لماذا نحتاج إلى الامتحان؟ ما العلاقة بين سُنَّة الابتلاء وحياتنا؟
نُواجه جميعًا في حياتنا أنواعًا من المشكلات التي قد تُعكّر صفو أيامنا، وتُلقي بظلالها الثقيلة على الشهور، وربما السنوات، فتمحو بهجة الحياة وتسرق ألوانها الزاهية. بعضنا ينهار تحت وطأة هذه الشدائد والمحن، بينما يتمكّن البعض الآخر من التكيّف مع آلامها وضغوطها، فلا يسمح لها بأن تعيق مسارهم نحو غاية وجودهم. في الحقيقة، قد وصل هؤلاء إلى إدراك عميق بأنه لا مفرّ من سُنّة الابتلاء. قد نتساءل: “لماذا أصابتني هذه المحنة؟”، “لماذا أصبحتُ مَدينًا؟”، “ما هذا البلاء الذي حلّ بي؟” وعشرات أو مئات الأسئلة المشابهة…
من الجدير بالذكر أن وجودنا كبشر مقرون بالمشقة. فالملائكة والحيوانات، لأن سلوكها غريزي، لا تتعرض للبلاء والمحن. أمّا نحن البشر، فنخضع لسنّة الابتلاء بفضل ما نملكه من إرادة واختيار. لكن يبقى السؤال: لماذا نُختبر بالمعاناة والبلاء؟ وما العلاقة بين سُنّة الابتلاء وحياتنا في هذه الدنيا؟ وهل في البلاء والامتحان منفعة تُرجى لنا؟
كلمة “ابتلاء” مشتقة من الجذر “بلو” أو “بلي”، وتعني الاختبار والامتحان.[1] أما كلمة “امتحان” فهي من الجذر “محن”، وتعني الصهر أو الصقل. ففي علم الكيمياء، لتخليص المعادن الثمينة من الشوائب، يجب أن تُصهر في أفران النار. بعد هذه المرحلة، يكتسب المعدن جماله وقوته ويصبح نقيًا خالصًا. أي أن جوهر المعدن يظهر بهذه العملية ويصبح أكثر قيمة ونفاسة. وبالمثل، فإن الابتلاء للإنسان وسيلة لتقييم جوهره وحقيقته. فمدى وجود الشوائب في كياننا، ومدى صحة الادعاءات التي نرفعها، لا يتضح إلا من خلال الابتلاء والامتحان.
ما سبب حاجة الإنسان إلى الابتلاء؟
إن الإنسان بطبيعته لا يميل إلى المشقة والشدائد، بل يفضل أن يحيا حياته في رغد ويسر. لذا، إذا غاب عنه فهم طبيعة هذه الدنيا كـنادٍ تدريبي للتعالي والنمو، فمن الطبيعي أن يتبادر إلى ذهنه تساؤل: لماذا أحتاج إلى سنة الابتلاء؟ أو لماذا أتعرض للامتحان والاختبار أصلًا؟
كما نعلم، فإن الكون الذي نعيش فيه يسير وفق قوانين وقواعد إلهية محكمة. ومن الطبيعي أن فهم هذه القواعد وتطبيقها يُعد مفتاحًا لنجاح الإنسان في حياته وتحقيق أهدافه. ومن أهم هذه السنن الإلهية هي سُنّة الابتلاء. هذه السُنّة تعني أننا نُخضَع للاختبارات في مواقف مختلفة، ليس لمعاقبتنا، بل لإثبات حقيقة ما ندّعيه، ولتتضح لنا نقاط قوتنا وضعفنا. وبما أن الابتلاء هو جزء أصيل من تصميم هذا الكون، فإنه يشملنا جميعًا دون استثناء، فلا يوجد أحد بمنأى عن هذه الاختبارات.
لا بدّ وأن مررنا جميعًا بلحظات شعرنا فيها بالخوف، أو فقدنا صحتنا، أو لم نصل إلى النتيجة المرجوّة رغم كل جهودنا.[2] كلّ واحدة من هذه التجارب يمكن أن تكون شكلاً من أشكال الامتحان. إنّ النظام الذي يقوم عليه هذا العالم مُصمَّم بطريقة تجعلنا في حالة تقييم دائم لترتيب أولوياتنا، ونمط محبتنا وولائنا. هذه التقييمات قد تأتي في هيئة مشكلات وصعوبات وأمراض، وقد تظهر أحيانًا في صورة وفرة النِعَم، أو كمالات حسيّة، أو علميّة، أو روحيّة. الخضوع للامتحان أمر ضروري، لأننا في كثير من الأحيان نكون مخدوعين حتى بأنفسنا، ولا نرى حقيقتنا كما هي. فلو لم نُوضَع في ظروف واختبارات معيّنة، قد نظنّ في أنفسنا ما ليس فينا. إذ يمكن للعقل أن يقع تحت تأثير الوهم، فيخدعنا ويُضلّ رؤيتنا لذواتنا.
إذن فالشيطان وقوة الوهم يسعيان دوماً إلى تزويدنا بمعلومات مغلوطة عن النفس، فيُخفون عنا نقاط ضعفنا، أو يُشغلوننا بكمالات وهمية، ليبرروا لنا ما فينا من خلل وعيوب. ونتيجة لذلك، ننتقل إلى البرزخ ونحن نظن أننا في حالة من السلامة، دون أن نكون قد عالجنا تلك الأمراض والمشاكل فعليًا.
