هل يقتضي تسخير الخلقة هيمنة الإنسان على نظام الوجود والكائنات؟
حين نتأمل المدى المذهل لهذا الوجود، من أدقّ الذرّات إلى أعظم البُنى الكونية، يبرز سؤال طبيعي: لماذا صيغ العالم بهذه الدقّة، وهذا الانسجام المدهش، وبهذا التنوع اللامتناهي من الكائنات والألوان والأصوات؟ وما علاقة كلّ ذلك بالإنسان؟ وهل هذا الانسجام يعني أنّ الإنسان مكلَّف بالسيطرة والهيمنة على الوجود؟
لقد ذكّر القرآن الكريم في مواضع عديدة، عبر تعبير “سخّر لكم”، بأن كل ما في السماوات والأرض قد وُضع في إطار حكيم لخدمة الإنسان؛ ولكن، هل تعني هذه “الخدمة” حق التصرف المطلق أو النزوع نحو السيطرة؟ إن عدم إدراك دقيق لمفهوم “تسخير الخلقة” قد يفضي بسهولة إلى تأويلات مغلوطة.
يتساءل الكثيرون: ما صلة مليارات النجوم أو ملايين الأنواع الإحيائية بتفاصيل حياتنا اليومية؟ وهل يشترط وجود أثر مباشر ومحسوس لهذه الكائنات ليكون لوجودها معنى؟ إن مثل هذه التساؤلات تكشف عن ذهنية تقصر الوجود على “الاستهلاك” فحسب؛ بينما يسعى القرآن الكريم إلى الارتقاء بالأفق الذهني لما هو أبعد من مجرد انتفاع مادي، مبيناً الوشائج القائمة بين النظام الخارجي للعالم والبنية الداخلية للإنسان.
إن “التسخير” في الرؤية القرآنية يجسد التناغم الغائي بين آفاق الخلق وبين البنية الوجودية للإنسان وطاقاته وخصائصه. فالعالم لم يُخلق لينصاع لأوامر البشر، بل صُممت بنيته ونظامه بحيث يتمكن الإنسان من خلالهما من طي مسارات المعرفة والتربية والنمو والعبودية.
يتجلّى الجانب الواضح من تسخير الخلق في ظواهر محسوسة مثل الماء، والتراب، والنبات، والحيوان، وموارد طبيعية. ولكن هناك طبقة أعمق تتعلّق بانسجام الكون كلّه: دوران الكواكب، توازن القوى الأساسية، تعاقب الليل والنهار، وتغيّر الفصول. هذا الانسجام يشكّل أرضية تجعل العالم قابلاً للفهم، ليهتدي الإنسان فيه إلى مساره الصحيح. وكما هو في الآفاق، كذلك في الأنفس. ففي داخل الإنسان أيضاً نظام محكم: النوم واليقظة، الذاكرة والعقل، الإرادة والمشاعر، والغريزة… كلها صيغت لتُعينه على اتخاذ القرار، والتمييز، والحركة في طريق العبودية، وهو الهدف الأصيل من الخلق. وهذا الانسجام الداخلي جزء من نظام التسخير نفسه.
إنّ الفهم الصحيح لمفهوم تسخير الخلق يُبعد الإنسان عن النظرة التملّكية للكون، ويقرّبه من إدراك موقعه الحقيقي في الخطة الإلهية. فالعالم ليس ساحة لسطوة الإنسان، بل هو ميدانٌ يمكّنه من معرفة ذاته، وفهم موقعه، واختيار طريقه.
التسخير أم السيطرة؟ فهم العلاقة الصحيحة بين الإنسان ونظام الخلق
يتبادرُ إلى ذهن الكثيرين عند سماع مصطلح “التسخير” مفهوم الهيمنة المطلقة وسلطة الإنسان الجائرة على الطبيعة، وكأن البشر مأمورون بإخضاع كافة قوى الكون لسيطرتهم المادية؛ بيد أن هذا التصور يتنافى جوهرياً مع الرؤية القرآنية وفلسفة الخلق. في منطق القرآن، تسخير الخلق لا يعني فرض الإنسان لإرادته على المخلوقات، بل يشير إلى أن العالم مُصمّم ومنظّم بحيث تتوفر فيه إمكانية العيش والفهم والنمو للإنسان. فالكائنات تسير في مداراتها وفق قوانينها الخاصة، دون أن تكون تحت سيطرة الإنسان المباشرة؛ ومع ذلك، فإن هذا الحركة في إطار الحكمة الإلهية تخدم بشكل غير مباشر نمو الإنسان وكماله. إن الكائنات تتحرك في مداراتها الخاصة دون أن تكون تابعةً لأوامر البشر، إلا أن حركتها تلك —وفي إطار الحكمة الإلهية— تصبُّ بصفةٍ غير مباشرة في خدمة مسار الرشد والكمال الإنساني.
