كيف يؤثر الإيمان أو عدم الإيمان بالآخرة على نمط حياتنا؟

جدول المحتويات
تأثير إيجابي للإيمان بالحياة الآخرة على تحسين نمط الحياة

تأثير إيجابي للإيمان بالحياة الآخرة على تحسين نمط الحياة

– كم مرة يخطر ببالك الموت يوميًا؟

– كم مرة تزور المقابر سنوياً؟

– كيف تتصور الحياة بعد الموت؟

– أين يقع إيمانك بالآخرة في حياتك اليومية؟

– هل تشعر بأنك مستعد لتلك الرحلة الأبدية؟

إذا سألنا أشخاصًا مختلفين عن أهم مرحلة في حياة الإنسان، سنحصل على إجابات متنوعة. يرى البعض أن السنوات السبع الأولى هي الأهم، بينما يرى آخرون أن فترة الشباب هي الأهم، وهناك من يعتقد أن فترة النضج هي الأهم. ورغم ذلك، نجد قلة من الناس ينتبهون إلى مسألة الحياة بعد الموت، وذلك لأننا للأسف لا نعتبر هذه المرحلة جزءًا من حياتنا.

إن حياتنا سلسلة متصلة لا تنقطع، تبدأ من عالم قبل الدنيا، تمتد إلى الدنيا، ثم تتواصل في عالم الآخرة. ونظراً لكوننا كائنات خالدة وأبدية، فإن أطول وأهم مراحل حياتنا هي الحياة الآخرة. بل إن كلمة “طويل” قد لا تصف الآخرة وصفاً دقيقاً، فكل طريق مهما طال، ينتهي في نهاية المطاف. أما حياتنا في عالم الآخرة فلا نهاية لها.

الآخرة ليست مجرد مفهوم اعتباري، بل هي عالم حقيقي يحيط بنا الآن وفي كل لحظة، تمامًا كما يحيط هذا العالم بنا. لذا فإن إيماننا أو عدم إيماننا بها لا يؤثر على حقيقتها الوجودية. سننتقل جميعًا إلى هذا العالم عاجلًا أم آجلًا، وإذا لم نستعد للحياة هناك، فسوف نعاني من العذاب وفقًا لدرجة استعدادنا أو عدمه.

ما هي الآخرة؟

عندما يتحدث الناس عن الجنة ونعيمها، يلجأ البعض إلى مقارنة هذه النعم بما هو موجود في الدنيا، قائلين تلمیحاً: “كل ما في الجنة موجود في الدنيا، فلماذا نتخلى عن متع الدنيا الآن مقابل وعد بمتع في الآخرة؟” هذا النوع من التفكير سطحي جداً وينبع من عدم فهم حقيقي للآخرة. إن محدودية معرفتنا للكون تدفعنا إلى تصور أننا سندخل إلى عالم يشبه إلى حد كبير عالمنا هذا بعد الموت، وأننا سنستمر في العيش بنفس النمط الذي نعيش به الآن.

هذا التصور عن الآخرة والجنة ليس سوى وهم. لا يوجد في الجنة أي شيء مما نجده في الدنيا، بل إن التشابه بينهما لا يتعدى التسمية[1]. فمثلاً، يوجد في الجنة بيوت، ولكنها ليست كبيوت الدنيا بأي حال من الأحوال. وكذلك يأكل أهل الجنة، ولكن طعامهم ليس كطعام الدنيا. كل شيء في الجنة أرقى وأجمل وأكثر تنوعاً بمليارات المرات مما هو عليه في الدنيا. هذا التعبير عن الفرق بمليارات المرات ليس مبالغا فيه بل هو واقع حال، تماماً كما يختلف عالم الرحم عن عالم الدنيا.

إن رحم الأم هو كسجن مظلم ضيق، يفتقر إلى أي إضاءة أو مناظر طبيعية. والجنين بداخله لا يعلم شيئاً عن النور أو الطبيعة أو البحر أو السماء، أو أي من الأشياء التي نعتبرها جماليات الحياة. إن الدنيا بالنسبة للجنين هو عالم الغيب والملکوت ولا يستطيع إدراك عظمته وعجائبه قبل أن يخرج إلى النور. إذا كان بإمكانه التحدث، لربما أنكر وجود العالم الخارجي، وقال: ” بما أنني لا أراه، فإني أعتقد أنه غير موجود”. ولكن إيمان الجنين أو عدمه بوجود العالم لا يغير من حقيقة وجوده. فمهما كان إيمانه، أو استعداده للحياة، سيبصر النور عاجلاً أم آجلاً، وسوف يعاني في الدنيا بالتأكيد إذا لم يكن مستعداً. هذا ينطبق تماماً على ولادتنا في الآخرة.

