أبعاد معرفية وفلسفية حول محورية الإنسان في نظام الخلق

جدول المحتويات
أبعاد معرفية وفلسفية حول محورية الإنسان في نظام الخلق

محورية الإنسان في نظام الخلق؛ سرّ التلائم بین العالم والبشر

يؤكد الحق تبارك وتعالى في محكم تنزيله أن ما في الأرض جميعاً قد خُلق لأجل الإنسان؛[1] أي أنّ عناصر هذا الكون كلّها قد نُسِّقت وفق البنية الوجودية للإنسان، لتكون معيناً له في طريق نموّه وكماله. ولذا ظلّ سؤالٌ جوهري يشغل أذهان المفكّرين عبر العصور: ما سرّ هذا المقام الرفيع الذي يختصّ به الإنسان بين سائر المخلوقات؟ إنّ الحديث عن مركزية الإنسان في نظام الخلق ليس ادعاءً دينيّاً فحسب، بل هو متجذّر في بنيته الوجودیه وغايته. فالكون بمراتبه المختلفة، من عالم المادة إلى ما وراء العقل، بُني بحكمة إلهية ليكون ميداناً لتربية الإنسان وارتقائه.

وفي منظور الفلسفة الإسلامية، خُلِق العالم للإنسان كي يتمكّن في إطاره من تنظيم حاجاته المادية والروحية، وليسلك عبر الاستخدام الصحيح لإمكانات الكون الطبيعية والباطنية طريقَ التكامل، حتى يبلغ مقام التشبّه بصفات الله تعالى. فهذه الدنيا ساحة اختبار ونموّ، صيغت جميع تفاصيلها بما ينسجم مع قُوانا واستعداداتنا، لتُتيح لنا—من خلال التعامل معها واختيار العمل الصالح—أن نُفعّل قيمنا الإنسانية الكامنة.

إنّ التناسق الدقيق بين بناء هذا العالم وبين حقيقة الإنسان ليس أمراً عشوائياً ولا بلا غاية؛ بل هو شاهد على أنّ الخلق قائم على نظام محكم وغرضٍ إنسانيّ محوري. فكلّ ظاهرة في الوجود تؤدّي وظيفةً ما في تكميل احتياجاتنا الدنيوية والأخروية، لنتمكّن بواسطتها من السير في طريق الكمال والارتقاء نحو التشبّه بصفات الله. إنّ العالم مدرسةٌ كبرى للتربية الإلهية؛ حيث تُنسَّق قوانين الطبيعة، والنِّعَم، والقيود، بل وحتى الآلام، لتكون أدواتٍ تعيننا على بلوغ الهدف من خلقنا.

وانطلاقاً من ذلك، يبدأ بحثنا من سؤالٍ أساس: ما العلاقة بين بنيتنا الوجودية والبنیة العامة لهذا الكون؟ وكيف تُمهّد هذه المواءمة الدقيقة أرضيةَ النموّ والتكامل لنا؟ في هذه المقالة سنسعى خطوةً بعد خطوة إلى بيان أنّ مبدأ تناسب العالم مع الإنسان ومحوريته في الخلق، هو من أعماق قضايا الوجود، وأنّ فهمه لا يتمّ إلا بمعرفة الذات، وإدراك الغاية من الخلق، والعثور على موقعنا الحقيقي في ساحة الوجود.

رؤيتنا للكون؛ قراءة في محورية الإنسان ضمن نظام الخلقة

إنّ رؤيتنا للكون هي التي ترسم حدود إدراكنا له وتحدد كيفية استثمارنا لإمكاناته. فمن حصر نظرته للعالم في كونه مجرد شتات من أشياء هامدة وقوانين طبيعية جافة، فقد أخطأ كبد الحقيقة؛ إذ إنّ الكون في منطق الخلقة هو مسرحٌ وُجد ليكون الإنسان قلبه النابض وقطب رحاه. وفي هذا المنطق، لا تسبق الخلقةُ وجودَ الإنسان رتبةً، بل هي تابعةٌ له؛ بمعنى أنّ العالم قد هُيئ منذ اللحظة الأولى وفق مقتضيات الحاجة الإنسانية والقدرات الكامنة في ذواتنا، بحيث يغدو كل ما في الوجود مستجيباً لرحلة تكاملنا.

وفق هذه الرؤية، تنتفي الغربة بيننا وبين ظواهر الوجود، فلا نجد في العالم ظاهرة إلا وهي متصلة بنا اتصالاً وجودياً وثيقاً؛ فمن التراب والنبات وصولاً إلى أعظم القوى الطبيعية، تكتسب الأشياء معناها من خلال ارتباطها ببنيتنا الوجودية. إنّ كل ما في الكون هو دلالة على احتياجنا وسعينا نحو السمو والتعالي؛ فقد أودع الخالق -عز وجل- في صلب النظام الكوني كافة لوازم الحياة وأدوات الرشد، في تدبيرٍ إلهيٍ ممتدٍ لا يقتصر على الراهن، بل يستمر إلى يوم القيامة وما بعدها.

