علاقةُ الإنسان بالملائكة؛ كيف تُشكِّل هذه الكائناتُ اللامرئية حياتَنا؟
ما طبيعةُ الملائكة، ولماذا هي محجوبةٌ عن أعيننا؟
وكيف تكون علاقةُ الإنسان بالملائكة، وما دورُهم في حياة البشر؟
إنّ لكلّ موجود، ولكلّ ذرّةٍ في هذا العالَم، وجهين: وجهٌ ظاهريّ دنيويّ نُشاهده جميعًا، ووجهٌ باطنيّ ملكوتيّ، خفيٌّ عن أعيننا، لا يُدرِكه إلا أولياءُ الله وأهلُ المعرفة الذين تجاوزوا الحُجُب المادية. إن الحقيقة الجوهرية للوجود تكمن في الوجه الباطني؛ فما نعدّه جامداً أو ميتاً في العالم الظاهري، هو في حقيقته حيّ مدرك وذو شعور، لكن هذا الإدراك ينتمي إلى مقولة روحانية وملكوتية لا تخضع لوسائلنا الحسية والتجريبية. وحتى أعمق العلوم البشرية التي تتغلغل في بنية الذرات، تبقى عاجزة عن رؤية هذا الوجه الملكوتي، لأن الملكوت والجوهر الباطني خارج عن متناول الحواس. إنّ علاقة عالم الملكوت بالدنيا تُماثل علاقة الدنيا برحم الأم؛ فكما أن الرحم مُحاط بالدنيا ومُحتوى فيها من كل جانب، فإن عالم الدنيا بدوره يتوسط عالم الملكوت ويُحاط به إحاطة كلية. وكما أن الجنين في الرحم يعتمد على الدنيا لتلبية كل احتياجاته من غذاءٍ وطاقةٍ وغيرها، ولولا الدنيا لما أمكن للجنين داخل الرحم أن يستمرّ حيًّا، بل ولما تكوّنت النطفة أصلًا، فإن عالمنا كذلك؛ إذ لو انقطع الاتصال بين الدنيا والملكوت ولو للحظة واحدة، لاندثر الكون وما فيه، بمن فيهم الإنسان.
بعد إرساء الأساس في المقالات السابقة، ننتقل هنا لبحث كيفية اتصال عالم الملكوت بالدنيا، وكيف يُلبي احتياجات الإنسان في الدنيا. وبصيغة أدق، سنتناول علاقة الإنسان بالملائكة ودورهم في حياته؛ فالملائكة هم الكائنات الموكلة إلهياً بتأمين احتياجاتنا ودعمنا في الدنيا والآخرة.
رحلة من عالم الأمر إلى عالم الخلق: سر الترابط
نحن أمام عالمَين: عالم الأمر (الملكوت) وعالم الخَلْق (الدنيا). عالم الخَلْق هو عالمنا المادي المحسوس الذي نعيش فيه الآن، أما عالم الأمر فهو عالم باطني غير مادي، يقع في مرتبة أعلى من عالم الناسوت وأدنى من الجبروت واللاهوت ولا يمكن التواصل معه بواسطة الحواسّ الظاهرة. إن كل ما يحدث في عالمنا—من حركات وأحياء ووفيات وتوزيع أرزاق—يُدار ويُربَّب من قِبَل عالم الملكوت وكما ذكرنا، لولا هذا العالم، لما استطاعت الدنيا أن تستمرّ في حياتها لحظةً واحدة.
وإذا أردنا أن نُقرّب علاقة الإنسان، بل علاقة عالم الخَلق كلّه، بعالم الأمر والملكوت من خلال مثالٍ واضح، فسنقول: إنّ هذه العلاقة تُشبه علاقة صورنا الخياليّة بنا. فحين نتصوّر في خيالنا شيئًا، كشجرة، أو سيّارة، أو وجه أمّنا، أو أيّ شيء آخر، فإنّ هذا الشيء يبقى ما دام انتباهُنا وعنايتُنا موجَّهين إليه. وما إن نصرف انتباهنا عنه ونلتفت إلى شيءٍ آخر، حتى تختفي تلك الصورة الخياليّة فورًا، ويتلاشى شكلُها وهيئتُها. وليس معنى هذا أنّها فنيَت تمامًا، بل إنّها تعود إلى نفوسنا التي كانت هي الأصل والمصدر في إيجادها، ويمكننا في أيّ لحظة أن نُعيد تشكيلها مرةً أخرى بواسطة قوّة خيالنا.
إن علاقة الإنسان والدنيا بعالم الأمر والملكوت مشابهة لذلك؛ فلو أن الله – سبحانه – بوصفه الخالق، والملائكة بوصفهم قواه وأذرعه التنفيذية في الكون، رفعوا عنايتهم للحظة واحدة، لتبدد القالب المادي والجسدي للإنسان ولجميع المخلوقات، وعادت إلى الملكوت، تمامًا كما يحدث لصور الخيال، على النحو الذي شرحناه.
