دور التفكير في نجاحنا أو فشلنا في الوصول إلى المقصد

جدول المحتويات
التفكير وموضوع التفكير هما مفتاح اكتشاف علاقتنا بكل ما خلق الله.

ما هي الموضوعات التي تحثنا التعاليم الإسلامية على التفكير فيها؟

هل تعرف أسرار علم الخيمياء؟ هل تعلم أن بإمكانك تحويل النحاس إلى ذهب؟ نعم، و أداة هذا التحول هي الفكر! لم يكن عبثًا أن يدعونا الله تعالى للتأمل في ذاته وآيات خلقه؛ فالتفكر هو الطاقة التي تدفعنا إلى الأمام، طاقة بقدرات خارقة. فهل هناك وسيلة أخرى، غير التفكر، يمكنها أن تعوض عمرنا المحدود في لحظة أو ساعة؟[1]

التفكر هو ما نحتاجه في هذه الحياة القصيرة، و العامل المسارع الذي يقربنا من الخلود. من المثير للاهتمام أن الله تعالى يحثنا غالباً ما إلى التفكر في أنفسنا وفي السماء والليل والنهار والشمس والقمر وفي كل ما خلقه الله لنا. ولكن لماذا اختار الله تعالى التفكر من بين كل الأدوات؟ وإلى أين يقودنا التفكر وما هي الحقائق التي يكشفها لنا؟

لكي نفهم هدف التفكير، يجب أولًا أن نفهم هدف وجودنا والذي هو بلوغ الغاية التي قصدها الله لنا، ولكن هذا البلوغ يتطلب أدوات مثل البصر الجيد، والسمع الصالح، والتفكير السليم، والتعقل.

إن الله تعالى قد جعل التفكير ثمرة طبيعية لعملية المطالعة، والملاحظة الدقيقة، والاستماع الفطن. ذلك أن الإنسان الذي ينظر إلى الظواهر من خلال نافذة العادة، لن يدرك أبداً عظمة خلق الله، ولن يفهم علاقته بالكون كمحور له. وبالتالي، لن يستطيع استغلال المخلوقات التي سخرها الله له بالشكل الأمثل. خذ مثلاً عالم الفواكه الشاسع والبديع. فالفواكه، في النظرة الأولى، هي أطعمة غنية بالفيتامينات تساعد على الهضم. ولكن هذا ليس كل ما في الأمر. فالفواكه تتمتع بألوان وأشكال فريدة تجذب النظر، ولها رائحة مهدئة للأعصاب، وقد تكون ذات قيمة غذائية أو طبية خاصة. إننا لن ندرك هذه الخصائص إلا إذا تأملنا في إبداع الخالق في خلق الفواكه، وسعينا لفهم علاقتنا بها. والحقيقة أن التفكير وموضوع التفكير هما مفتاح اكتشاف علاقتنا بكل ما خلق الله.

أداة تُدعى العقل

ربما لا نجد في الوهلة الأولى فارقًا جوهريًا بين الفكر والعقل، إلا أننا لكي نفكر بشكل سليم وننظر نظرة عادلة، يتعين علينا أن نستعين بأداة العقل. ولكن ليس أي عقل، بل عقلًا سليمًا خاليًا من الأوهام والخيالات، عقلًا لا يتردد ولا يتذبذب. ذلك أن العقل المتذبذب غير قادر على المقارنة والحساب بدقة، ولا يستطيع أن يضع قيمًا صحيحة للأشياء، وبالتالي ينتج عنه نتائج بعيدة كل البعد عن الحقيقة.

