فلسفة الامتحانات الإلهية وعلاقتها بنموّ الإنسان وتكامله

جدول المحتويات
ما فلسفة الامتحانات الإلهية؟ وكيف تُهيِّئ طريق نموّ الإنسان وتكامله؟

ما فلسفة الامتحانات الإلهية؟ وكيف تُهيِّئ طريق نموّ الإنسان وتكامله؟

تدور في أذهان الناس أسئلة كثيرة حول فلسفة الامتحانات الإلهية، ولعلّ أولها وأشهرها هو: ما الحكمة من هذه الامتحانات؟ فإذا كان الله سبحانه مطّلعًا على خفايا نفوسنا، فلماذا يمتحننا إذًا؟ قبل أن نجيب عن هذا السؤال، تأمّل في العبارات التالية:

 «كنت أظنّ فلانًا إنسانًا مهذّبًا، لكن ما فعله اليوم صَدَمني تمامًا!»

«كنت أعتقد أنّ فلانًا بخيل لا يُنفق، لكنّي اليوم اكتشفت كم هو كريم وسخي!»

«ظننت فلانًا مؤدّبًا مهذّبًا، ولكن أدهشني ما سمعت منه اليوم!»

غالبًا ما سمعنا مثل هذه الجمل أو قلناها نحن أنفسنا. وهي تدلّ على أنّ معرفتنا بالناس ليست دقيقة كما نتوهّم، لأنّ باطن الإنسان يظلّ خفيًّا ما لم يُختبَر. فكثير من الناس لا يظهر معدنهم الحقيقي إلا عندما توضع نفوسهم في بوتقة التجربة، وتُعرَّض لضغطٍ يكشف عن حقيقتها الكامنة.

في هذا المضمون، يقول أمير المؤمنين (ع): «في تَقلُّبِ الأحْوالِ عُلِمَ جواهِرُ الرِّجالِ و الأيّامُ تُوضِحُ لكَ السَّرائرَ الكامِنَةَ» [1] فشدائد ومِحَن وضيق ومفترقات في الحياة هي ميدان تُظهِر فيه النفس ما تختزنه من صفاتٍ ومكتسبات. وهنا تتجلّى فلسفة الامتحانات الإلهية.

إنّ علم الله غير محدود، فهو يعلم ماضي الخلق ومستقبلهم، ويُحيط بخفايا نفوسهم جميعًا. فإذن، ليست غاية الامتحان الإلهي أن يعرف الله باطن الإنسان، لأنّه عالمٌ به قبل أن يُخلَق. بل الغاية أن يُعرّفنا الله بأنفسنا، ليجعلنا نرى بوضوح ما في أعماقنا من نواقص وكمالات، فنُدرك حقيقتنا كما هي.

إن ذلك يشبه ما يفعله المدرّب في نادٍ رياضي. حين تذهب إلى النادي، يضع لك المدرّب برنامجًا من تمارين شاقّة، فتُرهق عضلاتك وتُختَبَر قدراتك واحدةً تلو الأخرى. وهناك فقط تدرك أنّ رئتيك لا تُوصِّلان الأوكسجين كما ينبغي، وأنّ ساقك اليمنى أضعف من اليسرى، وأنّ عظامك تُصدر أصواتًا غريبة، وتكتشف عيوبًا ما كنت لتلاحظها في حياتك العادية. لكن هذه الضغوط لا تكشف عن نقاط الضعف فحسب، بل تُظهر أيضًا طاقاتٍ كامنة وقدراتٍ لم تكن تدري بوجودها. قد تظنّ نفسك ضعيف البنية، فإذا وُضعت تحت الضغط، فُوجئت بقدرةٍ تفوق تصوّرك! وذلك هو سرّ التمرين، وتلك هي وظيفة الامتحان. والمدرّب الالمتقدم لا يُصغي لأنين المتدرّبين ولا لشكواهم أثناء التمرين؛ بل ما يهمّه هو تقدّمهم، ونموّ قوّتهم، وتعافيهم من ضعفهم. فهو يرى بعينٍ بعيدة المدى، ويعلم أنّ تهاون المتدرّب اليوم سيورثه عجزًا وألمًا في الغد، فيدفعه الآن لما فيه خيره لاحقًا.

وهكذا يفعل الله بنا. فهو الربّ، أي المربّي، الذي يضعنا في ظروفٍ مليئة بتناقضات وتحدّيات، كي تُستخرَج منّا كنوزنا الخفيّة، وتنكشف نقائصنا وقوّتنا، فلا نحمل ضعفنا معنا إلى البرزخ والآخرة، ونتعذّب بسببه.

إنّ معرفة مواطن الضعف هي الخطوة الأولى والأهمّ في طريق تهذيب النفس وتزكيتها. وبعدها تأتي الخطوة التالية، وهي السعي الجادّ لاكتساب ملَكات سليمة تليق بالحياة الأبدية. وهذه الملكات هي نفسها أسماء الله الحسنى. إذن، الامتحانات الإلهية لا تقتصر على كشف الضعف والقوة فينا، بل تُمهِّد لنا الطريق لكسب الأسماء الإلهية، ونتخلّق بها في مسيرنا نحو الكمال. ولكن… كيف يتحقّق ذلك؟

كسب الأسماء الإلهية في ظلّ الامتحانات الإلهية

كما ذكرنا سابقًا، فإنّ عالم الآخرة هو عالم لتجلّي البواطن، وهناك لا يَغتني الإنسان إلا بقدر ما اكتسب من أسماء الله الحسنى، وبقدر ما اقتربت نفسه في باطنها من الله ومن المعصومين (عليهم السلام)، الذين هم أكمل مظاهر التجلي الإلهي. فروح الإنسان من جوهرٍ إلهي، وكلّ أسماء الله وصفاته مودعة فيه بالقوّة، وما علينا إلا أن نُفعّلها ونُنمّيها لتزدهر فينا. ومن هنا يتّضح أنّ الجانب الأساسيّ من فلسفة الامتحانات الإلهية هو تهيئة الظروف لتتفعّل الأسماء الإلهية من أعماق النفس.

