ما مفتاح إدارة أسلوب الحياة؟ وكيف نصنع من المحبّة سبيلاً إلى السعادة

جدول المحتويات
تنظيم نظام المحبة: مفتاح إدارة أسلوب الحياة

تنظيم نظام المحبة: مفتاح إدارة أسلوب الحياة

يُعَدّ «نظام المحبة» أحد أهمّ العوامل المؤثرة في أسلوب حياتنا، ولا سيّما في الميادين الأربعة الرئيسة: الاختيار، والعلاقة، والفكر، والسلوك. فكلّ إنسان، سواء كان من أهل الفطرة أو من أصحاب النظرة الماديّة، يبني أسلوب حياته وفق نوع تعلّقاته القلبية وترتيب أولوياته في المحبّة.

لقد خلق الله البشر جميعاً على فطرة واحدة، غير أنّ الاختلاف في المحبوبات والاختيارات هو ما يُنتج أنماطاً شتّى من أساليب الحياة. فمن جعل الله تعالى ربَّه وهادِيه، نظّم محبّوباته وفق نموذج قدّمه القرآن الكريم، وبهذا يُمكنه أن يتولّى إدارة أسلوب حياته بوعيٍ وبصيرة، فيوجّه ارتباطاته العاطفية وجهةً مقصودة وهادفة.

إنّ كلّ كائن حي يميل بفطرته الى غذائه الخاص ومادته الملائمة، ويُعدّ عزوف الكائنات عن غذائها أو فقدان شهيتها إليه دليلاً قاطعاً على اعتلال أو ضعف أو شبع. وفي هذا السياق، يتكوّن الكيان الإنسانيّ من أبعاد خمسة متمايزة، ويحتاج كلّ بُعد منها الى قوته الخاص ليتحقّق توازنه وغذاؤه. وأمّا البُعد الإنساني فينا، وهو نواة جوهرية لوجودنا، فله أيضاً مورده الغذائي المخصوص. إنّما هذا القوت هو ذكر الله ومحبته. وعليه؛ فإذا ما تملّكنا الجمود وغاب عنّا الشوق لتلقّي هذا الغذاء الروحي، أو إذا لم نجد فيه لذّةً أو طمأنينة، وجب علينا النظر في علاج هذه العِلّة الروحية قبل كلّ شيء، إذ إنّ فقدان الشهية للقوت الإلهي يشير الى داء يجب استئصاله.

ان هذا الجمود قد يحدث في كثير من الأحيان بسبب الإهمال وطول الغفلة، حيث يُحرم البُعد الأصيل لكياننا من قوته الأساسي زمناً طويلاً؛ مما قد يؤدي الى فُتور ميلنا نحو زادِه الخاصّ وهو محبّة الله. في مثل هذه الأحوال، يتوجّب علينا بـإدارةٍ واعيةٍ لنمط حياتنا أن نسعى الى إعادةِ ضبطِ منظومةِ المودّةِ وتحقيقِ التوازنِ في وجودنا.

يجب أن تُنظَّم منظومة المودّة في كياننا بحيث تتصدّر “محبّة الله” و”أهل البيت” و”الجهاد” رأس سُلَّم الأولويّات العاطفيّة وتتقدّم على سائر ألوان المودّة. يجب أن تُعرّف المودّات الأخرى، كمحبّة الأهل أو المهنة أو المال أو مكانة اجتماعيّة، تحت مظلّة المحبّة الإلهيّة. فـفي هذه الحالة وحدها، ستكون هذه التعلّقات مصدراً للسكينة والنموِّ والسعادة الحقيقيّة؛ وإلا فإنّها ستتحوّل الى عوائق تمنع السالك من بلوغ مسار الكمال. بعد أن ندرك أهمية هذا النظام، يحين وقت تطبيقه عملياً في حياتنا اليومية؛ في قراراتنا، وعلاقاتنا، وأفكارنا، وسلوكياتنا. فلا بدّ أن تُضبط جميعها ضمن إطارٍ إلهيٍّ متّزن. في ما يلي، سنستعرض خطواتٍ عملية تساعدنا على تفعيل هذا النظام في مختلف جوانب الحياة.

