تحليل “غلبة الكمالات” في الباطن الإنساني وآثارها التربوية في الخطاب الديني
لطالما كان النقاش حول هيمنة الكمالات في باطن الإنسان أحد أهم القضايا وأكثرها إثارة للجدل في مجال علم النفس والتربية. يسعى العديد من الأفراد، خاصة في مجتمعاتنا المعاصرة التي تتزايد فيها الرغبة في التنمية الذاتية، إلى إيجاد إجابة شافية لهذا التساؤل: كيف يمكن بلوغ باطن سليم، ومتوازن، ومتعالٍ من خلال تنمية كمالات إنسانية والعمل على سيطرتها؟
لا تَقصر التعاليم الدينية نظرتها للإنسان على كونه كياناً محدوداً؛ بل تراه الكون الجامع؛ إذ تكتنز كينونته جميع مراتب الوجود، من أدنى المادة إلى أسمى الملكوت. يمتلك هذا الكائن القدرة الكامنة على الانخراط في مسار تصاعدي عبر مدارج الوجود، متجاوزاً مرتبة الطبيعة المادية ليصل إلى مقام القرب الإلهي الأجلّ. بيد أن حصيلة مسيرة حياته ومآله النهائي، بعد جهد السعي، تتحدد بالكامل وفقاً لأي مرتبة من مراتب وجوده وكمالاته الباطنية قد استولت على مركز قيادته. فإذا ما هيمنت عليه الجوانب المادية للنفس والكمالات الأدنى، فإنه ينحدر ليصبح إنساناً مُقيّداً بحدود الأرض.
في الخطاب الديني، يتجاوز النظر إلى الإنسان كونه كياناً محدوداً؛ إذ يُعد “الكون الجامع” الذي تتضافر في كينونته مراتب الوجود قاطبة، من عالم المادة إلى الملكوت. يمتلك هذا الكائن القدرة الكامنة على الانطلاق في مسار ارتقائي عبر سلم الوجود، متقدماً من مرتبة الطبيعة المادية نحو مقام القرب الإلهي. بيد أنه لا يتحدد الوجهة النهائية ومآل السعي بعد مسيرة العمر إلا بـأي مرتبة وجودية وكمالات داخلية قد آلت إليها غلبة الكمالات على باطن الإنسان. فإذا كانت الغلبة للجانب المادي الأدنى والكمالات النازلة، فإنه يُحتبس في إطار “الإنسان الأرضي” المقيد.
إن الحقيقة المحورية هنا هي أن غلبة الكمالات في دواخلنا تتجاوز حدود سلوكيات ومظاهر سطحية؛ فهي قوة فاعلة تُشكل النواة الوجودية لهويتنا الأخلاقية، والروحية، والنفسية. هذه الهيمنة هي المعيار الفاصل الذي يكشف ما إذا كان الإنسان متظاهراً بالصلاح فحسب، أم أنّ أعماقه عامرة بالفضائل الإنسانية حقاً. وفي ضوء ذلك، تبرز تساؤلات تطبيقية تجعل المفهوم ملموساً: هل رأيت يوماً من يبدو متديناً أو خلوقاً في الظاهر، ثم يُظهر سلوكاً مغايراً عند الامتحان العملي؟ أيّ نوعٍ من الكمالات هو الذي يتجلّى في العلاقات الأسرية أو في بيئة العمل؟ وما الوسائل التي يمكن أن تُعيننا على ترسيخ الكمالات العليا والإلهية في أعماقنا، حتى تثمر أثراً حقيقياً في حياتنا اليومية؟
في هذا المقال، نحاول الإجابة عن هذا السؤال المحوري: ما أثر غلبة الكمالات الإنسانية في باطن الإنسان؟ كيف تنعكس في حياته الواقعية؟ وكيف يمكن تهيئة الظروف التي تمكّن الكمالات الإلهية من الغلبة على سائر مراتب الوجود، ليغدو الفرد والمجتمع معاً منعمين ببركاتها وثمراتها؟
المفهوم الدقيق لدور الكمال في باطن الإنسان
لنفهم كيف يغلب الكمال على باطن الإنسان، لا بدّ أولاً من الوقوف على المعنى الدقيق لكلمتين محوريتين: «الكمال» و«الباطن». تحدّثنا في دروس سابقة عن الكمال، وقلنا إنّه ـ أو ما يُسمّى بصفة جوهرية ـ هو مجموع قدرات ومواهب فطرية مودَعة في كيان المخلوق، والتي تحمل في ذاتها إمكانية التحقّق والفعليّة. ومن منظور الأخلاق الإسلامية، فإنّ الكمال في معناه الديني أسمى من مجرد الارتقاء الظاهري، إذ يشير إلى مرتبةٍ يتحوّل فيها العِلم إلى ملكةٍ باطنيّة، أي حين يصبح العلم باعثاً على تحوّلٍ في النيّة والسلوك.
