ماهو الموت؟ هل يهلك الإنسان مع الموت أم ستكون له بداية جديدة؟

جدول المحتويات
ما هو الموت؟ هل يتعلق الموت بالجسد فقط أم أن الروح تموت أيضًا؟

ماهو الموت؟ هل يهلك الإنسان في النهاية؟

ماهو الموت؟

وما هو المفهوم الذي نسعى لفهمه عند استخدام كلمة “الموت”؟

هل هناك علاقة بين الموت والولادة؟

هل نهلك بالموت أم أن هناك مصيرًا آخر ينتظرنا؟

هل يتعلق الموت بالجسد فقط أم أن الروح تموت أيضًا؟

الموت هو من بين المفاهيم التي تستحوذ على انتباهنا جميعًا، حتى لو لمرة واحدة، وسعينا لمعرفة حقيقته. يعتبر الموت ذا معانٍ متعددة قد نقبل ونفهم إحدى المعاني بناءً على آراءنا وتفكيرنا أكثر من أخرى. وبالطبع، ستكون إجابتنا على السؤال “ما هو الموت؟” مختلفًا، استنادًا إلى التعاريف المتنوعة الموجودة حول حقيقة الإنسان.

هناك أسباب مختلفة تدفعنا للسعي وراء كشف إجابة حقيقية لسؤال “ما هو الموت؟” على سبيل المثال، لنتخيل أننا دخلنا إلى المدرسة أو مكان العمل و يخبرنا المشرف أو الرئيس بوفاة أحد أطفال المدرسة أو زملاء العمل. بعد أن تنقضي علامات الدهشة والحزن بسبب هذا الخبر، ينجذب الحوار بشكل طبيعي نحو التفكير في مغزى الموت نفسه، مما يدفع إلى التأمل في رحلتنا الحتمية نحو الموت وكيفية حدوثه.

عندما نسمع بوفاة شخص ما، يغيب وجوده عن العالم المادي، ولكن هل هذا يعني فنائه المطلق؟ إذا قبلنا أن كل شيء ينتهي بالموت، هل سيؤدي ذلك إلى تغيير في تصورنا للحياة وطريقة عيشنا؟

الموت يُعرَّف في القواميس بأنه نهاية الدورة الحياة وتوقف جميع العلامات الحيوية. ولكن هذا التعريف ينصب أساسًا حول الجسد فقط. السؤال الذي يطرح نفسه هو: هل يقتصر وجودنا على الجسد فقط؟ إذا اعتبرنا أن للروح وجودًا أيضًا، هل سيؤثر ذلك على إجابتنا حيال فهمنا للموت؟

بما أن هناك معتقدات وتقاليد و تعاريف مختلفة ومتنوعة حول الإنسان، فلذلك فإن النظرات حول الموت مختلفة أيضاً. في هذه المقالة سوف نشرح مفهوم الموت استنادًا إلى كل من هذه الجوانب ونكتشف ما إذا كنا سننتهي بالموت؟ هل من العادل أن ننتهي جميعًا بالنهاية ذاتها، بغض النظر عن نمط حياتنا ونُفنى بالموت؟ بافتراض قبول أن الموت هو نهاية كل شيء وبمعنى العدم، من المستفيد؟ إذا كان تعريف الموت هو الفناء فقط، فما هو تأثيره على كيفية حياتنا في هذه الدنيا؟ بعد استكشاف وجهات النظر المختلفة التي تنفي الموت، سوف نقدم أهم إجابة وسبب لاستكشاف مفهوم ماهية الموت في إطار استكشاف الرغبة في اللانهاية.

دور تعريف الإنسان ومعتقداته في نظرتنا للموت

أحد الأمور التي تجعلنا قادرين على دراسة الأمور بشكل أفضل هو إنشاء تصنيفات مختلفة فيها. ينطبق هذا أيضًا على نظرتنا لأنفسنا، أي اذا ما كنا نميل إلى الطبيعة أو الفطرة، أو المادة أو الرغبة في البعد الروحاني، أو الاعتقاد بالأديان غير الإبراهيمية،  كل ذلك يجعل نظرتنا تختلف عن الإنسان وعن أنفسنا.

إن لنوع نظرتنا تأثير في ترتيب حياتنا و بناءها وحتى في تعريفنا لطبيعة الموت. إذا بحثنا في الكتب سنجد هذه التعاريف:

– الإنسان مجرد جسم.

– الإنسان لديه عقل بالإضافة إلى جسم .

– الإنسان لديه عقل وروح وجسم.