أسباب أهمية تنظيم نظام المحبة وإدارة أسلوب الحياة

تكمن أهمية ضبط نظام المودّة أو إدارة نمط الحياة في كونه المُحدِّد الأوحد لمسار الإنسان؛ والتجربة أثبتت أنّ ما نحبّه وما نكرهه هو ما يرسم فعليًّا مسار حياتنا. فتعلقاتنا وميولنا ليست مجرّد اهتماماتٍ شخصية، بل هي التي تضبط دوافعنا وتعيّن وجهة حركتنا عملياً.

إنّ بناء هذا النظام على معايير إلهية وفطرية يَقود الإنسان حتماً الى الارتقاء والكمال. أمّا إذا شُكِّلت إدارة نمط حياتنا بناءً على معايير خاطئة، حتى محبة أمور طيّبة ومقدّسة، فسيؤدّي الى الزيغ والانحراف. إذ تُبيِّن التجارب أنّ الأفراد قد يضلّون الطريق عبر مسارات تبدو دينية أو اجتماعية مشروعة، والسبب الوحيد يكمن في فساد نظام أولوياتهم المودّيّة. وتبرز أهمية هذا الضبط أيضاً في تأثيره الخفيّ والمستمرّ على قراراتنا اليومية، فحبُّنا وبُغضنا يرسمان مسار حياتنا ببطء وثبات، وأيّ انحراف يسير عن الميزان الإلهي في البداية قد يؤدّي الى ابتعاد كلّي عن الغاية المنشودة مع مرور الزمن.

تنظيم المحبّة في الاختيارات

إنّ تنظيم المحبّة أو إدارة أسلوب الحياة يعني أن تكون جميع اختياراتنا في الحياة، من الزواج والعمل، إلى الملبس ومكان السكن – منسجمةً مع نموذجٍ إلهيّ صُمّم بما يتوافق مع فطرة الإنسان. فاختياراتنا ليست قراراتٍ لحظيّة فحسب، بل هي انعكاسٌ لما في أعماقنا من تعلّقاتٍ ومحَبّاتٍ راسخة.

فعلى سبيل المثال، اختيار تخصّص دراسي أو مهنة، إنْ كان مبنيًّا فقط على ميولٍ سطحية أو رغبةٍ في المال أو ضغطٍ من الأسرة، فقد يقود في النهاية إلى الإحباط أو الاكتئاب أو حتى الفشل. أمّا إنْ كان الاختيار في طريق الخدمة والنموّ والتقرّب إلى الله، فإنّه، رغم صعوباته،  يمنح صاحبه شعورًا عميقًا بالرضا والسكينة.

وقبل أيّ قرارٍ نتّخذه، يكفي أن نسأل أنفسنا: «هل هذا الاختيار يقربني إلى الله أم يبعدني عنه؟»

هذا السؤال وحده كفيل بأن يكون نورًا يهدي خطواتنا. فالاختيار الصحيح هو الذي يجمع بين خير الفرد وخير الآخرين، وأمّا اختيار متعارض مع إرادة الله، يجب تركه مهما بدا جميلًا في ظاهره. فمثلاً، مهنة ذات دخل عالٍ تؤدّي الى إهمال الأسرة، تقع خارج إطار المودّة الفطرية. وكلّما كانت الاختيارات متوافقة مع نظام المودّة الإلهيّ، كانت الحياة اكثر توازناً ومعنىً ومصحوبةً بالرضا الداخليّ. ويُعدّ الإحساس بالسكينة والاطمئنان بعد اتخاذ القرار مؤشّراً الى صوابيّة ذلك الاختيار ضمن إطار المودّة الإلهية.

