أيّ جانب من وجودنا تمسّه الامتحانات الإلهية، وما الغاية منها؟
في الدروس السابقة تناولنا مفهوم الابتلاء وحقيقته، وبيّنا أن الدنيا بمثابة نادٍ روحي لتربية الإنسان ونموّه، وأن سنة الابتلاء من السنن الإلهية الحتمية التي لا مفر منها. في هذا المقال، نرغب في التعمّق أكثر في حكمة الامتحانات الإلهية؛ ما العلاقة بين الجانب الإنساني فينا وبين وقوعنا في صنوف المشقّات والابتلاءات؟ وما الذي يُفترض بنا أن نحققه من هذه الاختبارات الإلهية؟ وما النتائج التي ستظهر في حياتنا خلال هذه المعاناة والتحديات؟
لو سُئلنا خلال فترة الدراسة: “لماذا تدرسون؟”، لكان جوابنا مرتبطًا بهدف نطمح إليه في المستقبل. فنقول: “أدرس لأصبح طبيبًا، أو معلمًا، أو مهندسًا، مستشارًا… إلخ”. أو: “لأطور مهاراتي في مجال معين”. فالغاية الحقيقية أننا نسعى للوصول إلى مكانة نحلم بها، ونكون مستعدين لتحمّل الصعوبات والمشاق من أجل هذا الهدف الذي رسمناه لأنفسنا.
ينبغي أن تكون نظرتنا إلى الامتحانات الإلهية على هذا النحو أيضًا. فقد نخطئ – بسبب جهلنا بأبعاد وجودنا أو طبيعة الدنيا كنادٍ للتربية والنمو– فنعتبر هذه الاختبارات ظلماً أو قسوةً من الله، لكن الحقيقة أن معظم الظروف التي تسبب لنا الغضب، الاستياء، الحقد، الحزن، اليأس، الخوف، أو الجوع، هي في الواقع بمثابة مقياس لسلامة قلوبنا وأرواحنا. فهذا القلب هو رأس مالنا الوحيد في الآخرة، وإذا توهمنا سلامته بينما هو عليل، فإننا سنواجه أبدية مملوءة من العذاب.
الامتحانات الإلهية وتنمية البعد الإنساني
صحيح أن الامتحانات الإلهية تدخل حياتنا كضيوف غير مرحّب بها، لكن بنظرة متأنية سنُدرك أن حكمة هذه الآلام والمحن لا تنفصل عن تسريع نموّنا الإنساني وتكاملنا الروحي. فكما أن بلوغ القمة عند متسلّق الجبال لا يتحقّق دون إرهاق وقلّة نوم وتمارين شاقة، فإن السير نحو التشبّه بصفات الله والوصول إلى غاية الخلق لا يتم إلا عبر اجتياز هذه الامتحانات الإلهية. ولكن، كيف تُسهم البلايا والمحن في ترقية هذا الجانب من كياننا؟
هل سبق لك أن تأملت في خلق ذرّة؟ هل يمكننا أن ندعي أن الذرة أصبحت أكثر كمالًا إذا وضعناها في ظروف خاصة؟ بالطبع لا، لأن كل مخلوق في نظام الخلق وُجد في ذروة كماله المناسب له. فالذرّة لا تُصبح “أكثر ذرّة”، والحصان لا يمكن له أن يصبح “أكثر حصاناً”. حتى الملائكة وسائر المخلوقات قد خُلِقوا في أعلى مراتبهم دون أن يكون لديهم مجال للارتقاء إلى درجة أعلى. إنّما الإنسان هو من يمتلك القدرة والقابلية على المضي نحو الكمال المطلق واللانهائي.
لكن هذا المسير نحو الكمال يحتاج إلى أدوات وآليات يهيّئها الرب الخالق الحكيم، وفي ضوء محدودية زمن الدنيا، تُعدّ الامتحانات الإلهية الوسيلة الأكثر غائيةً لرفع وجودنا إلى مراتب أعلى، فهي أداةٌ تُنقّينا من كل الشوائب وممّا يربطنا بأبعادنا الجمادية والنباتية والحيوانية والعقلية، تمهيدًا لتحرير جوهرنا الإنساني الأصيل.