– الإنسان كائن يتكون من جسم وعقل وروح ونفس.

إذا قبلنا التعريف الأول الذي يدعي أننا مجرد أجسام، فإننا نموت عند توقف العلامات الحيوية وتوقف القلب، وهذا الموت يعني الفناء التام والهلاك لوجودنا. ولكن قبول التعاريف التالية يؤدي إلى تغيير في إجابتنا على سؤال “ما هو الموت؟” على سبيل المثال، إذا أُخذنا الروح أيضًا بالاعتبار بجانب الجسم، علينا التفكير في ما يحدث للروح عند موت الجسم؟ هل تموت الروح أيضًا وتفنى؟ هل تعتمد أرواحنا على أجسامنا ولن يكون لها وجود أو قدرة على القيام بأي شيء في غياب الجسم؟

لفهم الإجابة على هذا السؤال، يكفي أن نغوص في عوالم الأحلام. في هذه العوالم، نتجول ونتفاعل مع شخصيات غريبة ومواقف غير مألوفة. قد نزور أماكن لم نرها من قبل، ونلتقي بأشخاص لم نعرفهم أبدًا، وقد نرى مشاهد من المستقبل المجهول. كل هذه الأحداث تحدث ونحن مستلقون على أسرّة النوم، مما يشير إلى أن الروح تنطلق في رحلاتها المستقلة بعيدًا عن قيود الجسد، وهذا يؤكد أن هناك أملًا لحياة الروح بعد موت الجسد، حيث ستواصل الروح حياتها.

قد أدى الاعتقاد في بقاء الروح بعد موت الجسم، إلى تنوع مختلف الأفكار. فهناك من يعتقد بأن الروح تفصل عن الجسم عند الموت وتنتقل إلى جسد آخر وتتواصل في الدورة لا نهاية لها؛ بمعنى أن الروح كائن أبدي يتغير ظاهره الخارجي فقط، حيث قد تتجسد في أحيان كثيرة كامرأة، أو رجل، وربما حتى كحشرة! هذا الاعتقاد هو نظرية التناسخ التي ربما قد سمعنا عنها جميعًا وقرأنا عنها من قبل.

و هناک من يعتقد أن الروح تدخل عالما آخر بعد موت الجسم وتستمر حياتها هناك. فهم ينظرون إلى الموت كنهاية لفترة معينة وبداية لفصل جديد، أو أنه كجسر بين عالمين مختلفين.

عندما يتعلق الأمر بالحب أو الكراهية أو الخوف من الموت، تتراوح المشاعر الإنسانية بين هذه الأطوار المتضاربة، تبعًا لما يؤمن به كل شخص. فإذا كنا متعلقين بالحياة تعلقا شديدا وتعتبر الدنيا رفيقنا ومؤنسنا، فإن النهاية المحتومة بالموت ستكون موضع كره ورهبة بالتأكيد. ولكن، إذا كان اعتقادنا ينصب على فكرة وجود حياة أخرى بعد الرحيل، حيث تتوقف جودة تلك الحياة على أفعالنا وسلوكياتنا في الدنيا، فإما أن نعيش مع الشغف لنلتقي بها، وإما أن نُخيِّلها ونخشاها. هذا المعتقد العميق يُؤثر بشكل مباشر على سلوكياتنا وأفعالنا. إذا كنا ندرك أنَّنا سننتقل بعد الحياة إلى مكان آخر، حيث تعتمد شروطه للحياة على ما قمنا به وسلوكنا في الدنيا، سنكون أكثر حذرًا وترويجًا في تصرفاتنا، ولن نُخاطر بأي فعل.

دور الإيمان بالعدل في النظر إلى الموت

دعونا نتخیل عالمًا حیث يكون فيه الموت بمعنى الفناء، کیف سیتشکل سلوک الناس وأفعالهم في مثل هذا العالم؟ هل سیکون هناك إطار یحدد حیاتهم؟ إننا جمیعًا نرفض القیود والتحدیات، إلّا إذا کانت لها فائدة نهائیة لنا. الشخص الذي يعتبر الموت نهاية الحياة و لا يؤمن أن هناك محكمة أو محاسبة بعد الموت، فمن المستبعد أن يكون جاداً مع نفسه وهو لا يتنازل عن مصالحه بسهولة. في عالم يسود فيه مثل هذا التفكير، من هو الرابح ومن هو الخاسر؟ بالطبع، في مثل هذه الظروف، تفقد الأخلاق معناها وقيمتها وسيسود على المجتمع ما يُعرف بقانون الغابة.