دور المحبّة في علاقات إنسانيّة

الإنسان كائن اجتماعيّ بفطرته. ويحدَّد مسار ارتقائه أو انحطاطه الروحيّ الى حدّ كبير في سياق علاقاته، لذا فإنّ ضبط هذه العلاقات يعدّ ركناً أساسيّاً لتنظيم المودّة في إدارة نمط الحياة. وسواءً شُكِّلت هذه الأواصر اختيارياً أم اقتضاها الواقع العمليّ والأسريّ، فإنّها جميعاً انعكاس لتعلقاته الداخلية. العلاقات التي نقيمها إمّا أن تُسهم في نموّنا المعنويّ وإمّا أن تؤدّي الى انحرافنا. فالمودّة للأبوين والأبناء والزوج والأصدقاء لا تكون نافعةً ومُثمرةً إلا إذا عرِّفت في إطار المودّة الإلهية؛ وإلّا، فإنّ هذه التعلقات نفسها قد تتحوّل الى أغلالٍ تقيِّد الإنسان وتحول بينه وبين التحليق نحو الكمال المنشود.

إنّ الكثير من مشكلات أخلاقية وآفات معنوية تضرب جذورها في علاقات غير سليمة. مودّات مفرطة أو تعلقات غير منضبطة تُعدّ مُضرّة لكِلا طرفي العلاقة؛ كالأبوين اللذين يغرقان الأبناءَ في الاهتمام فيغفلان عن تربيتهم، أو شخص يبتعد عن مسار الحقّ خشية إزعاج صديقه. لذا، تتطلّب الإدارةُ الصحيحةُ لنمطِ الحياةِ ولعلاقاتنا أن نُدرك دور كلّ محبّة في نموّنا المعنويّ؛ إذ انّ كثيراً من الانحرافات تتشكّل لا عن عداءٍ، بل عن صداقاتٍ غير واعية.

سبل إدارة العلاقات

لكي تكون المحبّة في علاقاتنا سليمةً وعلى نهج إلهي قويم، لا بدّ من تجاوز نصائح عامة والوصولِ الى حلول عملية. وأوّل خطوة في هذا المسار هي مراجعة صادقة لعلاقاتنا الحاليّة. ينبغي أن نزن كلّ علاقة بمعيار المحبّة الإلهيّة، فكلّ ارتباط يُبعدنا عن ذكر الله أو يُغرق قلوبنا في التعلّق بالدنيا يحتاج إلى إعادة نظر جادّة. قد يلزم أن نرسم حدودًا واضحة، وأحيانًا أخرى يجب أن نتحلّى بشجاعة كافية لإنهاء علاقةٍ غير صحيّة.

وقد ورد في حديثٍ عن النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلّم أنّ المحبّة والبغض يجب أن يكونا في سبيل الله، أي أن تُنظَّما وفق ميزان محبّته سبحانه.[1] وهذه قاعدةٌ ذهبيّة في إدارة أسلوب الحياة، تُرشدنا إلى أنّ صداقاتنا وعداواتنا ينبغي أن تُبنى على رضا الله ومشيئته.

فعلاقات تُقام على أساس مصالح مادّية أو جاذبيّة سطحية سرعان ما تذبل وتزول، أمّا علاقة تنبع من حضور الله في القلب وتقوم على ذكره ومحبتِه، فهي علاقةٌ أصيلة، صادقة، وراسخة. هذه النظرة الواعية للعلاقات تحمينا من ضغوط المجتمع، ومن إغراءات عاطفيّة، ومن مجاملات زائدة تُضعف المبدأ وتُفسد النية.

إدارة المحبّة في الأفكار

الأفكار هي منشأ سلوكياتنا، وما يشغل أذهاننا هو بالضّبط ما نُكنُّ له المودّة. فإذا كانت مودّتُنا متجهةً الى الله والقيم الإلهية، فاضت أذهاننا بالأمل والسكينة والتوكّل والرغبة في الخير؛ أمّا إذا ارتبطت قلوبنا بالدنيا، صار الفكر سجين المقارنة، والطمع، والقلق، والخوف.