فالآيات القرآنية مثل: «وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا؛»[1]، و «وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ»[2] توضح أن نظام الكون يسير وفق قوانين إلهية مستقرة، وليس بحسب إرادة الإنسان. هذه القوانين هي التي تتيح للإنسان الحياة والفهم والتطور. لذا، عندما يُقال إن الخلق في تسخير الإنسان، فهذا لا يعني أن الإنسان مركز الكون أو مالك المخلوقات، بل أن بنية الكون مُهيأة ليجد الإنسان موقعه ويخطو طريق النمو والكمال. وفي مقابل “التسخير”، يبرز مفهوم “السيطرة” أو “الهيمنة” الذي يعكس نزعة التصرف الأحادي والنظرة الأدواتية للعالم؛ خلافاً للتسخير الذي يمثل علاقةً تبادلية وعملية تفاعلية بين الإنسان والوجود، تقوم على ركنين:
- الكون بقوانينه يوفر للإنسان بيئة النمو والتطور.
- والإنسان من خلال فهمه لهذه القوانين ينسّق سلوكه معها.
إن قوة الإنسان في الكون هي قوة الإدراك والتمييز، وليست قوة الغلبة المادية؛ أي أنه بعقله وبفهمه هو مسخر الخلق، لا بالقوة والجبر. وكلما أتقن الإنسان فهم قوانين الخلق ونظام الوجود، زادت قدرته على إدارتها واستثمارها. وبالتالي، فإن تسخير الخلق يعني الانسجام بين الإنسان والعالم في مسار الحكمة الإلهية، وأي تجاهل لهذا الانسجام يؤدي إلى الفوضى الداخلية والخارجية والضرر بالبيئة.
تجليات التسخير في الآفاق (العالَمِ الخارِجي)
حين يتردد مصطلح “تسخير الكون”، ينصرف الذهن غالباً نحو الظواهر الطبيعية المحسوسة؛ بيد أن “الآفاق” ليست مجرد حيز بيئي يحيط بنا، بل هي الوجه الخارجي لمنظومة متكاملة يتشكل في كنفها وعي الإنسان، وحياته، ومسار ارتقائه. وتتجلى شواهد هذا النظام المتسق في مفاصل الكون كافة؛ بدءاً من مسافة دقيقة بين الأرض والشمس، وتركيب الغلاف الجوي، وصولاً إلى تعاقب الليل والنهار وتناغم الفصول وتداخل العناصر الطبيعية. إن هذه الظواهر ليست أحداثاً صدفوية أو عبثية، بل هي جزء أصيل من التدبير الإلهي لإيجاد عالمٍ قابل للاستيعاب والعيش بالنسبة للإنسان. وقد أشار القرآن الكريم إلى هذه الحقيقة في أبهى صورها بقوله تعالى: «وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ»[3]؛ وهو ما يعني أن بنية السماوات والأرض صِيغت ضمن إطار غائيّ يتسق تماماً مع الاحتياجات الوجودية للإنسان وطاقاته الكامنة. ولفهم هذا النظام المتناغم مع البنية الوجودية للإنسان، يمكن النظر إلى مستويين من التسخير:
▪ تسخير مباشر: وهو ما سُخّر للإنسان من ظواهر وموارد تقع تحت نطاق إدراكه وتصرفه، حيث يمكنه استثمارها من خلال سبر أغوار قوانينها؛ كالأرض والنبات والأنعام والماء والمعادن ومصادر الطاقة والرياح والبحار. إن هذه الموارد لا تمثل مجرد أدوات للاستهلاك، بل هي مختبرٌ لتعميق التجربة الإنسانية وإنماء القوى العقلية والإرادية.