مع قبول هذا الافتراض، فإن الدنيا ملائمة لكل من يمتلك المال والسلطة بشكل أكبر، بينما يتعرض ذوو الإعاقة دائمًا للعذاب والمحن. ليس من الصعب تصور مثل هذه السيناريوهات، حيث واجهنا أفرادًا لا يؤمنون بشيء و يمنحون الأولوية لمكاسبهم الشخصية و يضطهدون الآخرين دون أي اعتبار للمبادئ الأخلاقية. إذا قبلنا هذه الفكرة المستحيلة، فإن أي اعتراض سيكون عديم الجدوى ولن نستطيع الشكوى عندما يُسلب مالنا أو نبقى بلا أجرة عن الخدمات التي نقدمها للآخرين. سيجعل هذا التعريف، جميع أشكال الثواب والعقاب بلا معنى.

إن بنية الدنيا مصممة بطريقة تجعلها قادرة على تقديم قدر محدود من المجازاة والمكافأة. على سبيل المثال، إذا كان الإعدام هو عقوبة القتل، كم مرات ينبغي أن يُعدم شخص قتل آلاف الأشخاص في الحروب ظلمًا حتى يتم تنفيذ عقوبته تماماً؟ هل يستطيع جسم الإنسان أن يتحمل الإعدام ألف مرة و يحيا مرة أخرى؟ بالطبع لا، وهذا يعني أنه لا بد أن يكون هناك مكان آخر غير هذه الدنيا حيث يُعاقب مثل هذا الشخص السفاك على جريمته بالقتل.

وينطبق الأمر نفسه على مكافأة أعمال الخير، فكيف يجب أن نقدر شخصًا قدم الكثير من الخدمات للبشرية وبنى مدارس ومستشفيات، ورعى الأيتام وضحى بنفسه أو فقد حياته في دفاعه عن القيم الأخلاقية؟ كيف يجب أن تكافئ جميع أعمال الخير التي فعلها؟ الدنيا ليست كافية ليجازي مثل هذه الإنجازات العظيمة، وبالضرورة يجب أن يكون هناك مكان بعد الموت، حيث يُكافأ عن جميع تلك الأعمال الصالحة فيه. إذا كان الموت نهاية الإنسان وفناءه، أليس ذلك ظلمًا؟ لماذا لا يُعاقب شخص يرتكب آلاف الجرائم إلا على جزء صغير منها، بينما يتلقى شخص آخر الجزاء على جزء ضئيل من عطائه النبيل طوال حياته؟

الاعتقاد بأننا نتحول إلى العدم بعد الموت يتعارض بشكل جاد مع العدل الإلهي.

دور الإيمان بالحكمة في النظرة إلى الموت

الحكمة في اللغة تعني الاتزان والرشد والسداد، وفي التطبيق تنفيذ الأعمال بشكل موجه نحو الهدف وبأفضل طريقة ممكنة. لقد شاهدنا جميعًا أفلام وثائقية حول الطبيعة وأعماق البحار و المجرات و الحيوانات وقد استغربنا في بعض الأحيان. لقد أقر العلماء في مختلف فروع العلوم بوجود تنظيم نادر غير عادي في خلايا وأجزاء الكون الذي نعيش فيه. هل فكرنا يومًا ما هو السرّ وراء هذا النظام الدقيق والتفاصيل الدقيقة؟ هل يمكن أن يكون كل ذلك عبثًا؟

العقل السليم يدعونا إلى قبول فكرة أن هذا الكون المنظم والمدقق يحمل في طياته حكمة ومنطق. من الأمثلة البارزة على هذا التنظيم هو نحن البشر، الذين لا يتميزون عن هذه القاعدة. فجميع أجزاء واحتياجات وجودنا تم تنظيمها بحكمة. الحكمة تتطلب وجود إجابة خارجية لأي احتياج ينشأ في داخلنا؛ فعلى سبيل المثال، للتعامل مع شعور العطش والجوع لدينا، يتوفر إمداد بالماء والطعام. وبالمثل، يمثل اهتمام الآباء والأمهات ردًا على بعض احتياجات الأطفال.

إحدى الاحتياجات المشتركة في البشر هي الرغبة في الخلود، فنحن جميعًا نتوق إلى البقاء إلى الأبد. فإذا كان من المفترض العدم والفناء بعد الموت، كيف يمكن تحقيق رغبتنا في الخلود؟ إذا كانت هذه الرغبة متجذرة في أعماقنا، فمن الواضح أنه يجب أن يكون هناك جواب خارجي لها؛ لأنه إذا لم يكن الأمر كذلك، فإن حكمة نظام الخلق ستكون ناقصة. لذا يعارض الاعتقاد بأننا نفنى بعد الموت بشكل كبير مع الحكمة الإلهية.

