أصل الحب في الإنسان وهل نحن نحبُّ الأشخاص أم صفاتهم؟

جدول المحتويات
أصل الحبّ في الإنسان وهل نحن نحبُّ الأشخاص أم صفاتهم؟

لماذا نقع في الحب؟ وما هو أصل الحبّ في الإنسان؟

إنّ الأدب الإنساني حافل بقصص العشق والهوى، وبحكايات الوله والانتظار، وبأساطير عاشقين لا يملّون السعي للوصول إلى معشوقهم. هذه القصص لا تقتصر على كونها ممتعة فحسب، بل تنطوي أيضًا على لذةٍ عميقة في أعماق النفس؛ لأنّ الإنسان بطبعه مفطور على الحبّ، يحتاج حاجةً ماسة إلى أن يُظهر حبّه وأن يتلقّاه. فالعشق قوّةٌ عظيمة تمنح المرء شعورًا بالحياة، وتضفي على الوجود عمقًا ومعنًى. فالبشر دون الحبّ أشبه بموتى متحركين، لا يملكون القدرة على مواجهة الصعاب ولا حافزاً للبقاء على قيد الحياة.

ومع ذلك، فإنّ كثيرًا من صور الحب والارتباط لا تبقى متّقدة إلا ما دامت بعيدة عن الوصال وفي طور الهجر والبعد عن المعشوق. يبدو وكأن لذّة العشق كامنةٌ في الفراق والحنين، فإذا زال البُعد ووقع اللقاء، سكن القلب بعد اضطرام، وخمدت جذوة الشوق. بل قد يزول الحبّ تمامًا، ويتحوّل إلى كرهٍ ونفور. هذه الظاهرة لا تقتصر على العلاقات بين البشر، بل تنطبق على تعلق الإنسان بأي شيء آخر في الحياة.

لكن ما السبب في ذلك؟ ما الذي يجعلنا بعد أن نقلب الدنيا سعيًا للوصول إلى شخصٍ نريده، أو بعد أن نحظى بمنصبٍ حلمنا به طويلًا، أو بعد أن نقتني شيئًا أنفقنا لأجله مالًا وجهدًا، نجد أنفسنا وقد سئمنا منه ومللناه؟ ما الذي يغيّر حال قلوبنا حتى تفقد لذّتها بما كانت تهواه من قبل؟

فما هو إذن منشأ العشق في الإنسان؟ ما الذي يوقظ فينا قوّة الطلب والرغبة؟ وهل يُمكن أن نُطلق اسم “العشق” على كلّ علاقةٍ عاطفية أو تعلّقٍ وجداني؟ وما هي خصائص الحبّ الحقيقي وما عواقب عدم بلوغه؟

منشأ العشق في الإنسان من منظور بيولوجي

ماذا يحدث داخلنا عندما نميل إلى شخص أو شيء؟ يرى علماء البيولوجيا أن العشق والميل العاطفي هما نتاج إفرازات هرمونية. فهم يعتقدون أن هذا الشعور هو محصلة لتحفيز منطقة ما تحت المهاد (الهيبوثالاموس) في الدماغ. بتحفيز هذه المنطقة، يُفرز هرمون الدوبامين الذي يمنح الفرد شعوراً بالنشوة والسعادة. ومنذ تلك اللحظة، يصبح الشخص في حالة إثارة مستمرة، ويدور فكره باستمرار حول مطلوبه أو معشوقه. إن إفراز الدوبامين يُحدث في الجسم حالة مشابهة لما تُحدثه مواد إدمانية كالكوكايين. فالعاشق، كلما فكَّر في محبوبه، ارتفع مستوى الدوبامين في دمه وتكرر إحساس النشوة الأولي، ولذلك يرغب في استعادة تلك الأفكار مراراً وتكراراً.

ورغم أنّ هذه التفسيرات مقبولة في نطاقها العلمي، فإنّها لا تتجاوز شرح تفاعلات كيميائية داخل الجسد، ولا تكشف لنا عن سبب الانجذاب الأول الذي يشعل شرارة العشق. ثمّ إنّ علماء الأحياء ينسبون منشأ الحبّ إلى الدماغ، ويصفون عملية الوقوع في الحبّ بأنها ظاهرة جسدية بحتة.

وقد تطرّقنا من قبل في مقالاتٍ سابقة إلى الفرق بين علم الإنسان الإسلامي والغربي، وبيّنا أنّ العلماء التجريبيين، متأثرين بالفكر الفلسفي الغربي، يعزون كلّ تحوّلات داخلية في الإنسان إلى بدنه، ولا ينسبون للروح جوهرًا غير مادي، بل مجرّد جزءٍ من الدماغ. وبناءً على هذا الفهم المادي، فمن الطبيعي أن ينظر هؤلاء إلى الحبّ والعشق بوصفهما ظاهرةً جسديةً محضة. إلا أن العلوم التجريبية أدوات محدودة جداً لمعرفة الإنسان، ولا تدرس سوى تحولاته الجسدية ولا تمتدّ إلى أعماق الروح؛ بینما العشق قضية روحية تتعلق بالروح والقلب، وأي تفاعل جسدي يتبعه هو نتيجة لتوهجات وتحولات الروحية.

