المعنى الحقيقي لمعرفة النفس؛ ما هو تأثير إعادة تعريف معرفة النفس في حياتنا اليومية؟

جدول المحتويات
إننا بحاجة إلى إعادة تعريف معرفة النفس، لكي نصل إلى معرفة الذات

مراجعة وإعادة تعريف معرفة النفس؛ مفهوم يحمل معاني متناقضة

كم تعرف نفسك؟ هل أنت من الأشخاص الذين تهمهم معرفة جميع جوانب وجودهم؟ هل فكرت يومًا في أنك بحاجة إلى إعادة تعريف معرفة النفس؟

هذا الموضوع بلا شك لا يحظى بنفس القدر من الأهمية لدى الجميع. هناك من بيننا من لا يعيرون هذا الأمر اهتماماً كبيراً، معتقدين أنهم يعرفون أنفسهم بما فيه الكفاية. بينما يسعى الكثير منا بشغف إلى استكشاف ذواتهم من زوايا مختلفة، ولهذا نجدهم يتوجهون إلى قراءة الكتب والمقالات المتخصصة في معرفة النفس، ويشاركون في اختبارات متنوعة تهدف إلى التعرف على جوانب جديدة من شخصياتهم.

يطرح هنا هذا السؤال: لماذا نسعى إلى معرفة أنفسنا؟ هل هناك دور للوعي الذي نحصل عليه بعد قراءة الكتب النفسية والمشاركة في اختبارات متنوعة عن أنفسنا في تحقيق السعادة والسكينة لدينا أم لا؟ لقد حذرت منظمة الصحة العالمية في عام 2022 من زيادة الاضطرابات النفسية في المجتمعات وأعلنت أن هناك شخصًا واحدًا من بين كل ثمانية أشخاص في العالم يعاني من اضطرابات نفسية، مما يعني أن مستوى الصحة النفسية والسلام للأفراد يتراجع يومًا بعد يوم، على الرغم من جهود العلماء وزيادة الوعي عند العامة. إذن لا بد لنا أن نتساءل هنا: هل نعرف أنفسنا بشكل صحيح؟ هل يكون تعريف الفلاسفة وعلماء النفس لذات الإنسان صحيح وكامل أم أننا بحاجة إلى إعادة تعريفه؟ ما هو المعنى الحقيقي لمعرفة النفس ومن الذي يمكنه أن يوجهنا إلى الإجابة الصحيحة لهذا السؤال؟

أهمية المعرفة الحقيقية للنفس

بما أن الدنيا مملوءة بالضغوطات الكثيرة، فإننا لا نسعى وراء أمر ما إلا إذا أدركنا أهميته أو شعرنا بضرورته. لماذا يجب أن نصل إلى معرفة حقيقية عن النفس؟

عندما نتعامل مع أي أمر مثل الأجهزة الكهربائية، أو الزهور المنزلية، أو الأسماك في الأحواض، فإننا نسعى للحصول على المعلومات والمعرفة حولها لنتصرف بشكل أفضل وصحيح تجاهها ونوفر لها أفضل الظروف. على سبيل المثال، إذا قدم لك صديقك زهرة جميلة ولا يوجد لديك أي معرفة حول كيفية العناية بها من حيث كمية الضوء المطلوبة، وتوقيت سقيها، ونوع السماد المناسب، فإنك لابد وأن تسعى لاكتساب المعرفة اللازمة عن تلك الزهرة لكي تتصرف معها بشكل مناسب وإلا فإنها ستذبل وتصاب بالمرض بالتأكيد.

إن أهمية اكتساب المعرفة عن أنفسنا أهم بكثير. هل من المعقول أن ننجح في خلق ظروف حياة أفضل في مجالات مختلفة لنفس لا نعرف ذاتها جيدًا، ونتوقع أن نصل إلى السعادة والسكينة؟

إن عدم معرفة النفس الحقيقية، على الرغم من وجود تغذية صحية، ونشاط بدني مناسب، وجسم سليم، وتعليم جامعي، ووظيفة جيدة، وشريك حياة مناسب، وأطفال سليمين وذكيين، ومشاركة في دورات نفسية،  قد يؤدي بعدم الشعور بالرضا والمعاناة من الارتباك، و البحث عن هدف أبعد من هذا النطاق.