إن عالم الآخرة هو عالم الملكوت والغيب بالنسبة إلى الدنيا، وهو بعيد عن إدراكنا ما دمنا محجوبين بالحياة الدنيا. ولكن عندما ننتقل من هذه الحياة، تزول الحجب وتتضح الكثير من حقائق ذلك العالم. ولذلك، عندما يستخدم الله ألفاظًا مثل النور والشجرة والثمرة والخمر والحور والقصر والجواهر واللباس و غيره من المصطلحات لوصف نعيم الجنة، فهو يريد تقريب هذا المعنى إلى عقولنا المحدودة، وجعله مفهومًا بالنسبة لنا. وإلا، فكما ذكرنا، لا يوجد شيء في الجنة أو النار يشبه ما في الدنيا. جميع أنواع النعم والعذاب التي نراها في الدنيا هي نسخة مخففة من النسخة الأصلية التي تناسب حياة الدنيا الدنية، والخزانة الأصلية لكل شيء هي عند الله.[2] قد يقول البعض إن الإيمان بشيء لا نراه أمر صعب، ولكن الحقيقة هي أن فهم عالم الغيب ليس بالأمر الصعب إذا تأملنا آياته. المشكلة تكمن في أننا اعتدنا على رؤية الملموسات، ولا نستطيع رؤية ملكوت الأشياء. لذا، فإن الخطوة الأولى في هذا الطريق هي تغيير زاوية نظرنا.

تأثير الاعتقاد بالحياة الآخرة في تحسين نمط الحياة

إن الإيمان بالحياة الآخرة وحیاة بعد الموت هو أمرٌ محفّز للمسؤولية. فالشخص المؤمن بهذا الإيمان لا يستطيع أن يعيش حياته كيفما يشاء، إذ يعلم يقيناً أن كل اختيار يتخذه، وكل علاقة يبنيها، وكل سلوك يمارسه، وكل فكرة تتبادر إلى ذهنه، ستؤثر بشكل مباشر على نوعية حياته في عالم الآخرة. لهذا السبب، يلجأ بعض الأفراد إلى إنكار وجود الحياة بعد الموت أو نسيانها محاولة منهم للتغلب على مخاوفهم المتعلقة بهذا الأمر. فهم يضيقون آفاق تفكيرهم بهذه الطريقة، ويؤجهون جميع جهودهم إلى بناء حياة سعيدة في هذا العالم الفاني، متناسين أن هذا العالم زائل، وأن كل ما فيه سيفنى. ولقد لاحظنا من خلال التعامل مع هؤلاء الأشخاص، رغم ما يظهرون من نجاح ظاهري، أنهم يعانون من اضطراب داخلي عميق، لأنهم مرتبطون بأشياء قابلة للفناء والزوال في أي لحظة. يشبه حالهم حال من يبني قصراً فخماً على صدع زلزالي، أو كما قال جلال الدين الرومي: “قد بنى بيته في أرض ليست له”.

على عكس النظرة الحديثة التي تدعو الناس إلى نسيان الموت والتمتع بالحاضر، فإن الرؤية الإسلامية توسع أفق الإنسان إلى ما لا نهاية، مما يزيل كل همومه وقلقه. ولذلك، فإن المؤمنين يتمتعون بسلام داخلي وسعادة مستمرة. هذه السعادة والسلام هما ثمرة مباشرة للإيمان بالآخرة والتأمل في الموت.

يدفعنا الإيمان الحقيقي بالحياة الآخرة إلى اتخاذ قرارات وحياة تتوافق مع هذا الاعتقاد، فكل اختيار وعلاقة وسلوك وفكر يتأثر بهذا الإيمان وهذا هو أثره الأعمق والأكثر أهمية. في المقالات القادمة سنتعمق في دراسة آثار هذا الإيمان وفوائده.

[1] .  نهج الفصاحة ، ج 1 ، ص 662

[2] . وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ. سورة الحجر، الآية 21.

اكتب رأيك