ولكن، ما الذي يُنتج حقاً الجاذبية الأولية نحو المعشوق؟ وما هو منشأ أصلي للعشق في الإنسان؟

ما ثمرة العشق؟

إن الحبّ، في جوهره ثمرة الحاجة. فمنشأ العشق في الإنسان هو حاجة يشعر بها المرء تجاه مطلوبه ومعشوقه. إذا غاب الاحتياج، لم يتشكل الطلب، ولم يحدث أي انجذاب في وجوده نحو المطلوب. فعلى سبيل المثال، لا يخطر ببالنا التسجيل في فصول محو الأمية ولا نميل لحضورها؛ لأننا نملك ما يكفي من معرفة القراءة والكتابة، وإن أبدينا اهتمامًا بالتعلّم، فذلك لأننا نطمح إلى نيل مستوى أعلى مما نحن عليه.

الإنسان بطبعه يطلب ما لا يملك، فإذا ناله سئم منه. وقد قال أفلاطون: «كلُّ محبوبٍ عند الإنسان يبدأ بجذبةٍ وشوقٍ عارمٍ نحوه، ولكن ما إن يبلغ الوصال، حتى يُدفن الحبّ هناك». فـالوصال هو مدفن العشق، وبدايته هي بداية الملل والنفور والهرب. وقد يبدو هذا الأمر غير منطقيٍّ في الظاهر، إذ كيف يشتهي كائنٌ شيئًا، فإذا حصل عليه نفر منه؟[1] غير أنّ سرَّ ذلك يكمن في نزعة الكمال المغروسة في طبيعة الإنسان.

إن الإنسان كائن لا يسعه أن يعشق محدودًا ففطرته مجبولة على النفور من كل صور النقص والقصور وهو يتطلع إلى أشياء كلها في أرقى درجات الكمال وحتى حين ننجذب إلى أشخاصٍ غير طاهرين أو منحرفين، فليس بسبب نقائصهم، بل لما يبدو فيهم من كمالٍ أو قوّةٍ أو جمالٍ نسبيّ مثل صورةٍ جميلةٍ أو هيئةٍ حسنةٍ أو في قوّةٍ أو ثراءٍ أو مكانةٍ اجتماعية، وربما في كمالٍ أخلاقيٍّ مثل السخاء، أو الرحمة، أو الشجاعة. ومن هنا يمكن القول إنّ ميولنا ورغباتنا تجاه أيّ شيءٍ إنّما تنشأ من كماله، ومن شعورنا بالحاجة إلى ذلك الكمال.

إلى جانب هذا كلّه، فإنّ الإنسان بحاجةٍ فطريةٍ إلى الحبّ، كما هو بحاجةٍ إلى أن يكون محبوبًا. فحبّنا لا يقتصر على الرغبة في فعل العشق، بل نحن أيضًا بحاجةٍ إلى أن نكون محبوبين. ذكرنا في مطلع المقال أنّ الإنسان كائنٌ محبٌّ بطبيعته، لا يستطيع أن يعيش بلا حبّ؛ فحاجته إلى العشق كحاجته إلى الأوكسجين.

فإذا لم يكن هناك شخص نبذل له عواطفنا، ونضحي من أجله، فإننا نصاب بالإحباط وعلل نفسية. هذا الشعور قوي لدرجة أنه قد يدفع البعض إلى الإفراط في عشق الحيوانات أو حتى الجمادات، وهي سلوكيات تظهر بكثرة في مجتمعات غربية تفتقر بشدة إلى الجانب الروحي.

ليس في الوجود إلا عشقٌ واحد

لا شكّ في أنّ الإنسان كائنٌ عاشقٌ بطبعه، فليس في هذا العالم إنسانٌ يخلو قلبه من حبٍّ أو تعلّقٍ بشيءٍ يسعى إليه، ويبذل من وقته وطاقته في سبيل وصاله؛ إنما يختلف نوع التعلق بين الأفراد.

فمنهم من يعشق كمالاتٍ جمادية؛ تراهم حين يفكرون في سيارات فاخرة، أو أدوات فخمة، أو حُليّ نفيسة، يخفق قلبهم كما يخفق قلب أيّ عاشق، ويبدون استعدادهم للتضحية في سبيل بلوغ تلك المعشوقات.

