ما هو الحب الحقيقي؟ ماذا يعشق الإنسان ومن هو محبوبه؟

جدول المحتويات
يكمن الحب الحقيقي والغاية الأساسية لخلقتنا، في التشبه بمحبوبنا الأزلي أو الله.

هل يمكن الوصول إلى الحب الحقيقي وما هي علاماته؟

إن مفهوم الحب هو بلا شك أحد أكثر جوانب الحياة البشرية جاذبية وتعقيدًا. إنه بمثابة مصدر إلهام لعدد لا يحصى من الأغاني والقصائد والروايات والأفلام، حيث يسعى الفنانون إلى التقاط جوهر الحب الحقيقي. ولكن ما هو الحب الحقيقي بالضبط؟ هل قمت بتجربته بنفسك؟ قد يجادل بعض المتشككين بأن الحب الحقيقي هو مجرد نسج من الخيال مخصص لعالم القصص والأفلام.  ما رأيك بذلك؟ هل تتفق مع هذا المنظور؟

العشق هو شعور بالانجذاب والتعلّق والميل الوجداني. “العشقة” هو نبات كلما التف حول شجرة يقوم بامتصاص عصارتها مما يؤدي إلى تصبغها بالأصفر وتدهورها تدريجيًا. في المفهوم الشائع، يعني العشق الحب الشديد والقوي؛ بمعنى آخر، يُعتبر العشق مستوى عالٍ من الحب. للحب تأثيرات رائعة على حياة الإنسان، حيث يخلق القوة والطاقة في النفس بل ويغير حتى شخصية المحب؛ فيصنع من قطة أسدًا، ومن فأرًا فيلًا. فهو يجعل البخيل كريماً، والعبوس مبتسماً، والمتكبر متواضعاً، والضعيف صبوراً، والكسلان نشيطا وحتى الغبي يصبح  ذکیاً.[1]

كل واحد منا لديه العديد من الأمور الذي يعشقها في حياته، على سبيل المثال، نحب الأب أو الأم أو الزوجة أو الطفل أو الأخت أو الأخ أو الأسرة أو المنزل أو الحديقة أو الملابس أو الحلي. قد تكون هذه الميول شديدة للغاية بعض الأحيان، كالذي يحب المال والثروة ويتخلى عن كل شيء من أجلها، أو كمن يحب العلم وينغمس في الكتب والدروس والأبحاث والتجارب طوال الوقت مضحيا بكل شيء مثل زوجته وأولاده وصحته من أجل العلم. و هؤلاء الذين يعشقون الألعاب الرياضية مثل كرة القدم،  لدرجة أنهم يصابون بجلطة دماغية والموت بعد خسارة فريقهم المفضل.

لكن السؤال هو، لماذا يكون لدى البعض علاقة مفرطة لهذه الأشياء؟ ما هي أنواع العشق التي نملكها؟ وكيف ينبغي أن نقوم بترتيب أولويات محبوباتنا؟ ما هو الحب الحقيقي وما هو تأثيره في حياتنا؟  سنجيب على هذه الأسئلة في هذا المقال.

الإنسان وأنواع المحبوبات

قبل أن نعرف ما هو الحب الحقيقي، يجب علينا أولاً أن نعرف أنواع محبوباتنا وطبيعتهم حتى نتعرف على محبوبنا الحقيقي. ذلك المحبوب الذي يستطيع أن يوصلنا إلى السعادة والسلام الدائمين. يتكون الوجود الإنساني من خمسة جوانب ومستويات للوجود، ولكل جزء من هذه الأجزاء كمالاته ومحبوباته الخاصة: الجمادية والنباتية والحيوانية والعقلية وماوراء العقلية.

في الجانب الجمادي، هناك جاذبية آسرة تجذب الأفراد نحو الجمادات. تحظى ممتلكات مثل المنازل والمركبات والعقارات والهواتف الحديثة، والمجوهرات، بشعبية كبيرة بين بعض الأفراد، لدرجة أنهم ينظرون إليها على أنها الأساس لقيمتهم وكرامتهم وشرفهم. يعتقد هؤلاء الأفراد اعتقادًا راسخًا أن مستوى ثراء البشر يرتبط ارتباطًا مباشرًا بمستوى نجاحهم. لذا فإن قراراتهم واختياراتهم وتواصلهم و طرق تفكيرهم وحتى انتماءاتهم الشخصية، كلها تعتمد على أساس هذه المحبوبات. ومن اللافت للنظر أن هذا الحماس يمتد حتی إلى اختيارهم لشريك الحياة، حيث يكون مقدار الثروة والمسكن الفخم والسيارة الرائعة بمثابة معايير محورية لاختيارهم.