بدون معرفة صحيحة ببنية وجود الإنسان، فإن جميع العلوم المتعلقة بالإنسان مثل المنطق، والفلسفة، والعرفان، وعلم الاجتماع و علم النفس لن يوصل بنا إلى أي مكان، و قد يولد الشعور بالارتباك والضياع ويجلب القلق والإحباط.

بناءً على كل هذه التفاسير، نصل إلى أننا بحاجة إلى تعريف صحيح وشامل لأنفسنا، أي أننا بحاجة إلى إعادة تعريف لمعرفة النفس التي يمكنها أن تحول اضطراباتنا الداخلية إلى سكينة.

معرفة النفس في علم النفس

قبل البدء في إعادة تعريف معرفة النفس من الأفضل أن نقوم أولاً بتعريف ما يشير علم النفس إليه اليوم باسم “معرفة الذات”، ونقدم أنواع الطرق الشائعة لتحقيقها. يمكن لهذه الجملة أن تقدم تعريفًا بسيطًا لمعرفة الذات في علم النفس: “المعلومات الحقيقية التي يمتلكها الشخص عن نفسه.” تشمل هذه المعلومات السمات الشخصية للإنسان، و حالاته العاطفية، وآراءه و معتقداته، وسلوكه واحتياجاته وقيمه وأهدافه وهويته الاجتماعية وما يفضله.

هناك أنواع من معرفة النفس، وهي تشمل:

– معرفة النفس الجسدية؛ وهي تحديد المعلومات الجسدية بشكل عام مثل الوزن، الطول، لون العينين، و حالة الجسم، بشكل عام.

– معرفة النفس من خلال المقارنة؛ يحدث هذا عندما نقارن أنفسنا بالآخرين. يمكن أن تكون هذه المقارنات صاعدة أو هابطة. مثلاً، عندما نقارن أنفسنا بشخص آخر في الوضع الاقتصادي والثقافي سواء كان أفضل من وضعنا أو أسوأ.

– معرفة النفس من خلال تقييم الآخرين؛ يحدث هذا النوع من معرفة النفس من خلال تقييم الآخرين لنا. بمعنى آخر، نرى كيف يرانا الآخرون وما رأيهم فينا.

–  الانعكاس الداخلي؛ هذا النوع من معرفة النفس ينبع من خلال مشاهدة الأفكار الداخلية، والدوافع، والمشاعر، والرغبات.

  • إدراك النفس، في هذا النوع من معرفة النفس نصل إلى معرفة ذاتنا من خلال دراسة سلوكنا.
  • تقنيات الوعي الذهني؛ من خلال هذه التقنيات يمكننا التعرف على مهاراتنا العاطفية، وتقييمها، وتعزيزها، وبالتالي نكسب معرفة النفس.

مرجع معتبر لعلم النفس

في إعادة تعريف معرفة علم النفس يجب علينا أولاً أن ندرس كيان الإنسان. هل هو حيوان ناطق حقا؟ هل العقل هو الفارق الوحيد بين الإنسان والحيوان؟ بالاضافة إلى أسئلة عديدة أخرى استحوذت على عقول البشر منذ فترة طويلة وتم التطرق إليها من قبل فلاسفة ومعظم علماء نفس. سوف نلخص هنا بإيجاز بعض الآراء حول هذه المسائل.

