هل السكينة والسرور علامات قلب سليم؟ ما هو السر الخفي للوصول إلى السعادة والطمأنينة؟
في عالمنا المليء بالفوضى والضجيج، يظل سؤال كيف نبلغ السكينة والسرور؟ من أكثر أسئلة إثارةً للباحثين والمفكرين. وأهم عامل للسكينة والسعادة هو الصحة، ذلك الجانب الحيوي الذي لطالما كان محور اهتمام العلماء ودراساتهم. فالصحة هي الركيزة الأولى والأساسية لحياة مريحة بلا ألم أو معاناة؛ إذ لا يمكن للإنسان الاستمتاع بأي شيء أو متابعة حياته اليومية إذا شعر بأقل ألم. لكن، هل الشعور الجيد بالصحة يقتصر على الجسد فقط؟ أم أنه يمتد أيضًا إلى بُعدنا غير المادي، أي أرواحنا وقلوبنا ونفوسنا؟ فلو كان الجسد سليمًا، لكن القلب خالٍ من السرور والسكينة، هل يمكننا حينها أن ندعي أننا سعداء حقًا؟
لا شك أنك صادفت أشخاصًا في حياتك يمتلكون رفاهية مالية واجتماعية ومكانة ظاهرية مرموقة، ومع ذلك يعيشون في ظل الاكتئاب والحزن والقلق. فهل نكون مخطئين إذا ادّعينا أن القلب السليم هي العامل الأهم في إنتاج شعورنا بالراحة النفسية؟
لكن، ما هي علامات القلب السليم؟ وكيف تظهر هذه العلامات في داخلنا؟ للإجابة على هذا التساؤل، لا بد من الإشارة إلى أهمية الرياضيات في خلق الكون. فالكون مصمم ومخلوق على أساس نظام رياضي لا يتغيّر. لا يمكن للإنسان أن يتلاعب بهذا العلم أو يُبدّل قواعده. فهل يمكننا، مثلاً، أن نقول إن ناتج ضرب اثنين في اثنين هو خمسة؟ أو أن ثلاثة زائد ثلاثة يساوي ثمانية؟ بالطبع لا.
في عالم الخلق، يسود هذا النظام الثابت أيضًا. فمثلاً، كلنا نعلم أن الإفراط في تناول أطعمة دهنية ومالحة يؤدي إلى ارتفاع ضغط الدم، أو أن الإدمان على الحلويات يؤدي إلى ارتفاع السكر ومرض السكري. فهل يستطيع أحد أن يدعي أنه محصن من هذه القوانين وأن تناول أطعمة ضارة لن يضر صحته؟ بالطبع لا. وهكذا، لا يمكننا الهروب من قوانين الرياضيات في الكون.
وتمامًا كما أن للصحة الجسدية علامات واضحة، فإن قوانين الوصول إلى الصحة لها مساراتها وصيغها الخاصة. وكما ندرك سلامة الجسد بغياب الألم والاضطراب، فإن سلامة القلب لها دلالات خاصة: السكينة والسرور هما مؤشران لـسلامة القلب، وهما علامتان لا تتحققان إلا عبر مسار رياضي ثابت ومحدد.
من المستحيل أن يكون القلب قد شُفي من مرضه ووصل إلى عافيته ومع ذلك يظل خاليًا من السرور وسكينة، حتى لو قضى صاحبه سنوات في عبادات شكلية. إن قلوبنا مُلزَمة باتباع مسار واضح، وتعلم صيغ محددة، وممارستها، وجعل هذه القواعد جزءاً من نمط حياتها، لتتمخض عنها مؤشرات القلب السليم. يشبه الأمر مريض لا يملك خياراً سوى تطبيق وصفة طبية والتزام بحمية غذائية. لكي نفهم صيغة إنتاج السرور والسکینة في القلب، ونفهم بدقة أكبر كيفية اكتساب علامات القلب السليم، تابع معنا هذه الرحلة المعرفية.