يميل الإنسان في الجانب النباتي، نحو محبوبات مثل التغذية والقوة البدنية وجمال الجسم والتكاثر. قد يرى البعض كرامته في رصّ الطاولات بمختلف الأطعمة والمشروبات والحلويات المتنوعة ونحو ذلك، أو بالنسبة لبعض آخر فإن جمال الجسم وقوة العضلات أو الفوز بميدالية في المسابقات الرياضية أهم من أي شيء آخر.

ويميل الإنسان إلى الكمالات الحيوانية و محبوباتها في الجانب الحيواني، مثل الميل إلى الجنس الآخر، والزواج وتكوين الأسرة، والغيرة والشرف، والوفاء، والأمانة، والالتزامات والمسؤوليات العائلية والاجتماعية والسياسية والمقام، والعواطف الدنيوية، وخدمة الكائنات التي هي من نوعه وليس من نوعه. كم شهدنا من تضحيات يقوم بها أحد الناس بسبب حبه للجنس الآخر، وإذا لم يكن الحب متبادلا لأي سبب فإنه يعاني من الاكتئاب واليأس وقد يفكر حتى في الانتحار. أم أولئك الذين لديهم شهوة المقام ويحاولون بأي وسيلة أو طريقة لترقية مناصبهم ورتبهم، مضحين بكل شيء من أجل ذلك.

وأما في الجانب العقلي فإن الإنسان يهتم بالعلم والاختراع والاكتشاف. قد نشهد حب التعلم والبحث والدراسة واكتشاف قوانين الخلق لدى بعض الناس لدرجة أنه يؤثر على حياتهم كلها.

وأما الفرق الوحيد الموجود بيننا وبين الكائنات الأخرى هو الجانب الإنساني أو ماوراء العقلي من وجودنا، ولايسمى الإنسان إنسانًا إلّا بسبب هذا الجانب وبعبارة أخرى، فإن الذات الحقيقية من وجودنا تتكون من هذا الجانب  الإنساني. هذه الذات هي الروح التي نفخها الله في الإنسان، من الله وتستمر إلى الله، أي أنها أبدية ولا تفنى.

إن الذات الحقيقية لوجودنا تعشق الكمال اللامتناهي. شرحنا سابقاً في قسم الرغبة في اللانهاية أن اللانهاية ليست إلا واحدة استناداً إلى قوانين الأماني وخصائص اللانهاية وهي الله. من المستحيل أن تكون هناك لانهائيتان، لأنه يحد بعضها البعض ويخرج من حالة اللانهائية،  لذلك فإن المحبوب الحقيقي للإنسان هو الله وحده.

وبما أن جميع البشر يحبون الكمال المطلق واللامتناهي أو الله، فلن يرضيهم أي كمال محدود.  ولسوء الحظ، فإن معظم الناس، بسبب عدم معرفة ذواتهم الحقيقية، يسعون إلى إشباع رغبتهم في اللانهاية في الأجزاء الأربعة الدنية، أي في الكمالات المحدودة الجمادية والنباتية والحيوانية والعقلية، فإن هذا أمر مستحيل، لأن الكمال المحدود لا يمكن أن يرضي رغبة الإنسان في اللانهاية كما تؤيده كل فطرة سليمة. كم من أشخاص أثرياء وجميلين ومتعلمين، ذوي زوجة صالحة وأولاد، ويتمتعون بوضع اجتماعي مناسب، ولكن يفقدون السلام الداخلي والرضا والسعادة، لأن جانبهم الإنساني لمّا يصل إلى محبوبه الحقيقي الذي يمثل ذاتهم الحقيقية.