عندئذٍ، تُؤتي المعرفة الإلهية ثمارها في أعماق الوجود، حيث تُزهِر صفات الحق وتنعكس على جوهر كياننا. وكلما ازداد تجذّر هذه المعرفة في أعماق أرواحنا، وأحرزت الكمالات الإلهية هيمنتها على سائر أبعادنا الوجودية، ارتقى باطننا نحو مقام إنسان كامل. ذلك لأنّ التطابق الحقيقي بين المخلوق (الإنسان)، والخالق (الله)، والنموذج الأرقى (الإنسان الكامل)، إنما يتجلّى في العمق الباطني ولبّ الجوهر، لا في حيز السلوكيات والمظاهر. أما الباطن، فهو العمق الخفي لوجود إنساني، وهو المستودع الأصيل الذي تستقر فيه نوايا حقيقية، ودوافع كامنة، وجوهر الإيمان. إنه مصدر جذري تتفجر منه سائر أفعالنا الظاهرة. وعليه، ما لم تتجذَّر حقيقة هذا الباطن وتتشكَّل في أعماق الذات، فإن كل ما يتبدّى من صفات وأعمال يبقى مفتقداً للوزن والقيمة الحقيقية، بل قد يتحول في كثير من الأحيان إلى عبء أو وبال على صاحبه. هنا تتجلّى الفوارق بين البشر: فقد يتشابهون في ظواهرهم، فيُرى فيهم الصلاح والدين، ولكنّ ميزان القيمة الحقيقية إنّما تُقاس بصفاء النيّة وسموّ الباطن. فحين تتغلب الكمالات الداخلية في الإنسان، تتجلّى حقيقته الوجودية ويُعرَف مقامه عند الله. وفي التعاليم الإسلامية وأقوال أهل البيت (عليهم السلام)، تُعَدُّ غلبةُ الكمالاتِ الإلهيةِ في الباطنِ المعيارَ الأساسَ لقيمةِ الإنسانِ عندَ ربِّه.[1] فكلّما اقترب الإنسان من صفات الله ـ كالصِّدق، والكرم، والعدل، والمحبّة ـ وغلبت هذه الصفات في داخله على نزعات النفس وشهواتها، ازداد باطنه نقاءً ونوراً، وامتلأ وجوده سكينةً وطمأنينةً. هذا النور الباطني هو تجلّي المعرفة الإلهية ذاتها، تلك القوة التي ترفعنا من مستوى الطبيعة إلى مقام الملكوت، وتوثّق صلتنا بمصدر الوجود. ومن هذا المنظور، فإنّ غلبة الكمال في باطن الإنسان ليست حالة عابرة، بل هي مسارٌ طويل نحو تحقيق الإنسانية الحقيقية؛ طريقٌ يبدأ بالمعرفة، وينتهي بامتلاك النفس لجوهرها الأصيل، حيث يتحوّل العلم إلى نورٍ، والنور إلى حياة.
تأثير غَلَبة الكمالات على الباطن الإنساني
من الأبعاد الوجودية الأهم والأقل تناولاً في تحليل غلبة الكمالات، هو أن الباطن أو ذواتنا الداخلية، يقع تحت تأثير محوري لنوع الكمال الغالب على كيان الإنسان. بتبسيط مفهومي، يمتلك المرء طيفاً واسعاً من كمالات مختلفة، غير أنّ باطنه وشخصيته يتشكلان تدريجياً ليصبحا استنساخاً نوعياً للكمال الذي هيمن واستقر في جوهره. تنقسم كمالات الإنسان إلى خمس مراتب رئيسة: الجمادية، والنباتية، والحيوانية، والعقلية، والمرتبة الإنسانية أو ماوراء العقليّة. والقاعدة الأساسية هي أنّ أيّ صنفٍ من هذه الكمالات أن يسيطر في وجودنا، فإنّ باطننا وشخصيّتنا تتلوّن بلونه وتتشبّع بروحه، وتظهر آثاره جليّة في نظرتنا إلى الحياة، وفي قراراتنا، بل وفي أسلوب تعاملنا مع الشدائد والنجاحات.