  • عالم الأحياء الإنجليزي، تشارلز داروين، كان يعتقد أن خلق الكائنات الحية لم يكن مستقلاً وأن الكائنات الحية الحالية هي تطور لكائنات حية سابقة. وهكذا فإن للإنسان والقرد نسبة مشتركة.
  • نيتشة، الفيلسوف اليوناني، لم يقبل وجود طبيعة ثابتة لأي شيء واعتبر الإنسان حبلا مشدودًا بين الحيوان والإله.
  • بنجامين فرانكلين، العالم الأمريكي، كان يعتبر الإنسان حيوانًا صانعًا للأدوات.
  • توماس هوبز، وهو فيلسوف إنجليزي كان يعتقد أن للإنسان جسد حيواني، وكان ينتقد مسألة تجرُّد الذات وكان يعتبر أن الفارق بين الإنسان والحيوانات هو عقله.

بالرغم من هذا التنوع في الآراء حول طبيعة الإنسان، كيف يمكن للحقيقة أن تظهر؟ هل يمكن لأحد أن يعيد تعريف معرفة النفس و أن يحدد بدقة هذا المخلوق المعقد؟

ماهو الإنسان؟

نظرًا لوفرة التعريفات الخاطئة أو الناقصة التي تتعلق بالإنسان، في إعادة تعريف معرفة النفس قبل أن نعرف ما هو الإنسان، من الأفضل أن نعرف ما ليس هو الإنسان؛  حتى لا يتم الخلط بين الكمالات الإنسانية و غير الإنسانية، وإلا فإننا سنقوم بتصنيف أنفسنا بالخطأ على أننا كائنات جمادية أو نباتية أو حيوانية.

لذلك فإننا سوف نقوم بدراسة أنواع الكمالات(میزات الکائنات الذاتیة کیف تقسّمها إلى خمسة أقسام؟)، وهي تشمل الكمالات الجمادية، والنباتية، والحيوانية، والعقلية وماوراء العقلية أو الإنسانية. الأجسام الجامدة تحتوي على كمالات جمادية مثل الوزن، والحجم والخصائص العنصرية. أما النباتات فهي بالإضافة إلى الكمالات الجمادية تملك كمالات نباتية مثل القدرة على التغذية، والنمو، والتكاثر، والقوة الجسدية، والجمال واللطف. أما الحيوانات، فهي بالإضافة إلى الكمالات الجمادية والنباتية، تملك كمالات حيوانية ايضاً، مثل الغريزة وأنواع الشهوات و الانجذاب للجنس المخالف، والزواج، والالتزام، واختيار المسكن، و الشعور بالمسؤولية، والعمل للأسرة، والوفاء، والشجاعة، واللطف، وخدمة الذات والأسرة. و أما الملائكة فإنها تملك أيضًا كمالات مثل الكمال العقلي.

يملك الإنسان خمسة أبعاد وجودية تشمل الأبعاد الجمادية والنباتية والحيوانية والعقلية وماوراء العقلية أو الإنسانية. هذا يعني أنه يمتلك كمالات جمادية مثل الجمادات، وكمالات نباتية مثل النباتات، وكمالات حيوانية مثل الحيوانات، بالإضافة إلى ذلك فإنه يمتلك كمالات عقلية مثل الملائكة ويهتم بالتعليم، وحل المسائل واكتشاف أسرار خلق العالم. من الواضح هنا أن الإنسان لا يُعتبر إنسانًا بسبب وجود كمالات مشتركة بينه و بين المخلوقات الأخرى.

الاختلاف الوحيد بين الإنسان والمخلوقات الأخرى هو في وجود كمالات ما وراء عقلية أو إنسانية، وبسبب وجود هذه الكمالات فإنه يُعتبر إنسانًا؛ أي أن الجزء الحقيقي عنده هو الجزء الإنساني أو ما وراء العقلي.

أما النقطة المهمة والملحوظة هنا هي أنه في تعريف معرفة النفس أو تقديم طرق معرفة النفس في علم النفس الذي تم التطرق الیه سابقًا، لم يتم إيلاء أي اهتمام أو حتى إشارة إلى البعد الأساسي لوجود الإنسان، أي البعد ما وراء العقلي أو الإنساني لديه. بمعنى آخر، لقد تم التركيز على الأبعاد غير الإنسانية والمشتركة في وجودنا مع باقي الكائنات فقط، ولذلك لا عجب أن علم النفس بكل جهوده، لم يتمكن من توفير الأمان النفسي والسلام الداخلي للإنسان. ولكن ما هو الحل؟ إننا نحتاج بلا شك إلى إعادة تعريف معرفة النفس، والتي تركز على الذات الحقيقية لوجودنا، أي على البعد الإنساني.