الحب الحقيقي للإنسان 

كما ذكرنا فإن للإنسان محبوبات كثيرة في جوانبه الوجودية، لكن يرتبط الحب الحقيقي لوجوده بجزءه الإنساني أو ماوراء العقلي، وليس محبوبه الحقيقي إلا الكمال اللامتناهي أو الله.  ولذلك فإن عبارة “لا إله إلا الله”  ولا حبيب إلا الله، يتعلق بالجزء الإنساني من كيانه كشعار إنساني لا يخص المسلمين فقط. إنّنا كنا مع الله وعشنا معه ذات يوم. قصة الإنسان هي قصة عاشق انفصل عن معشوقه معتقلًا في الأرض لفترة من الزمن.

ومع أن محبة الله موجودة في جميع البشر بالقوة، إلا أنها لا توجد فيهم بالفعل، ولا يسيرون جميعاً نحو حبهم الحقيقي. إن الجانب الإنساني من وجودنا يكون صحياً ونشطاً وناضجاً فقط عندما يتشبّه بمعشوقه و يكون على علاقة به. من وصل إلى مرحلة النضج الإنساني يقبل حقيقة “لا إله إلا الله” بكل كيانه ويضعها في قلبه، ولهذا السبب فإن جميع علاقاته واختياراته وسلوكياته وأنماط تفكيره سوف تتغير ويكون مبنياً على السير في الطريق للوصول إلى محبوبه الحقيقي، فيتحرك في الطريق الصحيح، أي طريق وصول الإنسان إلى محبوبه والتشبه به.

والخطأ الشائع هو أننا لا نعرف الله إلا باعتباره خالق السماوات والأرض، غافلين عن حقيقة أنه ایضا إلهنا و محبوبنا ولن نصل إلى السكينة و الهدوء و السلام دونه! عندما يصل الإنسان إلى مرحلة النضج في الجانب الإنساني ويكتسب الفهم الصحيح لمقولة الحب الحقيقي في عبارة “لا إله إلا الله” العاطفية، فسوف يطرأ تغيير في رؤيته لذاته ولمختلف جوانب الحياة، من القضايا الشخصية والعائلية إلى القضايا الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، فتتحول حياته إلى رحلة عاطفية تقوده نحو حبه الحقيقي، الذي يمثل الكمال اللا نهائي.

”…إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ”[2] إنّها آية تبعث السرور ومفعمة بالأمل، ولهذا فإننا قد أوصينا بقراءتها ليس فقط في أوقات الحزن على فقدان الأحباء، بل في كل المصائب والصعوبات  لتذكيرنا من هو محبوبنا الحقيقي وأننا سنغادر قريباً هذه الدنيا الزائلة بكل مصاعبها وتحدياتها، متجهين نحو محبوبنا. فإذا فهمنا هذه الآية بشكل صحيح ورددناها مع أنفسنا، فإن تحمل متاعب الحياة سيصبح أسهل بكثير بالنسبة لنا.

عندما نفهم حقا أن الله هو معشوقنا ومحبوبنا، ومن هنا، سوف تنبع جميع أعمالنا وعباداتنا وطاعاتنا من عمق حبنا له.. ولكن عندما لا ندرك ذاتنا الحقيقية ولا نصل إلى النضج في جانبنا الإنساني والحب الحقيقي، تصبح عباداتنا مجرد شوق للجنة أو خوف من النار. وطالما أننا لا نعرف هويتنا الحقيقية و محبوبنا الحقيقي فإننا نضيع فرصة الحياة ولن نصل إلى هدفنا الإنساني الذي يكمن في التوافق مع الله والتشبه به أبدا.[3]

هندسة المحبوبات

إن الجانب الحاسم الذي ينبغي لنا أن نُوليه اهتمامًا هو أن الحب لله لا يتعارض مع حب الكمالات الأخرى الأدنى. فمن الطبيعي أن نهتم بالمحبوبات الأخرى في مختلف أبعادنا الوجودية، غير أنّها لا ينبغي أن تحل أي من هذه الأمور محل الله كمحبوب رئيسي لدينا، أو تتنافس معه. لقد خُلق الإنسان في جوهره ليحب الله ويتشبّه به، ولكي يصبح كائنًا لانهائيًا كمحبوبه، ويعتبر العمل بناءً على الحب لله، أهم ما ينبغي أن يقوم به في هذه الحياة.  إن انشغالنا بمحبة أجزاءنا الدنية من الوجود مثل الثراء والسلطة والشهرة والبطولة، أو الحصول على لقب دكتور أو مهندس، يبعدنا عن الحب الحقيقي والغاية الأساسية لخلقتنا، والتي تكمن في التشبه بمحبوبنا الأزلي أو بمعنى آخر، الله.