سر السكينة والسرور
ذكرنا أن القلب لا يبلغ سلامته إلا حين يتمكن من إتقان هندسة محبوباته؛ أي أن يوازن بين محبة والتعلق بالمحبوبات الدنيوية ذات المستوى الأدنى (كالثروة، والأسرة، والتعليم، والجمال، والممتلكات، وغيرها)، ليقتصر عليها في حدود تلبية الحاجة، مع منح الأولوية المطلقة للمحبوب الذي يمثل الجانب الإنساني والإلهي في الوجود، وهو “الله عز وجل”. لن تتحقق سلامة القلب وطهارة النفس إلا لمن ارتبط ارتباطاً عميقاً وأنس وتمازجت روحه بالمحبوب الأصيل والإلهي. وكما علمنا، فإن أهم ثمار يجنيها الإنسان من حديقة قلب سليم هي السكينة (الهدوء/الطمأنينة) والسرور، وبإمعان النظر، ندرك أن المعادلة الرياضية لتحقيق السكينة والسرور تتمثل في امتلاك قلب سليم. ولنيل هذا القلب، يجب أن يكون تصنيف المحبوبات وترتيبها بحيث يحتل الخالق والمحبوب الإلهي المرتبة الأعلى والأحب في حياتنا. تتضح هذه العلاقة المنظَّمة في المعادلة التالية:
فلنغُص أكثر في معنى “هندسة صحيحة للمحبوبات”. هنا يحسن أن نتوقف عند تعريف أعمق لـ الزواج. فالزواج ليس مجرد اقتران رجل بامرأة، بل هو “ازدواج”، أي أن كل ما نتعلّق به، ونأنس له، ونصير أوفياء له، نصبح في حكم “الزواج” معه، فيغدو شريك قلبنا. وقد يكون هذا المحبوب ثوبًا أو مالًا أو شهادةً أو شخصًا… أو يكون أعظم الموجودات: الله سبحانه.
فإذا اقترن القلب بالله، وأصبح في أُنسٍ دائم معه، فحينها، وبما أنّ الله هو مصدر الراحة والسرور، تتدفّق السكينة والسعادة إلى القلب، ويظهر فيه أثر القلب السليم. وهذه السعادة ليست سطحية عابرة، بل إحساس داخلي عميق، راسخ، موصول بمصدر لا ينفد، فلا تزعزعه الظروف، ولا تذروه رياح الحزن والاضطراب.
ذلك أنّ أقدس ما فينا، أي الجزء الإلهي من وجودنا، لا يهدأ إلا بالله، ولا يغتني إلا به؛ فقلبنا كالعطشان، لا يرويه إلا ماء الحياة: ذكر الله، ومجالسته، والأنس به. تماما كما أنّ العين لا تبصر إلا بالنور، ولا تسكن إلا فيه. فإن كنّا نمارس الشريعة والعبادات، ثم لا نجد في أعماقنا بهجة ولا سكينة، فهذا يعني أنّ علينا أن نراجع أنفسنا: أين الخلل في أعمالنا؟ وأين انقطع ما يصل القلب بربّه؟ فالعبادة بلا اتصال قلبي لا تثمر قلبًا سليمًا، ولا تُولّد السكينة والسرور، والتي هي دليل السلامة الروحية وعنوان القرب من الله.
موانع کسب السكينة والسرور
نحن في رحلة البحث عن السكينة والسرور ، نجرّب طرقًا شتّى. بل إننا — من حيث لا نشعر — نلهث وراء إشارات قلب سليم. فنبدّل ملابسنا، ونغيّر أثاث بيوتنا، ونستبدل سياراتنا، ونسعى وراء رشاقة الأجساد في النوادي والرياضة، ونطبخ ألوان أطعمة شهية، ونلاحق أفلام وموسيقى جديدة، ونعقد مجالس ولقاءات متنوعة، ونرتقي في مدارج الدراسة والمعرفة. لكن مهما تنوّعت هذه المحاولات، لا تمنحنا إلا سرورًا عابرًا، يبهت سريعًا، ليعود شعور النقص يقرع أبوابنا من جديد. لأنّ القلب لم يتغذّ بغذاء يليق به، ولم يجد الزوج الرفيق والمعشوق الحق الذي يسكن إليه. تخيّل طفلًا انتُزع من حضن أمّه، واشتعل فيه الشوق إليها؛ قد تُلهيه الدمى الملونة، والحلوى الطيبة، واللعب المبهجة لساعة، لكن سرعان ما يعود بكاؤه، وتفور غربته، ويمتدّ حنينه إلى صدر أمّه. الأم هي المعشوق الأصيل لذلك الطفل، ولا راحة له إلا في حضنها.