ومنهم من يهيم بـ كمالاتٍ نباتية؛ فيقضون ساعة طويلة أمام المرآة في التجمّل والتزيّن، أو عند الموقد في إعداد أطعمة لذيذة، مستغرقين في عشق المظهر والذوق والجمال. وفريقٌ آخر يُفتَن بـ كمالاتٍ حيوانية؛ فهم منشغلون ليل نهار بالسعي وراء منصبٍ إداريٍّ أو مكانةٍ اجتماعية، أو يسهرون في التفكير بوصال امرأةٍ أو رجلٍ تعلّقوا به، حتى يظنون أنّ الحياة تفقد معناها إن لم ينالوا مطلوبهم.

أما الفئة الأخيرة، فهي التي تتوجّه نحو كمالات أسمى، أي نحو كمالات علمية وعقلية. غير أنّ جميع هذه الميول نابعةٌ من حاجةٍ في داخل الإنسان؛ ففي كلّ ما ذكرناه درجةٌ من الكمال، ونحن ننجذب إليها لأنّ فينا توقًا فطريًا نحو الكمال. ولهذا السبب نُشدّ إليها كما تُشدّ برادة الحديد إلى المغناطيس. لكنّ الأعجب من ذلك أنّ قلب الإنسان لا يهدأ ولا يطمئن بامتلاك أيٍّ من تلك الأشياء! فعلى الرغم من أنّها جميعًا درجاتٌ من الكمال، وجميلةٌ محبوبة، ونحن بحاجةٍ إليها، إلا أنّها لا تملأ فراغ قلوبنا. لماذا؟ لأنّها محدودة، والإنسان يبغض المحدودية. إننا نطلب اللامحدود، وننزع نحو اللانهائية، فإذا أبدينا ميلًا نحو كمالات جزئية، فهو ليس حبًّا لذاتها، بل لأنها تذكّرنا بمعشوقنا الحقيقي.

فكلّ ما في عالم الخلق من المرأة والرجل، والقوة والثروة، والجمال والعلم و …، ما هي إلا انعكاساتٌ جزئية من كمالات الله تعالى. ولأنّ روحنا من نفخةٍ إلهية، وجُبلت فطرتنا على محبته، فإننا نتبع أي علامة نرى فيها أثراً لمحبوبنا الحقيقي، ونسعى نحوه بلا وعي، ونظنّ أننا نعشق هذا الشخص أو ذاك، لكن الحقيقة أنّنا لا نعشقه “هو”، بل نعشق كمالاته!

وهو نفسه لا يملك من ذاته شيئًا، بل لا يملك أحدٌ في الوجود شيئًا من ذاته؛ فكلّ ما عند الخلق من جمالٍ أو كمالٍ أو قدرة، هو فيضٌ من كمال الله. ليس في الكون سوى وجودٍ واحدٍ حقيقيٍّ هو الله، وسائر الموجودات تستمدّ وجودها منه، ولا ذات مستقلة لها. فإذا أردنا أن نختصر كلّ ما قلناه في عبارةٍ واحدة، فسنقول: «منشأ العشق في الإنسان هو الله نفسه». حتى من يُنكر وجود الله، فإنّه في أعماقه عاشقٌ لله، لأنّه عاشقٌ للانهائية، ولا مصداق لما هو لانهائي إلا الله وحده.

لم يأتِ الأنبياء ليعلّموا الإنسان محبة الله وعبادته، فهذا فطري في كل إنسان. بل جاءوا ليرشدوا إلى المسارات الصحيحة من المُنحرفة وليقولوا للإنسان: يا من تهيم في طلب الكمال! إنك تتوهّم أنّ المال أو المرأة أو الجاه هو الكمال المطلق، ولكنك مخطئ. لقد جئنا لنوقظك من هذا الوهم، ونُريك وجه الحقيقة.[2] ولهذا، فإنّ الشرائع السماوية، ولا سيّما الإسلام، رسمت خطًّا فاصلًا على كلّ محبّةٍ لا تتجه إلى الله؛ لا بمعنى أنّها ألزمت الناس بحبّه قهرًا، فالمحبة لا تُفرض، بل بمعنى أنّها أعلنت للإنسان أن بنيتك الوجودية لا تسمح لك بأن تُحبّ شيئا حبًّا كاملًا  غير الله. فلا يستطيع أحد أن يملأ قلبك كلّه غيره.

إذن لا تركض وراء محبوبات محدودة، ولا تصغّر نفسك في سبيلها.  أحبِب كلَّ شيءٍ، نعم، فكلُّ ما في الكون مخلوقٌ لأجلك، لكن لا تأسر قلبك لشيءٍ منها. فأنت خُلِقتَ للوصال بالله وحده، ولا يروي عطشك الوجودي إلا حبّه سبحانه وتعالى.


[1] . الإنسان الكامل، مرتضى المطهري، ص 64

[2] . نفس المصدر السابق

اكتب رأيك