إننا لن نكسب باطنًا إنسانيًا إلا عندما نقوم بترتيب محبوباتنا حسب الأولوية، و نجعل محبوباتنا الوجودية الأخرى سواء كانت جمادية أو نباتية أو حيوانية أو عقلية، خاضعة لمعشوق جانبنا الإنساني أو ماوراء العقل، بل ونستخدمها جميعا كمقدمة ووسيلة للوصول إلى المعشوق الحقيقي أي الله. وإلا فإننا سوف ننحرف ونخرج دائرة الإنسانية ونتجه نحو الحيوانية، أو حتى أدنى من ذلك؛ لأن قيمة كل شخص تظهر من خلال محبوباته التي تسيطر على عقله وقلبه. فلا يهم إذا كان الملياردير، بطل عالمي، ومهندس ماهر، أو طبيب ماهر! لأن جانبه الإنساني لا يسيطر على وجوده، والله ليس معشوقه الحقيقي.

من يقم بهندسة محبوباته ويصل إلى جوهره الإنساني، فسوف تخضع جميع تدابيره وعلاقاته واختياراته وسلوكياته وأفكاره لحبه الصادق الحقيقي، وهو الحب لله وسعيه نحوه؛ فكل مظاهر حبه مستمدة من محبوبه الحقيقي، وكل ما يكون له لون المحبوب ويزيد تجلى محبته تجاهه، فهو محبوب ويستحق الحب، بينما كل ما يبعده عن محبوبه فهو مقت وغير مقبول.

وبما أن الذات الحقيقية أو النفس الإنسانية لا نهائية وشعارها “لا إله إلا الله”، فإنها إن لم نتجه نحو اللانهائية وإذا لم نغذ أرواحنا كما ينبغي، فنحن كأشخاص اختاروا عدم تناول الطعام؛ ونتيجة لهذا القرار لن تكون سوى الهلاك.

استهلّنا بالتعرّف في هذا المقال، على أنواع محبوباتنا المتنوعة بين الجمادية والنباتية والحيوانية والعقلية وماوراء العقلية. وأوضحنا بعد ذلك، أنّ محبوبنا في البُعد الإنساني أو ماوراء العقلي هو الكمال اللانهائي. أشرنا إلى أنّه لا يمكننا تحقيق التوازن والسلام الداخلي إلا إذا جعلنا محبوباتنا محدّدة ومرتّبة حسب الأولوية، حيث يكون الله وأهل البيت(عليهم السلام) والجهاد في سبيل الله في صدارة محبوباتنا ونتصرف وفق هذا الترتيب في كل علاقاتنا واختياراتنا وسلوكنا وأفكارنا. لا يمكننا تحقيق هدفنا الإنساني، أي التشبه بالله تعالى وتحقيق السعادة والسلام الداخلي المستمر في الدنيا والآخرة، إلا من خلال ترتيب محبوباتنا بشكل سليم. فعندما ننظّم محبوباتنا صحيحًا، ستصبح حياتنا في الدنيا جميلة؛ حيث تكون كل أعمالنا موجّهة نحو محبوبنا الحقيقي الذي نسعى للتشبه به والعودة إليه ونعيش بسعادة دائمة ابدية وراحة نفسية معه.

فإذا كان لديك أي تعليقات حول الحب الحقيقي، فلا تتردّد في مشاركتها في قسم التعليقات.

[1] . الجسم الترابي بفضل العشق سماعلى الأفلاك/ بل إنّ الجبل اهتزّ بفضله راقصًا (مولانا جلال الدين الرّومي)

[2]  سورة البقرة / 156

[3] . عليك بالحب قبلما أن تغادر الدنيا و لاتعرف جوهرها الحق( جلال لدين الرومي)

اكتب رأيك