بناءً على ذلك، لا ينبغي النظر إلى ظواهر العالم بوصفها مجرد أدوات استهلاكية لسد الرمق المادي، بل هي “جسورٌ” ترتقي بنا نحو مراتب عليا من الوجود. فكل نظرةٍ واعيةٍ للأشياء هي فرصة للحركة نحو غايات كبرى، وفرصة للترميم الفكري، والاقتراب من حقيقتنا الجوهرية. إنّ محورية الإنسان في هذا السياق تعني استشعار “المسؤولية الوجودية” في كيفية التعاطي مع العالم؛ فمادام الكون قد سُخّر لازدهارنا وتفتح كوامننا، فإنّ واجبنا يقتضي أن نجد في تفاعلنا معه طريقاً يفضي بنا إلى كمالنا الأسمى.

تحليل بنية الوجود وعلاقتها التبادلية بالإنسان

إنّ مقصودنا من محورية الإنسان في نظام الخلق لا يقتصر على مجرّد تناسق حيوي أو قدرة على البقاء في ظروف مادية، بل نعني نظاماً متناسقاً ممتداً في عمق الوجود كلّه، مع مراعاة تناسق قائم بين البنية الوجودية للإنسان وبنية عالم الخلق. فالعالم، وفق هذه الرؤية، ليس مجرد حيزٍ جغرافي للعيش، بل هو منظومة شُكّلت أجزاؤها بدقة متناهية لتهيئ مناخا ملائما للارتقاء الإنساني. وهذا الانسجام المحكم يكشف أنّ الوجود قد بُني وفق نموذجٍ يطابق حقيقة الإنسان؛ فالإنسان صورةٌ صغيرة عن الكون الكبير، تجري فيه القوانين والعلاقات ذاتها التي تملأ أرجاء الوجود، غير أنّها في الإنسان تظهر على نحوٍ مكثّف، وفي العالم على نحوٍ واسعٍ ومفصّل.

إنّ انتظام الطبيعة، وتناسُب الحرارة والعناصر، وتعاقب الليل والنهار، وتوازن القوى الكونية… كلّها أجزاء من مخطّط حكيم يهيّئ إمكانية الحياة الإنسانية. كما أنّ هذا النظام المادّي يوفّر المسرح المناسب لظهور الروح ونموّها؛ إذ لا يمكن للروح أن تتجلّى وتفعّل قابليّاتها دون قالبٍ متناسق معها. وبذلك يتّضح أنّ محورية الإنسان لا تعني أنّ الإنسان هو الذي صمّم العالم بوعيه، بل تعني أنّ النظام الكوني منذ بدايته صُمّم بحيث يستجيب لحاجات جميع أبعاد الوجود الإنساني؛ من حاجاته الجسدية إلى استعداداته العقلية وما وراء العقل.

وحين نذهب إلى أن العالم يتسق مع الإنسان ويتمركز حوله، فإننا نعني أن مكونات الوجود تتناغم مع مراتب الوجود البشري، وهذا التناغم هو ما يمنحنا القدرة على إدراك النظم الداخلي للكون، والانطلاق منه نحو الغاية القصوى من خلقنا؛ مما يؤكد أن بنية الوجود ليست ظاهرة عشوائية بأي حال بل بناءٌ مقصود مُحكم.

العالم بوصفه فضاءً لظهور الكمالات الإنسانية

إنّ محورية الإنسان في الخلق لا تعني أنّ العالم صيغ فقط لتلبية حاجاتنا المادّية؛ بل إنّ الأمر أعمق من ذلك بكثير. فحضرة الوجود بأسرها تُشكّل مسرحاً لظهور الكمالات الباطنية في الإنسان، إذ يعمل الكون كبيئة واسعة تتجلّى فيها طاقات الإنسان الكامنة وتتحوّل إلى واقع فعّال. فكلّ جزء من أجزاء هذا الكون، من أدقّ الجزيئات إلى أعظم المجرّات، ليس مجرد ظاهرة قائمة بذاتها، بل هو مجال يتيح للإنسان أن يُظهر ما أودِع فيه من قوى وملكات. وهذه الرؤية ترتبط مباشرة بمفهوم محورية الإنسان في نظام الخلق؛ لأنّ العالم نُظّم بطريقة تمكّن الاستعدادات الإنسانية من النموّ، وتتيح للإنسان أن يحقّق غاية وجوده: أي بلوغ الكمال الإنساني.