البعد الإنساني أو ما وراء العقل

معرفة البعد الإنساني أو ما وراء العقلي موضوع مهم وشامل نتطرق الیه بإيجاز في هذه المقالة وسوف نتناوله بالتفصيل في مقالة أخرى.

الإنسان طالب اللانهاية وهذه الرغبة فطرية في وجوده. إنه يريد كل شيء لنفسه وبأفضل جودة وهذه رغبة لا تتوقف أبدًا. يشعر الإنسان بالإحباط فور تحقيق مراده ويسعى إلى مراد أعلى. هذه الرغبة والطموح تظهر في جميع جوانب نفسه، إنه الجمال في الکمالات الجمادية، والنمو وتقوية الجسم في الکمالات النباتیة، واكتساب المراتب الاجتماعية والقوة والشهرة في الکمالات الحيوانیة، واكتساب المعرفة في کمالات العقل والرغبة اللا نهائية في کمالات ما وراء العقل.

الملاحظة المهمة في هذا المجال هي أن الكمالات الدنيا في جوانب النفس الإنسانية محدودة بشكل عام. ونتيجة لذلك، فإنها لن تكون قادرة على تحقيق الشعور اللا نهائي بالطلب أبدا، و لذلك فإن الإنسان يصبح محبطًا فور شبعه من الطعام، ولكنه لا يمل من تجربة نكهات وطعم جديد أبدًا. و تراه يفكر في الوصول إلى درجة أعلى فور وصوله إلى درجة معينة من الطبقات الاجتماعية، كما أنه لا يمل من اكتساب المعرفة أبدًا.

إن الأماني لا تنتهي عند الإنسان، بينما العالم محدود وفان. وكما أن الوعاء المحدود لا يمكنه استيعاب غير المحدود، وليست الدّنيا مهدًا لطموحات الإنسان اللّامتناهيِ. وبشكل عام فلم تُمنحه هذه الصّفةَ أساسًا للحياة الدنيوية، ولن تشبع رغبة الإنسان في اللّامتناهيةِ إلّا باللّامتناهي. ولذلك فلا يرضى الإنسان بأيّ كمالٍ محدودٍ.

يجد كل إنسان هذه الخاصية في نفسه بعد قليل من التأمل، ويتحرك بكل جدارة نحو تحقيقها بكل وجوده. اللانهائية في الحب، والجمال، والثروة، والمعرفة، والقوة وكل ما هو موجود في العالم.

إنه يطلب كمالاته بشكل لا نهائي، ولا يشعر بالاكتفاء من أي كمال وهذه رغبة لا تنطفئ فيه ابدا. ولذلك فإنه يستمر في استكشاف وتجربة العالم للتنوع ولاکتساب شهوة جديدة تملأ وجوده. هذا الشعور لا حد له ولا نهاية. الوصول إلى كمالات العالم التي خلقه الله من أجلها، سواء كانت للمراتب الجمادية أم النباتية أم الحيوانية أو العقلانية، فإنها لن تجلب له الراحة والاستقرار أبدًا، فإن تحقيق جميع رغبات هذه الأمور لن يكون ممكنًا أبدًا. نتيجة لذلك، يسعى كل فرد نحو إحدى هذه المراتب بغية تلبية احتياجات ذلك الجانب بشكل أكبر، مما يؤدي إلى عجزه وقمع باقي الرغبات الحيوية. ينتج عن ذلك إنسان يعاني من عقد كثيرة ويقضي حياته في سعيه نحو ما لا يُمكن تحقيقه.