إن صاحب مثل هذا العقل يرى عجائب الخلق، ولكنه يتجاوزها بسهولة، دون أن تثير هذه العجائب في ذهنه أي تساؤل يدفعه إلى التفكير. وحتى عندما يفكر، فإنه يفكر في كيفية حدوث الأشياء، لا في ماهيتها ولماذا تحدث

لقد دعانا الله تعالى إلى التأمل في السموات والأرض، ونحن ننظر إلى السماء يوميًا، ولكن هل تساءلنا يومًا كيف أصبحت الأرض ملاذًا آمنًا وهادئًا لنا، رغم كل تلك الحركات والانفجارات النووية المتتالية في الشمس؟ في هذه اللحظة التي تقرأ فيها هذه الكلمات، فإن مكاننا يتحرك، ولكننا لا نشعر بتلك الحركات المتعددة للأرض! لماذا صمم الله السماء هكذا لحمايتنا وخلقها؟ أو لماذا نسمع صوت نسيم الهواء وحفيف الأشجار والمياه وأصوات الطيور بدلًا من سماع الانفجارات الكونية الهائلة وتحركات طبقات الأرض المرعبة؟ وكأن الخلق جميعا قد تعاونوا لكي نسير في طريقنا نحو الحقيقة المطلقة بعيدًا عن ضوضاء العالم الخارجي، ونحن منشغلون بسعينا وراء كمالات دنية وجودية، متجاهلين العجائب التي تحيط بنا من الداخل والخارج.

كيف نعطي لنظرتنا عمقاً؟

لماذا لا يحقق معظمنا شيئاً من نظراته ومشاهداته؟ لقد ذكرنا أن أداة التفكير، أي العقل، يجب أن تكون سليمة، ولكن هذا لا يكفي. يجب أن نعرف أيضاً موضوع تفكيرنا؛ فالتفكير يشبه تشغيل مصنع. فالمصنع، رغم امتلاكه لأحدث الآلات، يحتاج إلى مواد خام لكي تحدث عملية التحويل، وبالمثل، إذا لم نكن نمتلك مواد خام جيدة كأهداف للتفكير، فإننا سوف نغرق في الخيال والأوهام.

وبما أن الله تعالى لم يدعنا نضيع في هذا الطريق الحاسم، وهبنا القرآن الكريم مصدراً نستقي منه المعرفة الحقيقة عن أنفسنا. فمن خلال تدبر آياته، ندرك أننا كائنات أبدية، وأن لوازم رحلتنا إلى الأبدية لابد أن تتوفر خلا حياتنا  الفانية في الدنيا. يجب أن نعي قيمتنا وقدرنا، وأن ندرك عجزنا وفقرنا أمام خالق الكون، وأن نسأل أنفسنا: من هو الإنسان لكي يخصّه الله تعالى بتجلياته في القرآن وحتى يُنسجم النظام الرياضي للكون مع كيانه؟

إن الله تعالى قد مهد لنا السبيل إلى الحق بتوفير موضوع للتأمل والتفكر، وبهذه الدعوة إلى التفكر، قد زادنا سرعة في رحلتنا الأبدية. وقد تطرقنا بالتفصيل في مقال “ماذا يعني رؤية ملكوت الأشياء ولماذا لا يراه معظمنا؟“، إلى كيفية مراحل هذا التفكر.

تناولنا في هذا المقال، أهمية التفكير في السعي نحو حقيقتنا الوجودية اللانهائية. وتحدثنا عن دعوات الله المتكررة للتفكر في السماوات والأرض وحركة الشمس والقمر وفي خلق الكائنات وفي الإنسان وما خول له من سلطان. إن هذا التفكير هو الذي يكشف لنا حقيقتنا الجوهرية ويحدد علاقتنا بالكون. ونحن في هذه المسيرة بحاجة إلى عقل سليم ومواد تفكير صحيحة، وإلا وقعنا في الخيالات والأوهام وحرمنا من غايتنا الإنسانية.

هل سبق لك أن نظرت إلى موضوع التفكر من هذا المنظور؟ وما هي المواضيع التي تعطيها الأولوية في تفكيرك أنت؟

[1] . رسولُ اللّه ِ صلى الله عليه و آله : فِكرَةُ ساعَةٍ خَيرٌ مِن عِبادَةِ سَنة. بحار الأنوار : 71/326/20.

اكتب رأيك