ومع ذلك، تنبع أهم الإجابات على سؤال “ما هو الموت؟” من دراسة مفهوم الرغبة في اللانهاية.

دور الرغبة في اللانهاية في تفسير الموت

بينما يتباين الآراء فيما يتعلق بالجواب على تساؤل “ما هو الموت؟”، إلا أن هناك نقطة مشتركة تجمع بين جميع الأفراد، وهي السعي نحو البقاء والسعي لتحسين جودة الحياة. هذا السعي لا معنى له إلّا الرغبة في الخلود. لماذا نسعى لاكتشاف أفضل الوسائل للوقاية من الأمراض ومكافحتها؟ ولماذا نتابع الأساطير بحثًا عن دلائل على ينابيع الحياة؟ هل يمكن أن يكون هذا السعي لاسترجاع الشباب مرتبطًا برغبتنا في البقاء؟

لقد خلقنا الله بحيث أننا نسعى دائمًا إلى الكمال المطلق وأفضل حالة ممكنة. ذكرنا سابقاً أنه توجد إجابة أو مصداق خارجي(من هو مصداق اللانهایة؟ وهل هناك إجابة لرغبة الإنسان في اللانهاية؟) لكل احتياج نشعر به، لكي تُلبّي تلك الرغبة. فإذا كانت رغبتنا في الخلود حقيقية، فمن الضروري أن تتوفر ظروف خارجية تتوافق مع هذا الطلب. الاعتقاد بأن الموت يعني عدم الوجود والفناء ونهاية كل شيء يتعارض مع هذه الحقيقة، فلا يمكن لله أن يزرع رغبة في قلوبنا ويخلق ظروفًا تمنع تحقيق هذا الطموح.

اعتقادنا بالرغبة في اللانهاية والخلود يدفعنا لنؤمن بوجود الأبدية وعدم الانتهاء والفناء مع الموت! إن نقطة التشابه بيننا هي وجود هذا الطموح في وجودنا جميعا، ونقطة الاختلاف هي كيفية توجيه هذا الطموح. هناك فرق بين أن تكون العقلانية والإرشادات القيمة جنبًا إلى جنب مع هذا الإلهام والرغبة الفطرية لدينا، أو أن تكون مصحوبة بالخرافات؟

تشير الدراسات الأثرية إلى أن البشر الأوائل كانوا أيضا  يعتقدون بوجود عالم بعد الموت وأن الحياة ستستمر بعد هذا الموت الظاهري. التحنيط ودفن الأدوات المتعلقة بمهنة الميت معه و دفن النساء أحياء بجوار الملوك أمثلة على العادات والتقاليد التي تثبت أن القدماء كانوا يعتقدون أيضا أن الموت لا يعني الفناء، وكانوا يهدفون من خلال هذه الأعمال إلى توفير وسائل الراحة للموتى في الحياة القادمة، ولكن اختلط اعتقادهم ورغبتهم بالخرافات. إن رغبتنا في اللانهاية هي دليل على أن مفهوم الموت لا يعني العدم والفناء. ولكن هل هناك حقا شيء اسمه العدم؟

دور العدم والرغبة في معنى الموت

يوجد هناك من يعتقد أنه لا يوجد في نهاية حياة الإنسان شيء سوى العدم، ويتحول الإنسان بعد قضاء أيام العمر إلى اللاشيء ويختفي مع موت جسمه. ولكن هل يوجد العدم حقًّا؟ قد يكون عقل الإنسان المعقد غير قادر على فهم حقائق بسيطة مثل هذا السؤال، و تغريه الأفكار و الأدلة المعقدة.

إنّ العدم هو أمر اعتباطي واتفاق قانوني لتسمية غياب الوجود. فالعدم، ليس له وجود معترف به، فإنه يُعتبر بمثابة غياب الموجود. في الحقيقة، العدم أو اللاموجود لا يمكن أن يكون له وجود، لأنه إذا كان موجوداً، فإنه يتحول فوراً إلى شيء متواجد. بمعنى أكثر وضوحاً، إذا كان هناك شيء يُطلق عليه اسم العدم ويعتبر موجوداً، فسيتحول ذلك بالضرورة إلى وجود. وما يتواجد فعلاً، هو كائن حقيقي، ولا يمكن أن يكون العدم أو اللاموجود. لا يمكن لعقل سليم أن يقبل بفكرة تحول العدم إلى الوجود فجأة، ثم تظل عدمًا. قد استمر هذا الاعتقاد الخاطئ حيث يعتقد بعض الأشخاص أن الله خلق الأشياء من العدم، على الرغم من عدم وجود شيء خارج جوهر الله. فجميع الأشياء والظواهر في الكون جذورها في جوهر الله، وتعكس جماليات وجوده العظيم.