إنّ عالم الوجود، بكلّ أبعاده المادية والروحية، ميدانٌ حيّ متحرّك تتكشّف فيه إمكانات الإنسان غير المتناهية. فمن شموخ الجبال الراسخة وعنفوان البحار المتلاطمة، إلى البُنى الدقيقة للذرات وانسجام القوانين الطبيعية… يعمل كلّ تفصيل في الكون كخلفية لبروز إحدى خصائص الإنسان. وفي ضوء هذا الفهم، يصبح العالم مدرسةً شاملة فيها نتعلّم، ونجرّب، ومن خلالها نمضي في طريق تهذيب النفس والارتقاء نحو مقام التشبّه بصفات الله.

وفي هذا الربط الوثيق، يستنهض الإنسان طاقاته عبر التفاعل الرشيد مع قوانين الوجود؛ فكما سُخّر العالم لأجل تكامل الإنسان، فعلى الإنسان أن يجد في هذا التسخير مسارًا لترقية وجوده وبلوغ كماله المنشود.

قصور الاستفادة من عالم الخلقة؛ ابتعاد الإنسان عن حقيقة الوجود

إذا كان الله قد خلق جميع أجزاء العالم من أجلنا، وفي سبيل بلوغ كمالنا الإنساني، فلماذا نعجز غالباً عن استفادة صحيحة من هذه الطاقة الهائلة؟ الجواب يكمن في نوع علاقتنا مع العالم. فنحن، في معظم الأحيان، ننظر إلى الكون كأنه شيء خارج عن ذاتنا؛ كأنّ بيننا وبين الطبيعة جداراً من الغربة، في حين أنّ الحقيقة تؤكد وجود صلة حيّة وهادفة تربطنا بعالم الخلق؛ عالمٍ خُلق لنمونا وارتقائنا، لا عالماً يتوقّف معنى وجودنا على بقائه أو زواله.

والمشكلة الأساسية هنا هي «عدم الألفة» بيننا وبين آيات خلقة الله. لقد اعتدنا عبر السنين أن نتعامل مع الظواهر على مستوى ظاهرها ومصالحها المادّية فحسب، من غير أن نبحث عن معناها أو حكمتها الوجودية. وهذه العادة نفسها هي الحجاب الأكبر الذي يحول بيننا وبين حقيقة الكون. فعندما يعجز الإنسان عن إقامة اتصال وجودي مع مفردات الطبيعة —من زهرٍ وشجر وطير— فإنه سيعجز بالضرورة عن استيعاب التجليات الإلهية الكامنة فيها. لقد جعل “الاعتياد” رؤيتنا مسطحة ومحدودة، ولإعادة إدراك الخلقة من جديد، لابد من إماطة هذا اللثام وتدريب البصيرة على الرؤية البناءة والمؤثرة.

وهناك سبب آخر لا يقلّ خطورة، وهو فقدان «المعرفة بالنفس». فمَن لا يدرك مراتب وجوده، لا يستطيع أن يفهم علاقته الحقيقية بالمخلوقات من حوله. إنّ محورية الإنسان في نظام الخلق لا تتجلّى إلا عندما يعرف الإنسان نفسه؛ لأنّ معرفة النفس هي المفتاح لفهم العالم. ومادام الإنسان لا يعرف من أين جاء، وإلى أي غاية خُلق، فلن يفهم الوظيفة الواقعية للأشياء. فغياب المعرفة بالنفس يجعل الإنسان يختزل العالم إلى أدوات استهلاك، بدل أن يجعله جسراً للنموّ والتكامل. أمّا استعادة صلة حقيقية ووشيجة مع الكون، فلا تتحقّق إلا إذا بدأ الإنسان بنفسه: يعرف ذاته، ويرى الكون ساحةً لتكامله.

وقد اتّضح من هذا البحث أنّ محورية الإنسان في نظام الخلق أصلٌ راسخ في بنية الوجود. فالكون منذ بدايته صيغ وفق حاجات الإنسان، واستعداداته، ومراتب وجوده، بحيث يكون لكل جزء من أجزائه دورٌ في نموّه وازدهاره. وهذه المحورية تضع الإنسان في مركز الخلق، لا بمعنى الهيمنة، بل بمعنى المسؤولية. فالعالم مدرسة إلهية، قوانينها أدوات تربوية، والإنسان فيها تلميذٌ في طريق الكمال.

من هذا المنطلق، يبرز الخطر الحقيقي في الرؤية السطحية للعالم الذي سُخّر لنموّنا؛ فكلما جهل الإنسان هذا الرابط ولم يدرك مراتب وجوده، استحال العالم في نظره إلى ركامٍ بلا روح. إن نيل حقيقة الوجود رهينٌ بمعرفة النفس؛ لأن معرفة الذات هي المدخل لمعرفة العالم وخالقه. فالإنسان الواعي لا يرى في الطبيعة ساحة للاستغلال الصرف، بل يراها وسيلة لبلوغ الكمال، وعبر الاستخدام القويم لها، يقترب من غاية الخلق القصوى المتمثلة في مقام “التشبه بصفات الخالق” وتحقيق الكمال الإنساني المنشود.


 “هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا”، سورة البقرة، الآية 29 [1]

اكتب رأيك