كم مدى اثر الروحانيات في حياة الإنسان؟

جدول المحتويات
" الروحانية هي طعام البعد غير المادي لوجود الإنسان "

دور المعرفة الإنسانية في الوصول إلى الروحانية

قصة الإنسان والروحانية هي قصة مليئة بالتقلبات. ربما كان للدين في الأزمان القديمة دوراً أبرز في حياة الناس مقارنة بعصرنا الحديث الیوم. کما أنّ العيش في المناطق الطبيعية البکر وفّر لهم فرص أكثر للتفكير في أنفسهم وفي معنى الحياة، وهذا ما کان یشبع في حد ذاته، احتياج الإنسان إلى الروحانیة. بيد أنّ مع تقدّم الصناعة وتغيير نمط الحياة، انخفض دور الدّين وأهميته في حياة الإنسان شيئا فشيئا، وتم وضع العقائد والتدين جانباً من خلال عدم الالتفات والاهتمام إلى الأوامر الدينية وإزالتها من الحياة!

و تواصلت هذه العملية بمرور الوقت حتى وصل البعض إلى مرحلة حيث أنهم وجدوا الحياة منعدمة المعنى والهدف. بينما قال الله سبحانه: “وَ ما خَلَقْنَا السَّماءَ وَ الْأَرْضَ وَ ما بَيْنَهُما باطِلا”[1]، ومع ذلك، يقع الكثيرون حول العالم ضحية لفكرة تجريد حياتهم من المعنى والروحانية، ولا يزالون محاصرين في فخ الحياة الميكانيكية. یبقى هنا سؤالان:

  • هل الروحانية احتیاج داخلي لا يمكن إزالته
  • هل الدين هو مجموعة من مختلف الأوامر والنواهي التي ليست لها وظيفة سوى تحديد الحدود الأخلاقية؟

ما يهمّنا في هذا المقال هو الإجابة عن السؤال الأول معاً ويمكنك العثور على إجابة الثاني في المقالة (“ما هو الدين”).

الروحانية والتفكير

الروحانية هي نقيض المادية والجسدية ويمكن تعريفها في استشعار الحاجة إلى التواصل مع وجود ما وراء العالم المادي. و بما أننا لا نشعر بالحاجة إلى شيء إلّا وقد جربناه بالفعل، فإننا عندما نشعر بالتواصل مع أمور ما وراء المادة فهذا يعني أننا قد جربناها من قبل.

اصل الروحانية أو المعنوية منسوب إلى الروح والمعنى وهو ما يتّصل بالذّهن والتّفكير في معنى الحياة؛ إذا عرف الإنسان المعنى الصحيح لحقيقة وجوده، فإنه سوف يسعى إلى تحديد فهمه عن نفسه بشكل أوضح ولا يمر ببساطة بالأسئلة الأساسية للحياة، منها: لماذا أنا هنا؟ ما هو دوري في هذا العالم؟ إلى أين سوف أرجع؟ فإنّ العثور علی إجابات لهذه الأسئلة يمكن أن يغير إتجاهه ومعنى حياته.

أنت بحاجة إلى الغذاء الروحي أيضا

الظمآن يحتاج إلى الماء ولن يستمتع حتى بألذ الأطعمة حتى يروي عطشه. وكذلك من هذا الحيث تشبه بنیة النفس للجسد، هي تجوع وتحتاج إلى الطعام والأكل إلا أنّها تتطلب طعاماً یتناسب معها. إنّ كل حاجة تتطلب استجابة خاصة بها، فمثلاً الاستجابة إلى الشعور بالجوع ليس سوى تناول الطعام ولا یمکن حتى أفضل النعم والعطايا المادية مثل شراء منزل جميل، أن تکون ملبية لهذه الحاجة ولو أنها قد تصرف عن الجوع للحظة، ولكن لايلبث أن يظهر الجوع مباشرةً بقوة أكبر بعد قليل. تمامًا مثل الطفل الذي قد ابتعد عن أحضان أمه ومهما حاول الآخرون تهدئته فإنه يتذكر أمه مرة أخرى بأدنى صوت أو إشارة وبكاء.

علامات الجوع الروحي

الإنسان الجائع ما دامت حاجته إلي الطعام غير مستوفاة، فهو يختلق الأعذار ويصبح عصبيًا وضعيفًا وجزوعاً. هذه الحالات هي حالات النفس الإنسانية بالضبط؛ طالما أننا لا نوفر غذاءً مناسبًا لقلبنا، فسيظل يختلق لنا الأعذار، لدرجة أن هذه الصفة قد تصبح ثابتة في وجودنا ونفسنا ويحولها إلى كائن عنيد وسخيف المزاج. فهي تصبح مضطربة، وتشعر بالملل والغضب، بل وتفقد القدرة على إقامة علاقة صحيحة مع من حولها من جراء الإهمال واللامبالاة، وعندما ترى أن جهودها لتلبية احتياجاتها غير مثمرة وبلا جدوى، تصاب بالإحباط والاكتئاب.