ماهية الملائكة ومراتبهم
إنّ من بين سكّان عالم الأمر وعالم الخَلق هم الملائكة. الملائكة هم جمعُ «مَلَك»؛ أي مَن له قُدرة وملك وسلطان ما يُمكّنه من التدخّل في كثير من شؤون العالم. إنها كائناتٌ غير مرئية، فوق طبيعية، عاقلة، واعية، مكلّفة بتنفيذ أوامر الله تعالى في الدنيا والآخرة، وقد جعلهم الله وُكلاء على الكون كلّه، ووكلاءه في تدبير شؤون الوجود.
ورغم عدم ورود نص صريح في القرآن يحدد ماهيتهم، فمن المسلّم به أن للملائكة ماهية مغايرة للإنسان والجن. وبينما يرى فريق من العلماء أن الملائكة كائنات مجردة وغير مادية، يرى آخرون أنها تمتلك “جسماً لطيفاً” متميزاً عن الأجسام المادية، لا يُدرك حسياً ولا يخضع للأبعاد الثلاثة. لكن الجميع متفقون على أنها لا تخضع لحواسنا الخمس ولا يمكن إدراكُهم إدراكًا حسّيًا.
تتفاوت الملائكة في المراتب والمهام؛ فبعضهم أعلى شأناً ومقاماً من بعض، مثل الملائكة المقربين: جبرائيل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل. وتشمل مهامهم إبلاغ الوحي، تسجيل أعمال البشر؛ خيرها وشرّها، الحماية من المخاطر، العون في الشدائد، وتوزيع الرزق (المادي والمعنوي)، وقبض الأرواح، وهداية القلوب، وإنزال العذاب على الأمم العاصية.
من حركة الذرّة إلى دوران الكواكب؛ بقوّة الملائكة
إن العلاقة بين الإنسان والملائكة هي علاقة وجودية عميقة ومتأصلة تتجاوز الارتباط الظاهري، إذ يعتمد وجود أحدهما على الآخر، اعتمادًا يؤثّر في ماهيّة كلٍّ منهما وحقيقته. فبما أن الإنسان هو محور الخلقة وغايتها، فقد خُلقت الملائكة لتلبية احتياجاته في مسيرته نحو الكمال.
يرى أهل الحكمة أن الملائكة هم قوى النظام الكوني؛ أي القوى التي يستخدمها الله لإحداث تغييرات في نسيج الوجود. إن العلاقة معهم معقدة ووثيقة؛ فلو غابت الملائكة لانعدمت الحياة على الإنسان. فمن لحظة تكوّن نطفة الإنسان في قرار مكين وحتى بعثه ودخوله البرزخ والقيامة، تلازمه الملائكة، وتتم جميع شؤونه، صغيرها وكبيرها، بقوتهم وعونهم. فالملائكة هم الذين يُؤمّنون حاجتنا إلى النور، والماء، والأكسجين، والغذاء، وسائر ما نحتاج إليه، وهم الذين يتولّون رعايتنا. نحن غارقون بشكل عجيب في بحر من الملائكة! مليارات منهم يعملون حولنا كـ “موظفين” مُتفانين، يؤدون واجباتهم بدقة متناهية، بلا أدنى خطأ، تمامًا كالموظّفين الواعين بأماناتهم. ولو أمكن لنا أن نُدرك حجم حضور هذه الكائنات اللطيفة المحبّبة، أو نراها، لابتُهِرنا بلا شك!
كل حركة وتغير في الكون_من حركة الغيوم، والرعد، ونزول الثلج والمطر، وهندسة رقائق الثلج الجميلة، ونمو البذرة، ودوران الكواكب، وتفاعلات كيميائية في التربة_كلها تتم بقوة الملائكة. وأي فيض يتلقاه الإنسان من الطبيعة أو ما وراءها، هو نتيجة مباشرة لاتصاله بالملائكة ومساعدتهم له. لا تتحرك ذرة أو إلكترون أو بروتون في الكون إلا والملائكة إلى جانبه، يوجهونه بقوتهم إلى حيث يجب أن يتجه.
في حقيقة الأمر، الملائكة هم مظاهر أسماء الله، وبواسطتهم تتجسد إرادة كل اسم إلهي في الكون. كل ما يُخلق أو يموت، وكل ما يتصل أو ينفصل، وكل تحول في أجزاء العالم، يتم على أيديهم.
وسنتوسع في مقالات لاحقة في موضوع تجلي الأسماء الإلهية عبر الملائكة، وعلاقة مفهوم القوة في الملائكة بما نعرفه في الفيزياء من مفاهيم القوة والطاقة. ولكن قبل ذلك، ندعوكم للتأمل في هذه المفاهيم والكتابة لنا عما يتبادر لذهنكم.