وكذلك نحن: كل ما يحيط بنا من كآبة وضيق واضطراب إنما سببه أنّنا احتمينا بمعشوقات عابرة كأنها دمى تُسكننا هنيهة ثم تتركنا في فراغ أعظم. لقد وارينا المعشوق الأوحد — الله سبحانه — تحت ركامٍ من محبوبات زائلة، فمرض القلب بفقده، وافتقر إلى سعادته وطمأنينته، وغابت عنه أمارات قلب سليم.
نحن نظنّ أنّ بالمال، والجمال، والعلم، والسلطان، والشهرة سنبلغ الراحة والسكينة؛ لكنّنا كلما تشبّثنا بها ازدادت همومنا، وتعاظمت مشاغلنا، واشتدّ اضطرابنا. ذلك لأنّنا لم نكتشف حقيقتنا، ولم نعرف معشوقنا الفاتن الحقيقي، فانجررنا إلى “زيجات خاطئة متكرّرة” مع محبوبات دنيوية محدودة، فكانت النتيجة: خيبة، وحزن، وانكسار.
كل وجع في القلب، وكل سقم في الروح، وكل فتور وكآبة، سببه البُعد عن مركز السكينة: الله جل جلاله. ولو كانت السعادة مرهونة بالمال أو الجمال أو العلم أو الشهرة، لما كان أعلى معدّلات القلق والأمراض النفسية بين الأغنياء والمشاهير. إنّ قلوبنا جائعة إلى السكينة، لكننا نتصرف كجائعٍ يلتقط الفتات، يرضى بلذّة عابرة وشبع موهوم، فلا يشبع، بل يظلّ مثقلًا بآثارها المضرّة — كالمرض والسمنة — زمناً طويلًا.
القلب ضيف الله في حرمه
القلب السليم هو ذاك القلب الذي تحرّر من زخارف الدنيا ومن معشوقاتها اللامعة العابرة؛ لذلك يبلغ بسرعة ويسرٍ إلى علاماته الحقيقية: السكينة والسرور. قد يُصاب هذا القلب أحيانًا بجرحٍ عاطفي، وقد يفيض دمعه عند المصائب، لكنه لا ينهار في جوهره، ولا تتزعزع فيه سكينة الروح، ولا تمسّ كرامته الإنسانية بسوء، ولا يعرف معنى الفراغ أو الحقارة أو اليأس؛ لأنّه موصولٌ بمصدر السكينة، ومنقطعٌ عن منابع الاضطراب والهمّ.
إنّ القلب هو حرم الله المقدّس. فإذا أدخلنا فيه همومًا وأوهامًا أرضية، فقد غصَبنا مكان الله فيه. وبيت الله لا يليق أن يدخله غيره؛ فإذا تجرّأت معشوقات دخيلة على اقتحامه، وجلست في غير موضعها، لم تثمر إلا قلقًا وهمًّا؛ لأنها اغتصبت مقامًا ليس لها، فكان الجزاء ضيقًا وكآبة.
إنّ إنتاج السكينة والسرور في حياة الإنسان، باعتبارهما أبرز دلائل قلب سليم، له معادلة واضحة. واختياراتنا وعلاقاتنا تؤثّر تأثيرًا مباشرًا وفوريًا في فاعلية هذه المعادلة. فاختيار المعشوقات، ونمط ارتباطنا بها، هو الذي يحدّد مستوى السكينة والسرور في حياتنا، وهو الذي يرسم لنا طريق نيل علامات القلب السليم.