الشعور بالرغبة اللانهائية في الإنسان حقيقة ثابتة لا يمكن إنكارها وندركها جميعًا في أنفسنا. لذلك فلا يمكن لأي كمال محدود أن يرضينا. کل من لم يصل إلى معرفة النفس، يسعى  وراء تلبية رغبته اللانهائية في كمالات العالم المحدود. مثل أولئك الذين لا يشبعون من جمع الثروة، أو الذين هم أسرى شهوات المكانة الاجتماعية والسلطة. هناك كمال لانهائي واحد فقط لتلبية هذه الرغبة الفطرية وهذا ما يقبله أي عقل.

نحن نعشق كل ما له وجودٌ، ويمكن القول بشكلٍ عامٍّ: أنّنا نعشق الوجود ذاته. الوجود هو ما نبتغيه، والحبيب لدينا. اننا نطالب بالوجود المطلق ونحن بحاجة إليه. في الواقع، نحن نسعى إلى اكتساب الكمالات والكمال(ما هو الكمال أو الميزة الذاتية وما معنى اكتساب الكمال؟) ينبع من الوجود. هذا لأن كل كمال نرغب فيه في مجالات الحس، والخيال، والأحلام، والعقل وماوراء العقل، فإنه ينبع من الوجود.

لهذه الأسباب يشعر الإنسان بعدم الرضا بسبب قيود الحياة على الأرض ويطالب دومًا بالمزيد والمزيد من جميع الإمكانيات. هذا أمر بديهي، ويمكن لأي شخص أن يدركه بقليل من التأمل في ذاته. الحب للكمال المطلق واللانهائي ليس أمرًا علميًا ولا ناتجًا عن اكتساب المعرفة، بل هو  أمر فطري وثابت في الإنسان. نحن عاشقون للكمال المطلق ولذلك فإننا لانهائيون، لأن اللانهائي فقط يمتلك القدرة على طلب اللا نهائي ولا يمكن للمحدود أن يطلب ذلك أبدا. لذا فان اللانهائي موجود ونحن نتفق معه ونعرفه و لدينا قدرته وسبق وتذوقنا طعمه. نحن لانهائيون، وهذا ما نسعى إليه؛ لأنه لابد وأن يكون هناك تناسق وتجربة سابقة بين الطالب والمطلوب. إذن بما أننا نسعى إلى الوجود فلذلك فلا يمكن أن يكون وجودنا محدودًا. الوجود لانهائي، ولا يمكن حصره. هذا الوجود المطلق اللانهائي هو الله.

الله هو الكمال المطلق واللانهائي، وهو الحبيب الحقيقي أو الجزء الإنساني من وجودنا، وإننا لا نشعر بالرضا إلا من خلاله. جميع البشر سواء عرفوا أو لم يعرفوا في أنفسهم، فإنهم يصرخون بأعماقهم بشعار “لا إله إلا الله” ويطلبون الاتصال والإنسانية والحب والتشابه مع إلههم أو الكمال اللانهائي، وإذا لم يصلوا إلى هذا الطلب الفطري في الدنيا، فإنهم سيغادرون الدنیا دون أن يبلغوا الإنسانية، بل ستكون لديهم جوانب حيوانية داخلية تكون نهايتها مؤلمة للغاية. لذلك، في إعادة تعريف معرفة النفس، يتم التركيز على جوهرنا الحقيقي، أي الجزء الإنساني أو ما وراء العقلي، والذي یدعی علینا من خلاله بلقب الإنسان و أشرف المخلوقات.

كما ذکرنا فإن جوهرنا الحقيقي هو الجزء الإنساني أو ما وراء العقلي من وجودنا. الجزء الإنساني منا، والمعروف باسم النفس، هو راغب في اللانهائية(“لماذا الإنسان كائن أبدي و لانهائي؟ وما معنی الرغبة اللانهائية؟”)، لا يموت ابدا(هل الموت هو صيرورة الإنسان إلى العدم؟) وهو عاشق للكمال اللانهائي، أي الله، ولا يستقر سوى من خلال الاتصال به.