التوجه الروحاني

کل ما ذكرناه، يدل على تزايد الإتجاه العالمي نحو الروحانية يومًا بعد يوم؛ إن البشر يبحثون عن طريق لتهدئة أرواحهم المضطربة، و ما أكثر أولئك الذين يلتحقون بدروس التأمل أو الميديتيشن واليوغا محاولين توفير الغذاء المناسب للجزء الإنساني من وجودهم من خلال التفكير الإيجابي الإهتمام بالطبيعة وما وراء الطبيعة. قد ينجحون في ذلك إلى حد ما، غير أن تختلف هذه الأطعمة الروحية التي نختارها بالعادة لأرواحنا اختلافًا كبيرًا عن ما يقدمه لنا خالقنا. الأول هو تلبية اللحاجة اللحظية والتخلص من الإحباط، والآخر هو جلب السعادة والسلام والحب الخالد فينا. أحدهما يجعلنا مستقرين في وضعنا الحالي والآخر يعدنا بالصعود والانطلاق إلى الأعلى. الطعام الذي لا يتم تناوله إلا لتلبية حاجة، ليختلف تماماً عن الطعام الذي يتم تحضيره حسب نوع الحاجة. کلاهما غذاء ولكن أين هذا من ذاك!

الروحانیة هي احتياج البعد الإنساني

طالما أننا لا نعرّف أنفسنا كإنسان ونجهل احتياجات جزءنا الإنساني فإننا لن نتمكن من تلبيتها. إن أنفسنا وقلوبنا جائعة وبحاجة إلى التغذية، بينما نحن مركزون على الأجزاء الأخرى بدلاً من تلبية احتياجات الجزء الانساني من كياننا. قد أصبحنا مكتئبين من فرط إهمالنا الشديد للجزء الإنساني من وجودنا وما زلنا محاولين تحسين أحوالنا من خلال تغيير الأثاث والسيارات وما إلى ذلك.

کأم تسلي طفلها بالألعاب بدلاً من عناقه أو الأم التي مهتمة كثيرًا بالاحتياجات الجسدية والتغذية لأطفالها وتفحص تطور الطفل ونموه في الطول والوزن روتينياً وفقًا لمنحنيات النمو وما إن تشعر بأصغر مشكلة، حتى تحاول إصلاحها على الفور. إلا أنها غير مبالية تمامًا بما يراه ويسمعه الطفل فاشلة في توفير بيئة فكرية مناسبة له، و ما يلبث أن يصبح الطفل متمردا ومضطربا.

بما أن الإنسان هو کائن ذو كلا البعدين المادي والمعنوي، فإن احتياجاته تستوعب كلا البعدين. فمن أجل الوصول إلى قیمته الحقيقة، عليه أن یأخذ بعين الاعتبار كافة جوانب وجوده لکي لا یفقد الإتزان في نفسه.

المتدينون المکتئبون

السؤال هنا هو: إذا كانت الروحانية هي غذاء الجزء الإنساني من وجودنا، فمن أين أتى كل هؤلاء المتدينين المكتئبين اليائسين العدوانيين القلقين؟ كيف يمكن للجزء الإنساني أن يتغذى بشكل صحيح، ويرجع إلى الوراء بدلاً من السير نحو الأمام؟ إذا كان التدين والروحانية من حاجات جانبنا الإنساني، فلماذا عجز العديد من المتدينين من العيش حياة سعيدة وهادئة؟ ولماذا يسعون باستمرار إلى اختلاق ذريعة للتوتر واشتعال نار الخلاف مع الآخرين، ويتم سلب هدوئهم وسكينتهم لأدنى سبب؟

من هنا تتضح الحاجة إلى المعرفة الإنسانية والوعي بالأبعاد المختلفة للوجود الإنساني. من يعرف نفسه، يكون على دراية بنوع طعام كل جزء من أجزاء وجوده واستخدامه في مكانه. الروحانیات هي غذاء الروح أو القلب أو البعد الإنساني لكياننا. اذا لم نكن على المستوى الكافي من الوعي بهذا الجزء، فإننا سوف نستخدم الطعام في مكان غیر مناسب له عن غير قصد. مثل ضبط الضوء لسماع أفضل، ماذا سيجدي ذلك! في هذه الحالة، لن يلبي هذا الطعام احتياجاتنا ولن يجعلنا متفوقين ومتقدمين، بل إنه يحولنا في النهاية إلى حيوان متدين يبعد ملايين الكيلومترات عن الإنسان السامي بداخله.

ناقشنا في هذا المقال قصة الإنسان والروحانية وأشرنا إلى تأثير المعنوية أو الروحانية  على تعميق نظرتنا الصحيحة إلى الحياة. قلنا إنه كما يحتاج الجسم إلى الطعام، فإن البعد غير المادي لوجود الإنسان بحاجة إلى التغذية الروحية. تحدثنا أيضا عن الجهود التي يبذلها البشر لتهدئة أنفسهم وقلنا إن وصفة الله هي أكثر عملية بالنسبة لنا بحتة ولقد علمنا أن الروحانية هي الطعام المرتبط بالبعد الإنساني لوجودنا ويجب أن نستخدمها في مكانها الصحيح حتى لا نصبح متدينين مكتئبين.

[1] . سورة ص، آيه ٢٧

اكتب رأيك