فعلى سبيل المثال، إذا كانت كمالات ماوراء العقل هي الغالبة على باطن شخصٍ ما، تجلّى ذلك في نمط حياته، واختياراته، وطريقة إدارته لأسرته، إذ تنسجم جميعها مع نظرةٍ معنويّةٍ وإلهيّةٍ عميقة. وفي هذه الحال يكون الهدف الأسمى لذلك الإنسان هو الاتصال بالله تعالى ونيل رضاه، فيزن كلّ علاقاته وأعماله بميزان هذا المقصد الربانيّ. إنّ باطن الإنسان أشبه بمرآةٍ صافيةٍ أو إناءٍ شفّاف، يكتسب لونه وشكله ممّا يُسكَب فيه ويغلب عليه. تماماً كما يتلون الماء باللون الأحمر في إناء أحمر أو بالأزرق في إناء أزرق، كذلك الروح والباطن، فإنهما يتخذان لون واتجاه الكمالات التي رسخت غلبتها في الداخل. فالباطن، في حقيقته، ليس مجرد عاكس للكمالات المهيمنة، بل إنه مع مرور الوقت، يستمد هويته وشكله وتكوينه منها. نحن نتلوَّن تدريجياً بلون ما ترسخ سلطانه في دواخلنا؛ إن كان نوراً، ازددنا إشراقاً، وإن كان ظلاماً، ازددنا عتمة وانحجاباً.
غلبة الكمالات الإلهية وتأثيره على تكوين الباطن الإنساني
تُعدّ غلبة الكمال الإنساني في التعاليم الإسلامية مرتبة وجودية يصل فيها الإنسان إلى مرحلة التجلي الصريح للأسماء الإلهية في ذاته. هذه الغلبة ليست مجرد حالة من العلم والمعرفة، بل هي مرحلة تبلور حقيقة الإنسان؛ حيث تتفعل صفات إلهية في كياننا وينمو باطننا ويتفتَّح بمقدار هذا التجلي. في الواقع، إن غلبة الكمالات الإلهية هي نفس التجلي الباطني لأسماء الله فينا، وهذا هو ما يرتقي بنا من مرتبة الطبيعة المحدودة إلى عالم ما وراء العقل، أو العالم الإنساني السامي.
الباطن الإنساني في لحظة نشأته ليس سوى قوة كامنة (Potentiality) واستعداد خالص للتحقق والوصول. وتتحول هذه القابلية إلى فعلية (Actuality) بفعل إرادة واعية وإيمان متجذّر. وهذا يعني أن كل صفة إلهية نحققها ونمكنها من الهيمنة على وجودنا، إنما تُعد زخرفاً يزين به باطننا الاسم الإلهي المُقابل. تتشكل الهوية الباطنية من خلال هذا المسار، وعبر قطع مدارج الكمال واكتساب الصفات التي هي مظاهر للأسماء الإلهية، وكلما تعاظم تجذر هذه المظاهر وسلطانها في جوهرنا، ازدادت بواطننا نورا و سموا وتحقق كمالها.
ومن الناحية المعرفيّة، تتلازم غلبة الكمالات الإلهية مع الباطن الإنساني تلازماً عضوياً؛ إذ الباطن ليس سوى ميدان التجلّي للكمال، والكمال ما هو إلا هيئة تشكّل بها الباطن وتحقق. وكلما تقدم المرء في مسارات التزكية، والحكمة، ونقاء القصد، تجلّت الأسماء الإلهية في وجوده بأجلى صورها. ومتى استولت هذه الصفات على سائر أجزاء النفس، تحوّل باطنه من حالة الاستعداد الصرف إلى حالة الفعلية والتمام. في الحقيقة، إنّ معرفة النفس تعني إدراك الباطن بوصفه مجموعةً من صفات وأسماء إلهية تجلّت فينا وتمكّنت من غلبة سائر الميول وصفات نفسانية. ومن هنا نستنتج أن باطننا ليس بثابت ولا مقيد، بل هو ميدان واسع للنموّ والتسامي، وهذا لا يتأتى إلا بتكريس الغلبة للكمال الإنساني. لهذا، يُعدّ الإنسان الكامل مفتاح السر ورمزاً لاستحواذ كمالات إلهية بأسرها، وصورة مطابقة للباطن الأعظم للوجود؛ حيث تجسّدت فيه كافة الأسماء الإلهية فعلاً، وفرضت سيادتها على مختلف أبعاد كيانه.