ذكرنا في مقالات قسم الرغبة في اللانهاية خمس قوانين عامة للطلب ووصلنا إلى استنتاج أن جميع البشر يسعى إلى الكمال المطلق و مطلق الكمال. لذلك، وبناءً على قوانين الطلب والأماني في جميع البشر، يمكن الوصول إلى هذا الاستنتاج:

  1. يكون الكمال المطلق ومطلق الكمال موجودًا.
  2. نحن نتوافق مع الكمال المطلق ومطلق الكمال.
  3. لدينا القدرة على فهم الكمال المطلق ومطلق الكمال.
  4. نحن نمتلك معرفة بالكمال المطلق.
  5. فهمنا الآن للكمال المطلق يعني لقد عشنا معه من قبل، أي قد تجربنا طعم الكمال واللانهائية.

لذلك يظل الإنسان غير راضٍ عن قيود حياته على الأرض، ويسعى دومًا للمزيد والمزيد من كل الإمكانيات. إنها حقيقة شهودية يمكن لأي شخص أن يدركها ببعض التأمل الداخلي . إن حب الكمال المطلق واللانهائي ليس مجرد مسألة علمية أو نتاج لتراكم المعرفة، بل هو جوهري وثابت في الإنسان. نحن نعشق الكمال المطلق ومطلق الكمال، وبما أن اللانهائي هو الوحيد الذي يحمل القدرة على اللانهائية ولا يمكن للمحدود الرغبة في اللانهائية، نستنتج من هذا  أننا لا نهائيون.

من خلال ما ذكرنا، ندرك أنّ هناك وجود لانهائي ونحن متوافقون ومتناسبون معه، نعرفه ولدينا قدرته، وقد ذقنا طعم الكون لانهائيًا مسبقًا. وبما أنه يجب أن يكون هناك توافق واستفادة سابقة بين الطالب والمطلوب، فإن الإنسان كائن لانهائي، ولا يمكن للراغب في اللامحدود أن يكون لديه وجود محدود. إذ أن الوجود لا يعرف حدودًا، ولا يمكن أن يكون مقيدًا. الشيء الوحيد الذي يمكن أن يحد من الوجود، هو ما خارج عنه؛ أي العدم، وأكّدنا أنّ العدم ليس له وجود حقيقي، بل هو مفهوم اعتباطي فقط. فإنه لا يوجد شيء في العالم يمكنه تقييد وجودنا. إذا اعترفنا بكوننا لانهائيين، وهو أمر يجب أن يوافق عليه العقل، لا يمكننا أن نفسر الموت على أنه التحول إلى العدم والفناء.

أوضحنا في هذه المقالة، أن هناك رؤى وتعاريف مختلفة للإنسان. تؤدي هذه الرؤى المتباينة إلى تعاريف متنوعة للموت. الاعتقاد بأننا مجرد أجسام أو الإيمان بكون الروح كائنًا بجانب الجسم يلقي بظلاله على فهمنا للموت؛ إما كنهاية لكل شيء أو كبداية لمراحل جديدة وممر بين عوالم مختلفة.

كما أشرنا إلى الرغبة اللانهائية في وجودنا وقلنا أن يجب أن يكون هناك تلبية لهذه الرغبة في الخارج.  إذا اعتقدنا أن الموت يُعادل الفناء والعدم، فإن هذه الرغبة تبقى بدون إجابة، وبالإضافة إلى ذلك، عرفنا من خلال استكشاف مفهوم العدم، أنه لا يوجد للعدم وجود خارجي، لذا فإننا حتى لو أردنا ذلك، لا يمكننا أن نُفنى مع الموت. نحن كائنات خالدة ولا حيلة لنا سوى عيش مراحل حياتنا المختلفة، وتعتمد كيفية العيش في هذه المراحل على أنفسنا.

إذا كنت ترغب في المزيد من المعرفة حول مفاهيم الموت، والعدم، واللاشيء،  والرغبة اللانهائية، نقترح عليك قراءة مقالات قسم علم الإنسان في مدرسة علم الإنسان بشكل كامل.

اكتب رأيك