مفهوم الخسران و عِلاقته بتنظيم نظام المودة
هل سبق لك أن رأيت أشخاصا خسروا كل رأس مالهم في غمضة عين؟ هل جالستهم لتسمع أنين قلوبهم؟ هل لاحظت دموعهم و تحسرهم و صرخاتهم كيف يتنهدون بألم ويتوجعون قائلين: “لقد أصبحت مسكينًا، وفقدت كل ما كان لي. ذهب جهودي وعمري أدراج الرياح”.
عندما تشاهد هؤلاء الأشخاص عن كثب أو شعرت بألم مماثل، ستدرك حقًا ما نعنيه. الحرارة التي تشعر بها عندما تسمع هذه الكلمات، والحزن الذي يتفجر في أعماق الروح، لا يمكن وصفهما بالكلمات، ولا يتعين علينا تجربة ذلك لفهم الألم الذي ينطوي عليه. يكفي أن نتخيل أنفسنا في موقع الأشخاص الذين فقدوا المنزل الذي بنوه بجهد أو الوظيفة التي كانت مصدر دخلهم الوحيد، وعندما يأتي الوقت للاستمتاع بمكسبهم أو عملهم، يجدون أنفسهم يحزنون على ما فقدوه.
مع أنَّ الخسران يُعتبر صدمة كبيرة في أي مجال إلا أنّ الخسران المادي لا ينبغي الحزن عليه كثيرا، أو بالأحرى يمكننا القول أنه ليس مصدر قلق على الإطلاق، لأن أي شيء نخسره في المجال المادي هو في الحقيقة ثروة للآخرة، وسنكافأ عن كل خسارة نتحملها في الدنيا بأضعاف كثيرة غي الآخرة. ومن جهة أخرى، تعتبر الأضرار المادية سبباً للنمو و التطوّر لأنها تقوم بتقوية روح الصبر و التسامح لدينا، مما يؤدي إلى تقربنا من الله خطوة فخطوة. إذن الأمور التي ينبغي أن نأسى عليها هي ليست الخسران المادي بل إنها الخسران المعنوي و الأخروي، ولهذا السبب فإن هذا النوع من الخسارة هو ما يُدعى بالخسران المبين في التعاليم الإسلامية.[1]
ذكرنا في المقالات الماضية أنّ الخسارة تختلف عن الضرر. الضرر هو عكس الربح، سواء كان ربح قليل أو مساواة بين الربح و الضرر. و لكن الخسران هو زوال رأس المال و عندما يضيع رأس المال فليس من الممكن إعادته. بالنظر الى هذه النقطة يجب علينا أن نعرف ما هو أكبر رأس مال لدينا والذي قد يؤدي الى الخسران المبين في حال فقده؟ كيف يمكننا أن نحول دون ضياع رأس المال هذا؟
علاقة الخسران و فرصة الحياة

لقد ذكرنا أن حقيقة وجودنا الباقي وما ينتقل منا الى الآخرة بعد الموت هو قلوبنا و أرواحنا. غير القلب، فإن كل ما نكتسبه في الدنيا والذي نبذل قصارى جهودنا و وقتنا لاكتسابه إلا و سينفصل عنا عند الموت، مثل المشيمة التي تنفصل عن الجنين لحظة ولادته. إذن فإن ما يحدد مصيرنا في الآخرة هو القلب. و لكن، كيف و أين يتكون هذا القلب؟
يتكوّن قلبنا في عالم الدنيا و عَبْر الزمن، إذ أن الطريقة التي نستفيد بها من فرص الحياة هي التي تشكّل قلوبنا. كما ذكرنا سابقا فإن للدنيا ميزة رحمية من حيث القدرة على البناء وتعادل كل دقيقة منها آلاف السنين في الآخرة. لهذا السبب فإننا إذا ذكرنا المقولة المعروفة أن الوقت من ذهب فإننا قد قللنا من قيمة الوقت. الوقت أغلى من الذّهب لدرجة أن فترة قصيرة من الزمن يمكنها أن تحوّل مصيرنا الأبدي و تغيّر طريق حياتنا من النار إلى الجنة. إنه رأس مال لا يبقى تحت تصرفنا للأبد. تمُرُّ فرص حياتنا مرّ السحاب و اذا ذهبت فلن تعود أبداً.
لفهم هذا الموضوع يكفي أن ننظر إلى عقارب الساعة. مرّت دقيقة تقريباً منذ أن بدأت قراءة هذا المقال. كانت هذه الدقيقة جزءًا من حياتك و لن تعود أبداً. وهكذا قبل ساعة ويوم و عام أيضاً. والآن سوف نجيب عن السؤال الذي طرحناه في بداية هذا المقال. إن أعظم رأس مال يمكن أن تؤدي خسارته الى الخسران المبين والذي لا يمكن تعويضه أبداً، هو الوقت. ولكن كيف يمكننا منع ذلك؟
من ينجو من الخسران؟
بسبب فرص الحياة الزائلة فإن الإنسان لفي خسر إلا القليل الذين يُتاجرون بفرص حياتهم، وفي مقابل رأس المال الذي يضيعونه فهم يكسبون رأس مال أكثر قيمة.