سبب التركيز على الكمالات الفرعية بدلاً من الكمالات الإنسانية
أحد عوائق أساسية تعترض مسار نمونا الباطني هو الخلط في تحديد مصاديق الكمالات الإنسانية. فبدلاً من توجيه اهتمامنا نحو الكمالات الإنسانية التي هي غاية الخَلق والمقصد النهائي للوجود، يتشبث الكثيرون بـكمالات عبادية؛ كالصلاة، والصوم، والحجاب… إلخ. ولو هي أمور ذات قيمة، لكنها في الحقيقة وسائل لا غايات. يكمن جذر هذا الخطأ في أننا نخلع على عمل عبادي صفة الأصالة والكمال لذاته، اعتقاداً منا بأهمية الثواب المترتب عليه؛ بينما القيمة الحقيقية لهذه الكمالات، في تعاليم دينية، تكمن في كونها طريقاً ومُعينًا للوصول إلى النمو الإنساني الأصيل، وليس لها قيمة مستقلة بذاتها.
على الرغم من أن الكمالات العبادية جزء من مسار الارتقاء وتُيسِّر نمونا الروحي والعقلي، إلا أنه يجب ألا نخلط بينها وبين كمالات إنسانية جوهرية. إن هذه الكمالات هي مجرد أدوات للاستعانة بها في الخدمة، والعبادة، واكتساب قوة تساعدنا على بلوغ الكمال الحقيقي. فكلما توقفنا عند هذه الأدوات وسمحنا لتلك الكمالات الفرعية أن تستحوذ على وجودنا، فإن مسار الكمال لن يصل إلى مقصده الطبيعي، وسيتعثر الباطن عن الحركة نحو الحقيقة.
إن الكمال الإنساني هو حالة ارتقاء باطني وتشابه وجودي مع صفات إلهية. وجميع الكمالات الأخرى هي مقدمات إلزامية لهذه المرحلة؛ وهي طور نتجاوز فيه تعلقات ظاهرية نحو إدراك المعنى، والحقيقة، والعشق الإلهي. بناءً على ذلك، فإن التركيز على كمالات عبادية بمعزل عن الغاية الإلهية، يمثل غفلة استراتيجية عن المسار الحقيقي للنمو؛ غفلة قد تبدو مُرضية في ظاهرها، لكنها في جوهرها تُقصي الفرد عن الهدف الأصيل لخلقه.
إنّ الوعي بهذا التمييز هو مفتاح تصحيح طريق الكمال والمعنوية، لأننا ما لم نعرف أيّ نوعٍ من الكمالات هو الغاية وأيّها هو المقدّمة، فلن نستطيع أن ندرك الدور الحقيقي للكمال في باطننا. أما عندما تُسخّر أدوات الحياة في خدمة التزكية وطهارة الباطن والمعرفة الإلهية، عندها تتحقق غلبة الكمالات الربانية، ونخطو على الطريق نحو تحقيق الإنسان الكامل الحقّ.
غلبة الكمالات في جوهر الذات: آليات التكوين والتحقق
تتجلى غلبة الكمالات في باطننا عندما تتجاوز الصفات الإلهية حدود الإيمان النظري وادعاء لفظي، فتنعكس في سلوكنا وأقوالنا وتصرّفاتنا اليومية. فمن الذي يتحلى بالصدق والصبر والرحمة والعفو يبقى وفياً لمبادئ أخلاقية حتى في أحلك الظروف، مظهراً حقيقة إيمانه بالفعل لا بالقول. إن هذا الانسجام بين الظاهر والباطن هو ثمرة عملية واعية أطلقت عليها التعاليم الإسلامية اسم تهذيب النفس؛ وهو جهاد داخلي يهدف إلى تطهير القلب من الأهواء الملوثة وإعداده لتلقي أنوار المعرفة الإلهية، حتى تغلب صفات الله على رغبات النفس ونزواتها.