إن معظم ما نواجهه من مشاق وتكاليف في الحياة، موجهة إلى الجانب غير الإنساني من وجودنا فحسب. إننا قد نغرق في الاهتمام بالمظاهر والرغبات الدنيا من كياننا، فنتجاوز الحدود في تلبية الغرائز والتعلّقات، ونُهمل تغذية البُعد الإنساني من وجودنا. فنكتفي بمحبوبات زائلة وكمالات محدودة غير إنسانية. هنا تبرز حكمة الابتلاءات الإلهية المتتالية التي تتيح لنا التحرر من هذه التعلقات، ومواجهة حقيقتنا الجوهرية، أو استخدام هذه المحن كوسيلة للارتقاء إلى مراتب وجودية أسمى.
لماذا لا نعتبر البلايا الإلهية ظلمًا؟
كثيرون ممن يواجهون اختبارًا إلهيًا يصفونه فورًا بالظلم والجور، ويتولد لديهم شعور بالبعد عن الله وربما يعاتبونه في سرّهم أو علنهم. لكن هل هذا التصور دقيق؟ هل ضمن الله لنا دوام النعم التي أنعم بها علينا؟ الحقيقة أن القرآن الكريم حذرنا مرارًا من زوالية الدنيا وعدم بقائها، وبيّن أدوات الاختبار التي يختبرنا بها. نحن -بسبب بعدنا عن ذواتنا الحقيقية- نتعلق بكمالات زائلة ونعتبر النعم الدنيوية مؤبدة، بينما هي في جوهرها مؤقتة وأن كل ما فيها ليس إلا وسائل اختبار وأدوات تمحيص.
المشكلة هي أننا ـ بسبب ابتعادنا عن حقيقتنا الأصلية ـ قد تعلّقنا بالكمالات الدنيوية والمحبوبات التي تنتمي إلى الجوانب الدنيا من كياننا، ونتعامل مع متع الحياة وكأنها أبدية لا تزول. بينما تخيّل مثلًا لو استودعك صديقٌ طفله لديك أيامًا، ثم استرده، فهل تعتبر ذلك ظلمًا؟ بالطبع لا، لأنك تعلم أنه كان مجرد أمانة مؤقتة، وقد عاد إلى صاحبه الحقيقي. من المدهش أن الكثير من الناس لا يرون الأمر بهذه البساطة عندما يتعلّق الأمر بنِعَم الله! فحين يُقرّر الله، بحكمته، أن يستردّ نعمة ما، أو يحرِمنا من شيء كنا نحبّه، من أجل أن يُنمّي فينا البُعد الإنساني ويقرّبنا من “الذات الحقيقية” فينا، نُسارع إلى الاعتراض والشكوى. ذلك لأننا لم نفهم بعد طبيعة هذه الحياة باعتبارها “نادياً تربوياً”، ولم نتعرّف على حقيقة أنفسنا بكل أبعادها. لذا نتوقّع أن تجري الحياة دائماً بحسب أهوائنا، هادئة، سهلة، خالية من التحديات.
الحقيقة أن أكثر ما يُؤذينا في الابتلاءات، هو نظرتنا القاصرة للحياة، حين نحصرها في حدود الدنيا فقط. فالذي لا يتصوّر لنفسه حياة أبدية بعد الموت، لا يجد مبرراً لاحتمال العناء والمشقّة في هذه الدنيا، ويكون كتلميذ لا يرى لنفسه مستقبلاً دراسياً أو مهنياً ينتظره، فيفقد الدافع للمذاكرة، والسهر، والتركيز، والعمل الجاد.
نحن نصبر على قدر ما نؤمن بوجود الآخرة، ونحتمل على قدر ما نثق بأن الله ربٌّ حكيم، يربّينا بحبّ ويقودنا نحو كمالنا المنشود. وكلّما زاد يقيننا بهدفنا، وعمق فهمنا لحقيقة الدنيا، زاد استعدادنا لتحمّل البلاء، لا باعتباره ظلماً، بل باعتباره طريقاً نحو النضج والاكتمال.
