الغفلة عن الفرص الذهبية والأزمنة؛ نتائجها وسبل الوقاية منها

جدول المحتويات
الغفلة عن الفرص الذهبية والأزمنة؛ نتائجها وسبل الوقاية منها

إشارة إلى أهمية الأزمنة الثمينة ومفهوم الغفلة عن الفرص

تُعدّ الغفلة من أبرز العوامل وأشدّها تأثيرًا في شقاء الإنسان وتعاسته. فعندما نتحدث عن هذا المصطلح فإنما يُقصد به وجود حقيقة واقعة يُعرض عنها المرء ولا يوليها اهتمامًا. في الفلسفة الإسلامية تحمل الغفلة دلالات واسعة، تشمل الإعراض عن الله تعالى، والتغافل عن الجوانب الروحية، وعدم الانتباه إلى الشيطان، والسهو عن المعاد، وتضييع قيمة العمر، وعدم استثمار الطاقات الكامنة، وبوجه عام عدم الاكتراث بكل ما له صلة بسعادتنا بشكل‌ما. وفي هذا السياق، تبرز “الغفلة عن الفرص والأوقات الاستثنائية في حياة الإنسان” كأحد أهم أنواع الغفلة. فمما لا شك فيه أن مسيرة حياتنا المليئة بالتقلبات تزخر بالكثير من المواقف والفرص الذهبية في مختلف جوانب حياتنا المادية والمعنوية، وهي تمرّ مرّ السحاب، ولا تخلف لنا سوى الحسرة والندم. إننا لا نستطيع ادّخار الفرص في خزائن بيوتنا لنستفيد منها متى شئنا؛ لأنها محدودة، وإذا لم نستثمرها في وقتها المناسب، فلن تجدي نفعاً بعد فوات الأوان.

قد تؤدي فرصة تبدو قصيرة وبسيطة إلى نتائج مادية ومعنوية تفوق ما يمكن تحقيقها على مدار حياة كاملة. لو كانت ساعة العمر كلّها على وتيرة واحدة من القيمة، لأصبح التعويض أمراً عسيراً؛ إذ سيكون على من ضيّع خمسين عاماً أن يعوّضها بخمسين أخرى! ومن هنا، جعل الله تعالى أياماً مخصوصة، خصّها بفضلٍ زائد، لتكون ميداناً للتعويض والتقدّم. وكما ورد التأكيد في الروايات على ضرورة تعريض أنفسنا لنفحات الله الروحانية لعلّنا نفوز ونسعد.[1] وفي هذا السياق، فقد جعل الله للإنسان أوقاتًا يمكن أن تكون بمثابة أرحام زمنية قوية، أي أنها أزمنة تؤدي دورًا بنائيًا قويًا وسريعًا لنمو الروح الإنسانية، تمامًا كرحم الأم، الذي يُنشئ إنسانًا كاملاً من خلية واحدة في فترة وجيزة، وقد خصّها الله تعالى بعناية فائقة، وتتمثل في أشهر رجب وشعبان ورمضان المبارك. فشهر رجب، بما له من نورانية وقدرة، كفيل بأن يبني في المرء ما يعادل عملاً لستين عاماً. ومن أيقظ الله قلبه، وأبصر نفسه لا كمجرد جسد، بل كإنسان سالك في طريق الأبدية، يُدرك تماماً أن هذه الأيام ليست كسائر الأيام، وأنها قادرة على إحداث تحوّل عظيم في النفس. لكن للأسف، يفرّط الكثير من الناس بسهولة في هذه الفرص الذهبية، فيمضي عليهم شهر رجب كما مضت سائر الشهور، ولا يرون في شعبان ما يميّزه، ولا يتعاملون مع رمضان كما ينبغي، فيمرّ عليهم كغيره، دون أن يترك فيهم أثراً يُذكر!

 الوقاية من الغفلة عن الفرص وعلاجها

كما تبيّن مما سبق، فإنّ أعظم فنون الحياة هو اغتنام الفرص الفريدة التي تمرّ بنا، وزمن الاستفادة منها محدود. والسؤال الآن: كيف نحول دون الوقوع في فخ الغفلة؟ وكيف نستطيع بذكاء وفطنة أن نحقق أقصى استفادة ممكنة من كل فرصة ومن كل نفحة خير ورحمة تمر بنا؟

أشرنا سابقاً أنّ ساعةً واحدة من أوقات خاصة ثمينة كرحمٍ زمني، قد تعادل عشرات بل آلاف الساعة من أوقات أخرى من حيث القدرة على البناء والتغيير. علينا أن نكون على وعيٍ تام بقيمة الأوقات المختلفة حتى نتمكن من الاستفادة القصوى منها؛ فلا شكّ أن الإنسان الواعي، الذي عرف نفسه وآمن بالخلود، يُعِدّ لنفسه تقويماً عبادياً، يُدوَّن فيه مقاييس وقيم الأزمنة، لأنه يعلم يقينًا أن الأوقات ليست على درجة واحدة من الأهمية.

وللتعرّف على قيمة هذه الأوقات، يُوصى بكتابين بالغَي الأهمية والفائدة: مفاتيح الجنان والمراقبات. أما مفاتيح الجنان، تأليف الشيخ عباس القمي، فهو كتاب دقيق، منظَّم وفق منطق الآخرة، قسّم أيام السنة الـ365 تقسيماً رياضياً بيّن فيه قدر كلّ يوم وساعةه. وأما كتاب المراقبات، تأليف المرحوم الميرزا جواد آقا ملكي التبريزي، فهو كتاب عميق وعملي في آنٍ معاً؛ نستطيع من خلاله التعرف على الأوقات المباركة في مختلف أوقات السنة، ونستثمرها في بناء النفس وتعويض ما فاتنا. هذه الكتب تمثل دور المرشد، وتحتوي على قواعد خاصة. وإذا لم نتمكن من استخدام هذه القواعد بمهارة، فإننا سنفقد الكثير من الأزمنة النفيسة؛ بل قد نتسبب، بسبب سوء تقديرنا واختيارنا لما لا يناسبنا من أعمال أو أوقات، في تدهور حالتنا الروحية.

في هذه المقالة، وبعد الإشارة إلى القدرة التعويضية للأزمنة النفيسة، كأرحام زمنية، تناولنا مفهوم الغفلة عن الفرص والأزمنة الخاصة، وبيّنا أنّ الكسل والغفلة في أي من الأزمنة المباركة من رجب وشعبان ورمضان، سيحرمنا من اكتساب الخيرات والبركات في الأوقات اللاحقة. كما اقترحنا طريقين لعلاج الغفلة والسهو عن هذه الأيام.

ما هي برأيكم سبل أخرى يمكن أن تساعدنا على اغتنام الفرص والأيام الخاصة في أعمارنا، حتى لا نقع في شَرَك الغفلة؟ نحن بانتظار آرائكم الثمينة.


[1] رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: “إن لربكم في أيام دهركم نفحات، ألا فتعرّضوا لها”.

اكتب رأيك