حدود الغفلة المشروعة: متى يجوز الإعراض ومتى يجب الانتباه؟

جدول المحتويات
حدود الغفلة المشروعة: متى يجوز الإعراض ومتى يجب الانتباه؟

عواقب الغفلة وعدم الانتباه في الأمور الحيوية للحياة

إنّ الغفلة وعدم الانتباه هما من السلوكيات التي تبدو سلبيّة وغير مستحسنة للوهلة الأولى، ولكن إذا تأمّلنا قليلًا، سندركُ أنّ ليست كلَّ غفلة مذمومة. لتوضيح الفكرة، تصوّروا سائقًا يسير نحو وجهةٍ مهمّةٍ. من الطبيعيّ أن تقع أحداثٌ كثيرةٌ حول السائق، داخلَ السيارة وخارجها؛ على سبيل المثال، قد يتجادل الركاب داخل السيارة، أو قد يقع حادثٌ على جانب الطريق ويتجمّع حوله الكثير من الناس؛ فماذا سيحدث لو أولى السائق انتباهه لكل هذه الأحداث؟

من البديهي أن ينصرف ذهنه عن المهمة التي يؤديها، وهذا الانصراف قد يؤدي إلى حادث أو يسبب ضياع الطريق أو يؤخر وصول السائق إلى وجهته في أحسن الأحوال، والسائق العاقل هو من يركز انتباهه الكامل على الطريق والوجهة ويظهر الغفلة وعدم الاهتمام بالهوامش قدر الإمكان. وكذلك هي الحال في الحياة الدنيا، فنحن سائقون نركب مركب الدنيا ونسير نحو وجهة محددة وهي الحياة الأبدية السرمدية ومقود هذا المركب بأيدينا، ونحن من يقرر في أي اتجاه نسير في طريق الحياة وإلى أي جهة نوجه هذا المركب.

في سعينا نحو الآخرة والأبدية، نواجه في حياتنا اليومية نوعين من الأمور: النوع الأول هي أمورٌ ترتبط ارتباطا مباشرًا بهدف خلْقنا وسعادتنا، وأيّ غفلةٍ أو عدم اهتمامٍ بها سيؤدّي إلى عواقب وخيمةٍ في الدنيا والآخرة. والنوع الثاني هي أمورٌ تشبه الهوامش على جانبي الطريق، والتركيز المفرط عليها يحول بيننا وبين السير الصحيح في مسار حياتنا. والسؤالُ الآن هو: ما هي الأمور التي تنضوي تحت كلّ نوعٍ من هذين النوعين؟ وكيف لنا أن نعرفَ أيّ الأمور يجب أن ندرجها في النوع الأول، وأيَّها في النوع الثاني؟ في ما يلي سنتناول الإجابةَ عن هذه التساؤلات.

النظام القيمي السائد في العالم

النقطةُ المهمة التي يجبُ أخذها في الاعتبار هي أنّ تصنيف الأمور ليس أمرًا ذوقيًا أو شخصيًا. لا ينبغي أن نعتبر بعض الأمور مهمة حسب أهوائنا فنخصّص لها وقتنا وطاقتنا، ونعتبر بعضها الآخر غير ضروريّ أو في الهامش فنتجاهلها ولا نلتفت إليها. والسبب في ذلك هو أنّ بنية العالم والإنسان هي بنية رياضيّة مُحكمة وقائمة على قواعد ثابتة. ففي الأنظمة الرياضية، لكلّ شيءٍ مقدار، وقيمة كلّ خياراتنا وعلاقاتنا وسلوكيّاتنا وأفكارنا محدّدة؛ بل محدّد أيضًا أيّ تصرّفَين حسنين هو أكثر قيمة ويقرّبنا من السعادة.

إذن، نحن غير قادرين على تغيير مقادير وقيم العالم؛ صحيحٌ أنّ البعض من أصحاب المصالح قد يُغيّرون المعايير الأخلاقية لصالحهم ويقلبون القيم في نظر الناس إلى أضدادها، لكنّ كلّ هذه الإجراءات هي مؤقتة ويقتصر مجال تأثيرها على هذه الحياة الدنيا القصيرة. وعندما يرحلُ كلُّ واحدٍ منّا عن هذه الدنيا ويطأُ عالمًا آخر، سندرك تمامًا حقيقة القيم وكيف أننا أضعنا أعمارنا في اللهو والغفلة وعدم الاهتمام بأمور حياتنا المهمة. وهناك سيغمرنا إحساسٌ قاتل بالحسرة والخسران، ولن يكون هناك سبيل للعودة أو التعويض.

إذن، علمنا أنّ قيمة الأمور في الكون مُحدّدة، وأنّ الأمر الوحيد الذي يتعين علينا القيام به هو اكتشافُ هذه القيم. فإذا ما تحدّدت القيم، سنتمكن بدقةٍ من فهم الأمور التي يجب أن نُخصّص لها الوقت والجهد الكافيين، والأمور التي يجب أن نُظهر تجاهها الغفلة وعدم الاهتمام. وعليه، إذا كانت قيمة عملٍ ما تعادل مبلغا زهيدًا من المال، فإننا سنبذل من الطاقة ما يناسب هذه القيمة، وسنخصّص باقي وقتنا للأمور الأكثر قيمة والأكثر بناءً لأبديتنا وآخرتنا. فمعرفة قيمة الأمور تحولُ دون الخسران وتُحقّق أقصى استفادةٍ من العمر. ولكن، كيف لنا أن نُدرك هذه القيم؟ وما هي الطريقة المُثلى لذلك؟ هذا ما سنتناوله في ما يلي.