الحياة الأبدية هي حياة حقيقية، ولذا فإنّ قياس مدى سلامتنا في الآخرة يتطلّب معيارًا حقيقيًا. وفي هذا السياق، ليس هناك مرآة أصدق من القلب تُظهر لنا مدى صفائنا الروحي ونقاء باطننا. ويكشف القلب عن هويته وجوهره الحقيقي عند دخوله في بوتقة الابتلاءات والامتحانات، ويُظهر بصدق ما الذي قبِله بوعي وصدق. فعلى سبيل المثال، قد نعتبر أنفسنا أشخاصًا خيرين ومحبين للإنسانية، لكن ما إن تُمسّ مصالحنا المادية والشخصية حتى نتجاهل حقوق الآخرين بسهولة. أو نظن أن لدينا إيمانًا دينيًا راسخًا، لكن حين نعيش في بيئة مختلفة أو وسط عائلة متحررة من القيود، نكتشف هشاشة معتقداتنا. وربما نتصوّر أننا أناس سعداء وهادئون، لكننا نصبح سوداويين ومتذمرين فور فقداننا للثروة والممتلكات.إذن سُنّة الابتلاء هي الطريقة التي يُظهر الله لنا بها عيارنا الحقيقي عند مواجهة الصعاب، ويُعرّفنا على ذواتنا كما هي، لا كما نتوهّمها.
كيفية اجتياز الامتحانات
قد يُخفِي الكثير منّا في أعماقه أمنية النجاح في الامتحانات والخروج مرفوع الرأس من سُنّة الابتلاء، لكن السؤال هو: كيف يتمكّن بعض الناس من اجتياز الاختبارات الإلهية منتصرين، بينما يستسلم آخرون للفشل ويُظهرون العجز واليأس؟ في الواقع، يُعدّ الابتلاء سنّة إلهية شاملة لكل البشر، والخطوة الأولى للنجاح في هذا الامتحان هي قبوله. فعندما نلتحق بالمدرسة، ندرك ونقبل أن الانتقال إلى الصف الأعلى يتطلب اجتياز الامتحانات المقررة. ومن ثمَّ، بدلًا من الاستسلام للإحباط أو اليأس، نستعدُّ لهذه الاختبارات على أكمل وجه، واثقين بأنها مُصمَّمةٌ بما يتناسب مع قدراتنا، وأنها ضروريةٌ للارتقاء إلى المرحلة التالية.
تتبع امتحانات الحياة المنهج ذاته؛ فهي مُعدّة من قِبل مُربّينا، ومتناسبة مع طاقتنا وقدرتنا تماماً. فإذا كنّا قد عرّفنا “ذواتنا الحقيقية” تعريفًا سليمًا، فلن نشعر بألم شديد عند فقدان بعض النِعَم، بل سنركّز على ما تحمله هذه المحن من آثار بنّاءة ومفيدة. وهذا يعني أننا ننظر إلى سُنّة الابتلاء على أنها جزء من عملية التربية الإلهية؛ فالله، كمربٍّ عليم يعرف تمامًا حالتنا ولا يكلّفنا بما يفوق وسعنا، ولا يُدرّبنا على ما لا طاقة لنا به. كما سُنّة الابتلاء فرصة ثمينة لتحويل الكثير من قدراتنا الكامنة إلى قدرات فعليّة وحيّة. وإذا كنّا أذكياء وبصيرين، فسنستغلّ هذه الفرصة القصيرة والمحدودة في الدنيا لنكتسب من خلال مختلف الابتلاءات، أسماء الله الحسنى، فنقترب بذلك من صفاته، ونسير نحو الغاية من خلقنا، ألا وهي التخلّق بأخلاق الله والوصول إلى كمال الإنسان الحقيقي.
إنّ الانتباه إلى قصر الحياة الدنيا مقارنةً بالأبدية التي تنتظرنا، هو طريق آخر يجعل تحمّل الابتلاءات والاختبارات أسهل علينا. فعندما ندرك أن عمر الدنيا، بكل ما فيها من صعود وهبوط ومشاق، لا يعدو أن يكون شيئًا يسيرًا أمام الآخرة، كما أن عمرنا الجنيني لا يُقارن بعمرنا في الدنيا، فإنّ مصاعب الدنيا تتضاءل في أعيننا. بالإضافة إلى ذلك، فإن تذكّر الأبدية، وما يولّده في دواخلنا من قوة على تحمّل الصعوبات، يمنحنا مناعةً أقوى في مواجهة التحديات.
تناولنا في هذه الدراسة ماهية سنة الابتلاء، مُشيرين إلى أن الامتحان والاختبار هما السبيل لكشف مدى صدق ادعاءاتنا. لقد صُمّم نظام الدنيا بحيث يُخضعنا باستمرار للاختبار فيما يتعلق بكيفية تنظيمنا لنظام محبتنا. إلا أن الابتلاءات والاختبارات الإلهية تقتصر على أبعاد وجودنا الدنيا والطبيعية. ويُعدّ قبول الامتحان الشرط الأول للنجاح فيه. ومن خلال استحضار قصر مدة الدنيا في مقابل الأبدية المقبلة، يمكننا تجاوز الامتحانات الإلهية بيسر أكبر.
ما هو رأيكم في سنة الابتلاء؟ وإلى أي مدى ترون أنفسكم ناجحين في اجتياز الامتحانات الإلهية؟
[1] اقربالموارد، ج۱، ص۲۰۲، «بلی»
[2] . سورة البقرة؛ الآية 155