إنّ مودّات غير سليمة هي جذر الكثير من أفكار سلبية: كالحسد، والغضب، والشهرةِ، والخوفِ من حُكمِ الآخرين، أو الحقد. الخطوةُ الأولى لإصلاح هذا الوضع تكمن في مراجعة يومية لأفكارنا. ومن الوسائل النافعة هي تدبّر آيات القرآن الكريم التي تتضمّن عباراتٍ مثل: «إِنَّ الله یُحِبُّ…» أو «إِنَّ الله لَا یُحِبُّ…»، فهذه الآيات تقدِّم مؤشّرات جيّدة لضبط المودّة الذهنية. كما ينبغي أن نكون يقظين تجاه تخيلاتنا وتصوراتنا الذهنية، فإنْ كان العقل مشغولًا دومًا بالخوف، أو الندم، أو الوسواس، فذلك دليلٌ على ابتعادنا عن محبّة الله ونوره. إنّ تغيير النظام الذهني لا يمكن ان يحدث بين عشيّة وضحاها، ولكن بالممارسة اليومية ومراجعة الأفكار والخلوة والمراقبة، تكتسب أفكارنا تدريجياً صبغة إلهية. وبما انّ حياتنا الخارجية هي انعكاس لأذهاننا، فإنّ هذا التغيير سيؤثّر في جميع أبعاد حياتنا.

تجلّي المحبّة في السلوك

إنّ سلوكنا هو مرآة صادقة لتعلّقات قلوبنا، فكلّ تصرّفٍ نقوم به، من قراراتنا الكبرى إلى ابتسامةٍ عابرة أو صمتٍ في لحظةٍ عاديّة، إنّما يصدر عن نظام المحبّة الكامن في داخلنا. فقد يكون الإنسان عابدًا مصلّيًا، ومع ذلك يتعامل مع الناس بحدّةٍ وكِبر، وهذا دليلٌ على وجود خللٍ في نظام المحبة. إنّ الضبط الصحيح لنظام المودّة وإدارة نمط الحياة يجب ان يكون ملموساً ومشاهداً في جميع سلوكياتنا؛ بدءاً من الملبس والمأكل ونوع الحديث ووصولاً الى طريقة الاستقبال ومساعدة الآخرين. يجب أن تكون غايتنا من كلّ ذلك هي الرضا الإلهيّ، لا ابتغاء تأييد المحيطين أو التنافس مع الآخرين. قال الإمام الصادق (عليه السلام): “من أوثق عُرى الإيمان أن تحبّ في الله، وتبغض في الله، وتُعطي في الله، وتمنع في الله”.[2] هذه العبارة تمثّل معيارًا واضحًا نقيس به صدق سلوكنا. فلنسأل أنفسنا دائمًا: «هل هذا الفعل لوجه الله، أم لمرضاة الناس؟»، «هل صمتي أو غضبي نابعٌ من محبّةٍ صافية أم من تعلّقٍ خاطئ؟»

حين تُضبط محبّتنا الداخليّة على نحوٍ صحيح، تغدو حتى أبسط أفعالنا ذات معنىً إلهيّ عميق، فتتلوّن حياتنا بلون الصدق، والسكينة، والنموّ، والرضا الحقيقي.

في هذا المقال لاحظنا أنّ المحبّة أعمق بكثير من كونها شعورًا شخصيًّا عابرًا؛ فهي التي تُشكّل ملامح أسلوب حياتنا، وتوجّه مسارنا. فإن تأسّست على المحبّة الإلهيّة، قادتنا نحو الارتقاء، والسلام الداخلي، والكمال، أمّا إذا انحرفت عن هذا الأساس، فقد تصبح ذاتها عائقًا يُقيّدنا ويُثقِل أرواحنا.

والآن جاء دورك أنت: كيف تُدير تعلّقات قلبك؟ وإلى أيّ مدى يتناغم أسلوب حياتك مع نظام المحبّة الإلهيّة؟


[1] الصدوق(ره)، علل الشرایع، ص 474؛

[2] مِنْ أَوْثَقِ عُرَى الْإِيمَانِ أَنْ تُحِبَّ فِي اللَّهِ وَ تُبْغِضَ فِي اللَّهِ وَ تُعْطِيَ فِي اللَّهِ وَ تَمْنَعَ فِي اللَّهِ؛ شیخ کلینی، الکافی، ج 2، ص 125

اكتب رأيك