من هم خبراء التقييم في البعد الإنساني؟

من المتداول بين الناس مقولة “تقییم الخبراء”.[1] فالحكماء والعقلاء، حين يريدون إبرام معاملةٍ ما، يعرضون السلعة على المتقدمٍ مُختصٍّ في ذلك المجال، خشية الغبن وخداع البائع. والالمتقدم هو الشخص المُلمّ بأبعاد الموضوع المطروح والمشرفُ على جوانبه كافّةً. فعند عرض سلعةٍ ما على الالمتقدم، يقوم بتقييمها وفق معايير محدّدةٍ لديه، ويُحدّد بناءً على ذلك مدى ربحية المعاملة وجدواها.

فيما يتعلق بالرجوع إلى الالمتقدم، هناك قاعدة أساسية وهي “أصالة التخصص”. وفقًا لهذا المبدأ، لكل مجال المتقدمه الخاص. فلا أحد يستشير المتقدم العقارات لتحديد سعر سيارته، ولا يلجأ أحد لالمتقدم في البورصة عند شراء جهاز كهربائي. إن الرجوع إلى المختص في كل مجال هو أمر فطري وعقلاني، ويلتزم الناس به بشكل طبيعي دون تفكير.

هذا ينطبق على جميع الأمور المتعلقة بالدنيا والآخرة ولها المتقدمها المختص. والالمتقدم الرئيسي في هذه الأمور هو الله سبحانه وتعالى. الله هو الخالق والمبدع لكل شيء، وهو الذي خلق الكون والإنسان وفقًا لنظام دقيق ومتقن، وحدد المقادير والحدود في كل شيء. بناءً على ذلك، فإن تحديد قيمة الأمور المختلفة في الحياة ومدى أهميتها لا يمكن أن يكون إلا من خلال الله ورسله وأوصيائه المعصومين(عليهم السلام). فإن الأئمة عليهم السلام هم أكمل تجسيد لخلافة الله على الأرض، وقد تلقوا علمهم مباشرة من الله بلا وساطة. لذا، من يرغب في تحديد مسار حياته وفهم كيفية اتخاذ القرارات الصحيحة في مختلف شؤونه، عليه أن يرجع إليهم، ويأخذ إرشادات حياته من علمهم.

إن مقدار سعادتنا ونجاحنا في الدنيا والآخرة يعتمد على مدى تطابق أسلوب حياتنا مع نهج المعصومين (عليهم السلام)، ومدى توافق سلوكياتنا وأعمالنا مع سلوكهم ونهجهم. إن جميع القيم والموازين موجودة بيد المعصوم، فهو الذي يحدد ما له قيمة وما هو عديم الجدوى. عندما ينهى المعصوم عن فعلٍ ما، فذلك يعني أنه ضار أو عديم القيمة وأن الإقدام عليه يجلب الخسارة، حتى لو كنا نشعر بالرغبة تجاهه. وبالمقابل، عندما يأمرنا بفعل معين، فهذا يدل على أنه ذو قيمة عظيمة، وأنه يسهم في نمونا ورقينا، حتى لو كنا ننفر منه أو نجده صعبًا. وقد عبّر النبي الأكرم محمد (صلى الله عليه وآله وسلّم) عن قيمة الأمور في حديثٍ رائع يمكن أن يكون مفتاحًا لتمييز الأولويات في حياتنا، حيث قال: “مَن بكى على الجنّة دخل الجنة، ومَن بكى على الدنيا دخل النار.”[2]

فلماذا يضع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) هذا التصنيف؟ السبب هو أن في ميزان القيم الحقيقية، لا تُقارن الأمور الدنيوية بقيمة الإنسان وحقيقته الوجودية، مهما بدت لنا عظيمة ومؤثرة. فعندما نحزن على فقدان شيء من الدنيا أو نغرق في مشاكلها ونقائصها، فإننا في الواقع نقلل من شأن أنفسنا ونحطّ من قيمتنا الإنسانية. ليست الدنيا هي قيمتنا؛ فقيمتنا الحقيقية وبهاءنا هو الجنّة وما فوقها. لقد خُلقنا لبلوغ هذه المنزلة، وعلينا أن نُوجّه كلَّ همّتنا لتحقيق هذ الهدف. والانشغالُ بالمسائل الدنيوية، والانهماك في الضغائن والأحقاد، واستعادة الذكريات المؤلمة والهزائم، وما إلى ذلك، لا يجلب لنا أيّ نفعٍ، بل يقلّل من شأننا ومكانتنا، ويبعدنا عن رضوان الله أكثر فأكثر.

تناولنا في هذا الدرس، موضوع الغفلة وعدم الانتباه، وعرفنا أنّ الغفلة وعدم الانتباه في بعض أمور الحياة مفيدٌ، ومُضرٌّ في بعضها الآخر؛ ثمّ تطرّقنا إلى قاعدة أصالة التخصّص، وقلنا إنّ قيمةَ الأمور المختلفة هي بيد المتخصّصين المعصومين. فهم وحدهم قادرون على أن يخبرونا بقيمة كلّ موضوعٍ يعترض طريقنا، وإذا ما كان يستحقُّ أن نُنفق عُمُرنا الثمين في سبيله، أم لا.

[1]  السعر المُقيَّم من قبل المتقدم

[2]  بحار الأنوار – العلامة المجلسي – ج ٩٠ – الصفحة ٣٣٣

اكتب رأيك