الحب والكراهية؛ وجهان لعملة مصيرية
غالبًا ما نسمع هذه النصيحة: “أحب الآخرين لأجلهم، لا لمصلحتك الشخصية”. إنها عبارة جميلة وعميقة تنطوي على قيم أخلاقية وإنسانية عالية. غير أنّ التحدي يكمن في تحويل هذه العبارة من النظرية إلى التطبيق العملي. فالواقع يثبت أنه من الصعب على الإنسان تجاهل مصالحه الشخصية والتفاني في حب الآخرين بلا أي توقعات، خاصة في ظل الظروف المعقدة والتحديات التي يواجهها. عادةً ما نحتفظ بالوفاء والمحبة للآخرين لضمان عدم تجاهل مصالحنا الشخصية، أو لكي لا نتعرض للإساءة، أو لكي يتم الرد علينا بالمثل. وعندما نشعر بعدم تقدير الآخرين لمشاعرنا، فإننا غالبًا ما نفكر في الانسحاب وترك العلاقة. والسبب في ذلك هو أننا نحمل حب الذات ونولي أنفسنا اهتمامًا أكبر من أي شيء آخر في العالم، حتى عندما نقع في الحب، فإن ذلك بسبب اللذة التي يمنحها لنا الشخص المقابل. فإذا لم يكن الحب والمودة يوفران السعادة والرضا للمرء، فمن الصعب جدًا الإبقاء عليهما.
بالطبع فإنّ حب الآخرين بدوافع شخصية هو سلوك مدان ولا يُبرر، غیر أنّ المحبة المقتصرة فقط على الطرف الآخر، لا تمتلك القوة الكافية للحفاظ على العلاقة بين الطرفين. بما أنّ هذه المشاعر ليست علاقة متينة، فإنها تتأثر بميولنا الشخصية وانغماساتنا الذاتية بسرعة، وتتحول بالتالي إلى نفور. يجب علينا أن نسعى للعثور على أسباب أكثر قوة ومنطقية لمشاعرنا من الحب والكراهية والعاطفة والبغض، والتي تكون متناغمة مع هدف خلقتنا، لتنقذنا وعلاقاتنا من شر الانانية والمصالح الذاتية التي تنتمي إلى الجانب الحيواني من وجودنا. لكن السؤال المحوري الآن هو: ما هو الدافع الذي يمكن أن يكون لهذه القوة؟
أحبك، من أجل الله فقط!
للوصول إلى دافع قوي قادر على تنظيم علاقاتنا مع الآخرين بشكل أساسي، ينبغي لنا العودة مجدداً إلى بنية النفس الإنسانية لكي نتمتع بفهم أفضل لهذه المواضيع. أشرنا إلى أن وجودنا يتألف من مراتب وأبعاد متعددة، تبدأ من الجانب الجمادي ويتطور تدريجياً إلى الجانب الإنساني. كما أشرنا إلى أن هذه الأبعاد تؤثر على كافة جوانب حياتنا، من الأمور اليومية مثل الأكل والنوم إلى المسائل الكبرى في الحياة. ومن بين هذه الجوانب يأتي نظام المحبة كعنصر مهم يجب مراعاته وفهمه بعناية.
يمكن للجوانب المتعددة لوجودنا أن تلقي بأثرها الكبير على حبنا وكراهيتنا تجاه الآخرين والقضايا المحيطة بنا، مما تجعلهم تحت تأثيرها. ومع ذلك، فإننا لن ننضج كإنسان ولن نستحق لقب “أشرف المخلوقات” إلا أن يكون الحب والكراهية والمودة والبغضاء لدينا مرتكزة على أساس ماوراء العقل وجانبنا الوجودية الرئيسي. بمعنى آخر، لا ينبغي لأحد أن يحدد حبنا و كراهيتنا و أسبابهما إلا “الأنا الحقيقية” لنا. ولكن، ما هي الأهمية الحقيقية لهذا الأمر؟
تكمن أهمية هذا الموضوع في ارتباطه بالولاية الإلهية والهدف النهائي لخلقتنا. يُمكننا أن نحب شيئًا أو شخصًا لأي سبب وبأي منطق، ويُمكن أن نكرههم ولا أحد يجبرنا في هذا الصدد. ولكن المسألة المهمة هنا هي أن العديد من أسباب حبنا وكراهيتنا للآخرين، والتي تبدو صحيحة ومنطقية بالنسبة لنا، تنشأ من أنانيتنا الحيوانية وبالتالي تجعلنا خارجين تمامًا عن مجموعة ولاية الله وتضعنا تحت راية الشيطان. يعبّر مصطلح “الولاية” عن تعيين شخص كمدير وحاكم على نفسك. فإن حقيقة الولاية هي أنك ترتبط بشخص ما بإرادتك واختيارك وتضع نفسك تحت تصرفه للتنمية والتحرك في مسار الحياة.