وكذلك نحن، كلّما ازداد إيماننا بحقيقة الآخرة، واشتدّت ثقتنا بربّنا كمدبّرٍ ومربٍّ لحياتنا، ازددنا استعدادًا لتحمّل المصاعب وتقبّل الشدائد في سبيل الوصول إلى كمالنا الحقيقي.
الامتحانات الإلهية وتناسبها مع القدرات البشرية
تخيّل أنك سجّلت في نادٍ رياضي لا تملك فيه أيّ خبرة سابقة. ما الذي تتوقّعه من المدرّب؟ من البديهي أن تنتظر منه برنامجاً يتناسب مع وزنك، وعمرك، وجنسك، ومدى لياقتك البدنية وقدرتك الجسدية. وفي الوقت نفسه، لأنك تثق بمدرّبك، فأنت على يقين بأنه لا يُثقلك بتمارين فوق طاقتك ليُقصيك عن التدريب أو يهزمك منذ البداية. بل غايته أن يُنمّي قواك، ويُخرج منك أفضل نسخة ممكنة. هذا النموّ بطبيعته لا يتحقّق إلا ببعض المشقّة، لكنه في الوقت ذاته لا يتجاوز قدرتك على التحمل.
تماماً كما نتعامل مع أطفالنا الصغار عندما نعلّمهم المشي أو تسلّق الحواجز: نمسك بيدهم وندعمهم، لكننا في الوقت نفسه ندفعهم إلى حدود قدرتهم حتى يشعروا بالثقة بأنفسهم ويستقلوا في خطواتهم. وهكذا هي الابتلاءات الإلهيّة؛ هي الأخرى تتناسب مع قدراتنا الوجودية.
ولكن، بما أننا كثيرًا ما نتلقّى هذه الامتحانات من موقع أبعادنا الدُنيا، فإننا نبدأ بالاعتراض والشكوى. في حين أن “مدرّب” العالم لا يغفل عن شيء، فهو يُراعي أعمارنا، ومراتبنا، واحتياجاتنا، وأهدافنا، وطاقتنا، ومواهبنا، وما نملكه وما نفتقده، وغير ذلك من الاعتبارات. وكما قيل: «كلّما زاد القرب، زاد الابتلاء». [1] ولهذا فإن أشدّ الناس بلاءً هم المعصومون، والأنبياء، وأولياء الله.
لكن، إذا تم تغذية البعد ماوراء العقلي، فلن يصيبنا ابتلاء إلا ونحن قادرون على تحمّله. لأن الابتلاء لا يمسّ جوهرنا الحقيقيّ، بل يُطهّره. وكما قال الشهيد مطهري: البلاء نعمة، حين نستثمره، ونصبر ونثبت، ونجعل منه جسراً إلى ارتقاء أرواحنا. أما إذا ما اخترنا الهروب والتذمّر، فحينها، نعم، يكون البلاء بلاءً بحق. [2]
في هذا الدرس، تعلّمنا أن الدنيا هي ساحة اختبار، نُعرَض فيها للمحن والشدائد، لا لنعذَّب، بل لنقترب من حقيقتنا الأصيلة. وأدركنا أن البلايا تمسّ الأبعاد غير الإنسانية من وجودنا، فتُعيننا على بلوغ الغاية التي خُلقنا من أجلها. وفي النهاية، تأكدنا أن الابتلاءات متناسبة تمامًا مع سعة أرواحنا وقابليتنا للنمو.
هل سبق أن مررت بتجربة ابتلاء شعرت بعدها بحلاوة؟ كيف تتصرّف عادة عندما تطرق بابك إحدى امتحانات الله؟
[1] ملا أحمد النراقي، معراج السعادة، الباب الرابع
[2] مجموعة آثار، مرتضى مطهري، صدرا، الجزء الأول، الصفحة 183