هؤلاء الأشخاص لديهم أربع خصائص :
١. إنهم مؤمنون
٢. يعملون الصالحات
٣. يتواصون بالحق
٤. يتواصون بالصبر [2]
كل من اتّصف بهذه الصفات الأربع فهو صاحب النجاة و الفوز و العاقبة الحسنة في الدنيا والآخرة.
الصبر[3] هو المقاومة مقابل المعاناة و الخطايا و العبادات، وهذا الكلام مفهوم ومعروف تقريباً. سنشرح الحق والإيمان والعمل الصالح في مقالات أخرى، ولكن يمكننا باختصار ذكر أن العمل الصالح هو عملٌ لديه صلاحية و يتوافق مع الهدف النهائي لخلقنا وهو التشبه بالله. كما أن ليس كل عمل صالح صحيح بالضرورة، حتى لو كان شكله جميلاً و مقدساً.
ولكن الإيمان أمرٌ حقيقيٌ و ليس وهماً، و له مثل أي شيء حقيقي آخر، تعريف محدّد و تأثيرات مُحددة، و لا يمكن تسمية أحد بأنه مؤمن إذا قام بأداء الفرائض و المستحبات أو بأعمال الخير فقط. المؤمن هو من وصل بقلبه الى مقام أمين و يظهر هذا الأمن الروحي في سلوكاته. هذا المظهر هو السعادة والسكينة. إذا دخل الإيمان الحقيقي الى قلب شخص ما فلابدّ أن يصل هذا الشخص الى السعادة والسكينة بشكل كامل، وكل من يشعر بالقلق والتوتر والحزن المزمن ليس بمؤمن، حتى ولو كان مسلما. ولكن كيف ينفذ الإيمان إلى القلب؟
يرتبط الإيمان ارتباطًا وثيقًا بتنظيم نظام المحبة، ولا يتحقق إلا بنفوذ قول (لا اله الا الله) من ألسنتنا إلى قلوبنا. بمعنى آخر، يمكننا القول أننا مؤمنون فقط عندما نعرف أن محبوبنا الأصلي هو الله، ونقوم بجميع أعمالنا قربةً له. العمل لا يتكون من عبادة وعمل صالح فقط، لأن كل شيء نقوم به طوال اليوم؛ من الأكل والنوم إلى تربية الأولاد والعناية بشريك الحياة والنشاط الاقتصادي وحتى الترفيه، إذا قمنا بذلك بنية التقرب من الله فإننا سوف نصبح مَثَلٌ لله، لدرجة أن عملا بسيطا كشرب الشاي قد يُكسبنا قيمة عالية قد توصل بنا إلى الجنة. إن محبة الله تُكسب لنا ولأعمالنا قيمة ثمينة، إذا كان هذا الحب هو في قمة محبوباتنا، فلن نفقد الطريق الصحيح أبدا ولن نتخذ قرارات تقلل من قيمتنا و شأننا.
يمكننا تلخيص النقاط التي ذكرناها كما يلي:
الإنسان الذي لا ينظم قلبه ولا يضبط نظامه على محبة الله وأهل البيت (عليهم السلام) والجهاد في سبيل الله، مهما فعل من خير أو عبادة فلا فائدة منه أبداً، فهو مثل زرع شتلة في حقل مالح، عمل عديم الفائدة وغير مثمر ولن يؤدي في النهاية إلا إلى الخسران. لأن الأمر الذي يعطي لأعمالنا قيمة هو توافقها مع هدف الخلق والصيرورة نحو الله، وكل عمل ليس في هذا الطریق لن يساعد على نمو وتطور الجزء الإنساني من وجودنا وقد يجعل منا في أفضل الظروف حيوانا مقدسا، وليس مؤمنا!
إننا لم نُخلق لنكون حيوانات، بله جئنا إلى الأرض لنكتشف جوهر إنسانيتنا ونرعاها ونعود إلى وطننا الأصلي في صورة إنسان متفوق ومتطور. إن تنظيم نظام الحب أمر مهم لدرجة أنه یقال: “من أصبح وهمته غير الله فقد أصبح من الخاسرين المعتدين”[4]. أي أنه تجاوز حدوده الإنسانية والإلهية وباع نفسه رخيصًا في طريق العدم، ولذلك فإنه خسر رأس مال حياته.
[1] . الزمر:15: فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ.
[2] . سورة العصر:1-3: وَٱلعَصر إِنَّ ٱلإِنسَنَ لَفِي خُسرٍ إِلَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّلِحَتِ وَتَوَاصَواْ بِٱلحَقِّ وَتَوَاصَواْ بِٱلصَّبرِ
[3] . قد قام بعض المفسرين بتفسير الصبر في معنى الصوم، وفي هذه الحالة، فإنه يتوافق مع المفهوم المقصود في هذه المقالة.
[4] . مصباح الشریعه، ص168