لا يوجد في العالم إلا نوعان من الولاية، إما ولاية الله أو ولاية الشيطان. تتشكل جميع علاقاتنا مع العالم من حولنا تحت إحدى هاتين الولايتين ولا توجد حالة أخرى. من الواضح أننا لم نُخلق لنعيش تحت ولاية الشيطان ولنسقط في جحيم النار، بل ما يقودنا إلى هدف خلقتنا هو العيش تحت خيمة الله والتحتم بولايته وسيادته. لكن الوصول إلى ولاية الله يتطلب شرطًا هامًا وهو تنظيم نظام الحب والمحبة والكراهية بناءً على مشيئة الله ورضاه. إذا رغب شخص ما حقًا في أن يكون تحت ولاية الله وسيادته وأن يسير على الصراط المستقيم، فعليه أن ينظم مشاعره من الحب والكراهية ولطفه وبغضه وفقًا لرضا الله، وليس وفقًا لرغبات قلبه وميوله. المؤمن القوي هو الذي يحب ما يحبه الله ويكره ما يكرهه، حتى لو كان ذلك في ضرره من الناحية المادية أو حتى لو اضطر لترك كبريائه وانانيته من أجل التوافق مع المعايير الإلهية.
تنظيم نظام المحبة: مفتاح التحرر من المضائق

تنظيم الحب والكراهية حول رضا الله يُحَوِّلُ حياتنا بأكملها ويُنْقِذُنَا مِنْ انقباضات الروح والظلمات والضلالات. من يَعِيشُ هذه الحياة يَصِيرُ حرًّا ومتحررًا، وتَتَّسِعُ دائرة صداقاته مع المؤمنين. إنه يَقْبَلُ اختلافاته مع شريك الحياة والأبناء وزملاء العمل والجيران والمؤمنين بسهولة، ولا يُحَاوِلُ فرض رغباته على الآخرين. إذا انتقده شخص لسلوكه و بسبب رضا الله عنه، فإنه لن يَغْضَبُ ولا يثور، بل يَتَقَبَّلُ الانتقادات بصدر رحب. وإذا أساء إليه مؤمن، يَغْفِرُ له وينسى ذلك.
ليس تنظيم نظام المحبة حول رضا الله محصورًا في العاطفة والمودة فقط. تمثل البغض والكراهية تجاه أعداء الله وجوهًا أخرى لهذا النهج، تأتي البراءة من الأعداء قبل حب الأصدقاء. قبل أن نقوم بدعوة ضيف عزيز إلى منزلنا، نقوم أولاً بتنظيف الأوساخ والغبار من البيت، وهكذا يكون القلب، إنه يحتاج إلى تطهير. لا يمكن لحب أحباب الله أن يحتلوا مكانًا في القلب حتى يتم تنقية قلوبنا من حب أعداء الله. تفضيل التبرّي على التولّي هو قاعدة عقلانية مألوفة وغير قابلة للجدل أو الاعتراض.
ينبغي أن نذكر في ختام النقاش، أننا لو نكون تحت ولاية أي شخص ونخضع له، نبدأ تدريجياً في التشبّه بتلك الشخصية، حيث تظهر أسماءه وصفاته فينا أيضاً. من يختار ولاية الله يصبح صبوراً ورحيماً وحنوناً كما هو الله، بينما من يقبل ولاية الشيطان سيتحول إلى شخصية شيطانية: مغرورة ومتكبرة وحسودة. فلنقوم بالاختيار: مَن هو مُرَشِدنا ومُدَبِّرَ أمورنا؟ هذه المسألة ليست مسألة بسيطة أبدا، بل لها علاقة مباشرة بمصيرنا في الدنيا والآخرة، إذ تعتمد سعادتنا وسلامتنا في الدنيا ومكانتنا في الجنة أو النار في الآخرة، على الأسماء والصفات التي اكتسبناها واندمج معها وجودنا خلال حياتنا الدنيوية.
لقد شرحنا هذا الموضوع بتفصيل في مقالات سابقة. يمكنكم الرجوع إلى المرحلة الثانية من الدورة التكميلية للمراجعة.