ولن تتحقق طهارة الباطن إلّا حين يتغذى الروح من منابع إلهية صافية، ويبتعد عن تلوثات فكرية وسلوكية. فالقلب الملوث لا يملك قابلية تجلي الصفات الإلهية فيه، ولا قدرة على الثبات في طريق غلبة الكمالات الربانية. ولهذا فإن مراقبة النية في كل فعل هي الركن الأساسي في تكوين هذه الغلبة الباطنية، لأن الأعمال التي تنبع من دوافع أنانية لا تترك في أعماقنا أثراً طيباً، بل قد تخلّف أضراراً خفية. فعلى سبيل المثال، من يقيم صلاته لا رغبة في القرب من الله، بل طلباً لمدح الناس ونظرهم، فإن عبادته وإن بدت في ظاهرها طاعة، إلا أنها في باطنها صادرة عن دافع نفسانـي محض، فتتحول من وسيلة للسمو والارتقاء إلى أداة لتغذية الغرور والرياء.
ومن عوامل أخرى تعزز غلبة الكمال في باطن الإنسان معرفة العدو الداخلي. فواحد من أعظم موانع الترقي هو الجهل بالشيطان وطرائق تسلله إلى النفس. وقد نبه القرآن الكريم مراراً إلى أن الشيطان يرابط عند مداخل القلب ويتسلل من ثغرات نقاط ضعفنا أخلاقية.[2] ومن دون وعي بهذه الوساوس وممارسة الصبر والمقاومة، لن يتحقق حفظ القلب من تسلطه. فطالما لم ندرك أن الشيطان هو العدو الحقيقي الكامن في داخلنا، فإن جهادنا الباطني لن يثمر غلبة الكمالات الإلهية.
وعندما نداوم على هذه المبادئ، نبتعد شيئاً فشيئاً عن ظلمات النفس، ويبدأ جوهرنا في السعي نحو نور الله. في هذه المرحلة، يغدو الكمال في باطننا واقعاً ملموساً يُعبّر عن نفسه في سلوكنا وقراراتنا. فالإنسان الكامل لا يساوم على العدالة أو الصدق أو الإنصاف مهما كانت الظروف، ولا يسمح للمصلحة العاجلة أن تطفئ نور الضمير. بل يبقى في أشد الأزمات رزيناً متسامحاً مستقيماً. ومثل هذا الإنسان يكون باطنه قد تحول إلى مرآة صافية تعكس أسماء الله وصفاته، ويغدو قريباً من مقام الإنسانية الكاملة؛ المقام الذي تصبح فيه الفضيلة ليست مجرد عقيدة، بل جوهر الحياة اليومية.
إن ما يشكل هويتنا وشخصيتنا الباطنية هو نوع كمالات تترسخ فينا وتسيطر على أعماقنا. فغلبة الكمال في الباطن مسألة جوهرية؛ إذ كما يغير لون الإناء لون الماء الذي يحتويه، كذلك يغير نوع الكمال الغالب على أرواحنا اتجاه حياتنا ومعتقداتنا وقيمنا. فإذا تحررنا من الانغماس في الشهوات واهتمامات سطحية، وسعينا إلى ترسيخ غلبة الكمال الإنساني، ارتقينا بأنفسنا، وأشعّ أثر هذا الارتقاء في المجتمع من حولنا.
فنوع كمالات نسعى إليها هو الذي يحدد حقيقة باطننا ومسار وجودنا؛ كلما كانت غلبة الكمالات أكثر إلهيةً وملَكوتيةً، كان باطننا أكثر إشراقاً وقرباً من مرتبة الإنسان الكامل.
[1] الحسن بن عليّ العسكري (عليه السلام)، التفسير المنسوب إلى الإمام الحسن العسكري (ع)، تحقيق: محمّد باقر موحّد أبطحی الأصفهاني، قم: مدرسة الإمام المهدي (عليه السلام)، 1409هـ، ص 606.
[2] سورة الأعراف، الآية 16 و 17