المعنى الحقيقي لمعرفة النفس

بالاستناد إلى المواد المذكورة، ادرکنا أن الجانب من وجودنا الذي يميزنا عن باقي الكائنات الأخرى هو الجزء الإنساني أو الذات الحقيقية. لذلك فإننا يمكن تسميتنا بالإنسان فقط وفقط عندما نصل إلى قمة إنسانيتنا ونجرب السعادة والسلام، أي عندما يكون الجزء الإنساني لدينا نشطًا وقد بلغ النضج. لذلك، في إعادة تعريف معرفة النفس، يجب أن نقول إن هذه المعرفة هي معرفة الإنسان لذاته وقبول نفسه بمعنى أنه إنسان حقا.

قد تطرح هذه الأسئلة: هل يتوجب علينا أن نتجاهل الكمالات الجمادیة والنباتية والحيوانية؟ بالطبع لا. جميع هذه الكمالات ذات قيمة ولا بد أن نتعامل معها ونولها اهتمامًا، ولكن دون أن نعتبرها كمالات إنسانية. بل هي مقدمة ووسيلة للوصول إلى الكمالات الإنسانية ويجب أن تكون في خدمة الجانب الإنساني أو الذات الحقيقية لوجودنا لکی توصلنا إلى قمة الإنسانية. وإلا فإنها لن تكون ضارة لنا فحسب، بل ستعرقل طريقنا في مسيرنا نحو الکمال الإنساني. تماما كما أن البستاني یحتاج إلى حديقة جيدة مع تربة خصبة وأدوات بستانية، ولكن بشرط أن تؤدي هذه المقدمات إلى حديقة تحتوي بالختام على أشجار سليمة وقوية وثمار ذاب جودة، وإلا فإنها لن تكون له فائدة، وستضيع وقته وحياته.

إذا لم يكن لدينا تعريف صحيح للذات ولم يهيمن الجزء الإنساني من وجودنا على الأجزاء الدنيا منه فإننا لن نصل إلى هدفنا كإنسان ولن نکتسب السعادة والسلام في الدُّنيا والآخرة. إن إعادة تعريف معرفة النفس، والتي تعادل معرفة الذات الحقيقية، تؤدی الی عدم إضاعة لحظات الحياة الثمينة وعدم تحمُّل تكاليف غير قابلة للتعويض.

في هذه المقالة، تناولنا أولا أهمية وضرورة معرفة الذات. استعرضنا تعريف معرفة الذات كما هو شائع في علم النفس وطرق الوصول إليها، ثم أشرنا إلى أنه للوصول إلى معرفة الذات الحقيقية، ينبغي علينا أن ندرك طبيعة الإنسان، وقدمنا آراء عدد من العلماء والفلاسفة حول ماهيته.

استعرضنا الأبعاد الخمسة لوجودنا: الجمادية، والنباتية، والحيوانية، والعقلية، وما وراء العقلية، وتعرفنا على الكمالات المرتبطة بكل منها، ووجدنا أن الأنواع الشائعة لمعرفة الذات في العالم تغفل البعد الإنساني الذي يميزنا عن بقية الكائنات. أوضحنا الشعور بالرغبة اللانهائية وحب الكمال المطلق الكامن في وجودنا.

في النهاية، وعند إعادة تعريف معرفة الذات، أكدنا أن معرفة الذات هي معرفة النفس الحقيقية، أو ما يُعرف بعلم الإنسان. وقلنا إن من لم يعرف حقيقته الذاتية ولم يدع البعد الإنساني فيه يهيمن على الأبعاد الدنيا لوجوده، فإنه لن يكون له جوهر إنساني حقيقي ولن ينعم بالسعادة والسكينة الأبدية.

نحن في انتظار آراءكم القيمة أو أسئلتكم المحتملة حول إعادة تعريف معرفة النفس والمعرفة  الحقيقية للإنسان.

اكتب رأيك