▪ تسخير غير مباشر: ثمة أجزاء في هذا الكون لا يملك الإنسان فيها حولاً ولا طولاً، ولا قدرة له على التصرف فيها، بيد أن حياته مستحيلة من دونها؛ بدءاً من النظام الكوني ودوران الأرض، وصولاً إلى ثبات الرواسي. [4] بل إن هذا النظام يمتد ليشمل الدور الذي تلعبه بعض المخلوقات، كالشيطان، في مسار الابتلاء والاصطفاء الإنساني. وتُعد الملائكة ركناً جوهرياً في نظام “التسخير الخفي”؛ فهم ليسوا كائنات معزولة عن عالمنا، بل شركاء في تدبير شؤون الخلق، من إنزال الأرزاق إلى حفظ الأنفس. ومع أن الإنسان لا يملك سلطةً عليهم، إلا أن التقدير الإلهي جعل آثارهم وخدماتهم في مصلحته، تماماً كما ينتفع بضوء الشمس أو استقرار الأرض. إن “تسخير الآفاق” هو تناغم حكيم بين العالم الخارجي وبين البنية الوجودية للإنسان وقدراته ومسارات نموه؛ فكل مستوى في الوجود، من حركة المجرات إلى هبوب النسيم، مُهَيَّأٌ ليدرك الإنسان مقامه الحقيقي ويمضي نحو كماله المنشود.
تجليات التسخير في الأنفس (باطن الإنسان)
وكما صيغت الطبيعة بنظامٍ دقيق، شُكِّلَت البنية الداخلية للإنسان بحكمةٍ تامة لتمكينه من التمييز والاختيار. فالجسد، والعواطف، والغرائز، والعقل، والقوى الإدراكية، تشكل معاً منظومةً معقدة ومتناغمة، تتجاوز مجرد التنظيم الحيوي لتصنع إطاراً يتيح للإنسان اتخاذ قرارات صائبة وتحديد مساره. وحين يشير القرآن الكريم إلى أن ما في السماوات والأرض مسخرٌ لنفع الإنسان وتكامله، فإن هذا التسخير لا يقتصر على “الآفاق”، بل يمتد إلى “الأنفس”؛ فهي جزءٌ من ذلك التدبير الإلهي المحكم. لقد فطر الله قوى الإنسان الداخلية لتكون أداةً للإبصار الصحيح والتمييز الدقيق. ويمكن تلمس هذا “التسخير الداخلي” في ثلاث صور رئيسية:
- أبعاد بيولوجية وفطرية: فالنوم واليقظة، والجوع والشبع، وجهاز المناعة، وظائف تتجاوز غاية البقاء المجرد، لتكون جزءاً من نظام تربوي إلهي يدفع الإنسان نحو غاية خلقه.
- قدرات نفسية وعقلية: فالذاكرة، والتحليل، والوجدان، والإرادة، ليست مجرد أدوات معرفية، بل هي قنوات تُصقل من خلالها الشخصية الإنسانية.
- البُعد الملكوتي والمدد الملائكي: لا يقتصر حضور الملائكة على تدبير العالم الخارجي، بل إن الإلهام الوجداني والمدد الغيبي يشكل شبكةً حكيمة لا تترك الإنسان وحيداً حتى في أعمق طبقات وجوده الداخلي.
إن تسخير الخلق في الرؤية القرآنية أبعدُ من مجرد سيطرة أو استحواذ مادي على الكون؛ فالوجود منظومةٌ غائية صُممت ليحيا فيها الإنسان، ويتعلم، ويجد طريقه نحو الحق. والآفاق والأنفس ليسا عالمين منفصلين، بل هما شطرا مشروعٍ إلهي واحد، يكتشف الإنسان من خلالهما هويته ومسيرته.
تساؤل للبحث: كيف تقرأ مفهوم “تسخير الخلق”؟ هل تراه تناغماً وجودياً مع بنية الإنسان وحاجاته، أم تراه نوعاً من السيادة والقوة الإنسانية في مواجهة الطبيعة؟
ننتظر آراءك حول هذا الموضوع.
[1] سورة یس، الآية 38
[2] سورة الانبیاء، الآية 33
[3] وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ؛ سوره جاثیه، آیه 13
[4] وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا؛ سوره نبأ، آیه 7