسب، فما هي ضرورة من أن يكون العالم بأسره و تعقيده كله في تسخير الإنسان؟ والذي كان عُشره كافيا لتلبية حاجاته!
  • هل الکون نتيجة صدفة؟ بکل كواكبه ونجومه ومجراته والنباتات ومختلف الحيوانات والأطعمة بأنواعها والروائح والألوان المختلفة، إلى آخره.

إن تكن صابرا في التركيز والتفكير بماهية نفسك، فسوف يتبادر إلى ذهنك المزيد من الأسئلة المهمة، والتي ستقودك إلى فهم فلسفة تواجدك في هذا العالم شيئاً فشيئاً وتساعدك على كشف الستار عن السرّ الأعظم في الخلق والذي يدل على: “من أنا؟” و”ما هو مهمتي ورسالتي في الدنيا؟”

اليوم الذي تجد فيه الإجابة على هذا السؤال، هو يوم ميلادك الجديد!

على شاطئ السلام

نحن البشر نبحث عن سعادة حقيقية دائمة وسلام طوال حياتنا إلا أننا كنا خاطئين في اختيار طرق الحصول عليها. فبالتالي كلما تمضي أيام العمر، نشعر بالقلق والإكتئاب أكثر. إنّ الطريق الوحيد الذي يفضي إلى السعادة والسلام هو “معرفة النفس” ولاكتساب ذلك، نحن بحاجة إلى الخلوة والصمت و التفکر للتعرف على أنفسنا والتصالح معها. وعندما يتم العثور على إجابات لأهم الأسئلة الحياتية، لن تضر نوائب الدهر سعادتنا أبدا.

اكتب رأيك