إن الله تعالى، بوصفه العالِم بسرائرنا، يعلم بدقّةٍ مواضع ضعفنا، ويُدرك ما تجرّه هذه النقائص علينا من عواقب ثقيلة في الدنيا والآخرة. لذلك يُقدّر لنا امتحاناتٍ خاصة، تُظهِر في ظلّها تلك العيوب الخفيّة في شخصياتنا وسلوكنا.

فقد نكون مثلًا أشخاصًا حسّاسين، سريعي التأثّر، نتأذّى بسرعة من الآخرين، ونحمل الضغائن في قلوبنا. هذه الصفات، كالزعل السريع، والانتقام، وحمل الكراهية، صفاتٌ خطيرة، تُنشئ جحيمًا في النفس، وإن لم تُنتزع منّا قبل الموت، فستكون معالجتها في البرزخ مؤلمةً أشدّ الألم.

غير أنّ الله، لفرط محبّته لنا، لا يرضى أن نهلك بهذه الصفات، فيتصرّف معنا كرّبٍ رحيمٍ حكيم، ويصوغ لنا امتحاناتٍ تُحرّك هذه النقائص من باطننا إلى ظاهرنا، علّنا ننتبه ونتطهّر منها. فقد يُرسل إلى طريقنا أشخاصًا يُثيرون هذا الضعف فينا باستمرار؛ أي يوجّهون إلينا كلمات لاذعة، وانتقادات مؤلمة، لا لنتعذّب، بل لنتعلم أن نُقوّي درجة صبرنا، ونُوسّع صدرنا، حتى نبلغ درجةً يصبح فيها سماع الكلام الجارح كشرب الماء، لا يكدّر صفونا ولا يُقلقنا في شيء. وقد يبدو هذا الأمر مستحيلًا، لكنّ المعصومين (عليهم السلام) وأولياء الله أثبتوا أنّه ممكن، ووردت عن حياتهم قصصٌ كثيرة تُجسّد هذه القدرة العظيمة على الحلم والصبر.

من يبلغ هذه المرتبة، يُدرك اسمي الله “الصبور” و”الحليم”، ويتحلّى بهما في باطنه. إذا استقرّ اسمٌ من أسماء الله في القلب، أضاءت به الروح كفجرٍ أبديّ، لا يبهت نوره ولا يخمد إشعاعه، ويُثمر في باطن الإنسان أنوارًا وجنانًا لا تزول. تتجلّى آثار تلك الجنة في أفعال صاحبها، وفي نظره وكلامه، حتى يشعر بها كلّ من حوله، وينجذب إليه الناس من غير قصدٍ ولا وعي، إذ في روحه سكينةٌ تفيض نورًا.

لكنّ كلّ هذا لا يتحقّق إلا إن أحسنّا التعامل مع الامتحانات الإلهية التي تواجهنا، وأصغينا بإخلاصٍ إلى رسائل ربّانية مضمّنة في أعماق تلك الاختبارات. فإن نحن أعرضنا عن فهمها، وغفلنا عن حكمتها، تحوّلت الشدائد إلى عبءٍ يُثقل القلب، ويُورث الكآبة والكسل، من غير أن نجني منها نفعًا أو نماءً. وذلك هو الخسران بعينه.

إلى جانب ما تقدّم من فلسفة الامتحانات الإلهية، هناك نقطةٌ بالغة الأهمية: و هي أنّ هذه الامتحانات نفسها رأسُ مالٍ إلهيّ مودَعٌ في خزائن الغيب. فمصائب تلمّ بنا ليست فراغًا، بل هي صناديق ادّخارٍ روحية، تفتح لنا في ساعة العُسرة، يوم نُحاسَب، وحين تنفد أعمالنا الصالحة، تمتدّ تلك البلايا لتكون لنا ذُخرًا ونجاة. فيعوّضنا الله عنها بثوابٍ لا يُقاس، ولا يخطر ببال بشر. فإن نظرنا إلى البلاء من هذه الزاوية، أدركنا أنّ الصبر عليه ليس ثقيلًا، بل هو عذوبةٌ خفيّة، ولذّةٌ يعرفها أهل البصيرة فقط.

ماذا عنك أنت؟ ما الذي تعرفه عن حكمة الامتحانات الإلهية ودورها في صقل النفس الإنسانية؟ هل مررتَ بتجربةٍ شعرتَ فيها أنّ الله كان يُربّيك بالابتلاء؟ إن كنت قد وجدتَ في قلبك نموًّا وضياءً من رحم البلاء، فشاركنا حلاوة ذلك النضج، لنشترك جميعًا في لذّة الفهم العميق لصنعة الله في عباده.

[1]  امام علی (علیه‌السلام): «في تَقلُّبِ الأحْوالِ عُلِمَ جواهِرُ الرِّجالِ و الأيّامُ تُوضِحُ لكَ السَّرائرَ الكامِنَةَ» بحار‌الأنوار؛ ج۷۷، ص۲۸۶، ح 1

اكتب رأيك