منهج لمقاومة الشعور بالخسران: أثر الرؤية الأبدية في حياتنا
هل تساءلت يوماً عن حجم تحول قد يطرأ على حياتك لو أنك اعتبرت وجودك كياناً أبدياً؟ وهل يمكن التغافل عن تأثير نظرة أبدية في مسار حياة الفرد؟إن امتلاك رؤية أبدية، على الرغم من كل قيود قد يفرضها، يُحدثُ فرقاً جوهرياً مقارنةً بالنظرة المادية الصرفة. جميعنا يطمح إلى يومٍ نعيش فيه بسعادةٍ وطمأنينة، متجردين من أحداث الحياة اليومية ومصاعبها. وكثيراً ما نلتقي بأشخاصٍ يتمتعون بهذا السلام الداخلي، رغم تقلبات الحياة ومحنها. قد يبدو صعباً في الوهلة الأولى أن نُسلّم بأن مجرد اختلافٍ في طريقة التفكير يمكن أن يُغيّر حياتنا بهذا الشكل الجذري، ولكن الحقيقة هي أن جميع اختلافاتنا في السلوك والأداء، ومستوى صبرنا على مواقف مختلفة، بل وحتى طريقة تفاعلنا في الحياة الاجتماعية، تنبع من هذه الرؤية، أكانت خلودية أم محدودة. بعبارة أخرى، إن النظر إلى الحياة بعين الأبدية لا يغيّر فقط تصوّرنا عن الآخرة، بل ينعكس كذلك على سعادتنا وطمأنينتنا في الدنيا. في هذا الدرس، سنتوقف عند تأثير الإيمان بالأبدية على الأخلاق، والصبر، وطريقة تعاملنا مع تحديات الحياة، لنفهم سرّ الوصول إلى السعادة والسلام الداخلي عبر هذه الرؤية.
الحرمان من النظرة الأبدية
تتمحور معظم أحزاننا وآلامنا حول إحساسنا بالخسارة والفقدان الذي نختبره في ظروفٍ مختلفة. فقد يقضي الإنسان عمره في خدمة عائلته أو جهود معينة، دون أن يحظى بتقدير أو اهتمام الآخرين. أو قد تُلمّ به في حياته مشكلاتٌ تُبدّد جهود سنواتٍ طويلة وتجعلها هباءً منثوراً. في مثل هذه الحالات، يكون التفكير في أن سنوات العمر المحدود قد أُنْفقت على أمور لم تؤتِ ثمارها، بل قوبلت بالجحود، أمراً مؤلماً يسبب العذاب؛ وقد يصل الأمر إلى حد الإصابة بالمرض والقلق والتوتر.
كل ذلك يحدث لأننا إمّا نفتقد النظرة الأبدية لأنفسنا تمامًا، أو نعلم أننا مخلوقات خالدة ولكن لا نؤمن بها بصدق في أعماقنا. إن الإحساس بالخسارة يولد حين نغفل عن الله كمصدر كل خيرٍ وبركة ونطلب تعويضاً لجهودنا من أشخاصٍ هم في وسعهم وقدراتهم البشرية المحدودة.
إن النظرة المادية للحياة تضعنا في إطارٍ محدود، وقلق، ومُتّكِل؛ لأننا نعتقد أن كل شيء ينتهي هنا، وأنّ هذه الحياة المحدودة هي المقياسُ الوحيد لنجاحنا أو فشلنا النهائي. بينما امتلاكنا لرؤيةٍ فطرية يربطنا بأفقٍ خالد، تكتسب فيه حتى إخفاقات الحياة وتقلباتها معنىً جديداً. إنّ امتلاك نظرة أبدية يجعلنا ننظر إلى كل ظرفٍ من هذه الظروف على أنه فرصةٌ لتربية أنفسنا واكتساب اسمٍ في مدرسة الدنيا. فالفقدان والإخفاقات وصعوبات الحياة تُصبح كلها رصيداً ثميناً لحياتنا الخالدة.
صفقة رابحة؛ تأثير النظرة الأبدية
في هذه الرحلة، نتعامل مع وجود مطلق اسمه الله، الغنيَّ عنّا من كل وجه، وكلُّ أفعاله وتعامله معنا إنما هو في مقام المربّي وبروح الرحمة. فالنجاح في حياتنا الأبدية لا يقوم على نتائج الدنيا ومكاسبها المألوفة، بل يتوقف على صفاء نياتنا وصدقها، وعلى مدى تشبّهنا بالله، وعلى تحصيل قلب سليم.
التجارة مع الله ونظامه الأبدي لا ترفع عنّا الحسرة فحسب وتجعلنا الفائزين الدائمين في الميدان، بل تمنح حياتنا الطمأنينة والسرور بحمايتنا من سهام الشيطان من أمام ومن خلف. فلا نخشى جحود الناس ولا ضياع أعمارنا وأموالنا التي بذلناها لأجلهم، ولا نستشعر قلقًا من مستقبل ينتظرنا، إذ نحن مع إله كريم، جابرٍ قادرٍ على أن يحوّل كل إخفاقاتنا وانكساراتنا إلى انتصارات. وهكذا تغدو الخسارة في المعاملة مع الإله الكريم الغني أمرًا لا وجود له.
مثلُ هذا المنظور يمدّنا بقوة الصبر، ويهبنا حياةً هادئةً مفعمةً بالرضا حتى في ظلّ أقسى البلايا والمصائب. كما أنّ السيدة زينب سلام الله عليها، في واقعة كربلاء، ومعاملة الإمام الحسين عليه السلام وأصحابه مع الله، لم تر خسارة ولا حسرة، بل لم تر إلا جمالًا. فإذا آمنّا بأن الأجور والنتائج لا تنحصر في هذه الدنيا، عندئذٍ ستغدو آلامنا ومشاقّنا بوجهٍ آخر ونكهةٍ مختلفة.
النظرة الأبدية أساس الحياة السعيدة والبلا توقُّف
كما ذكرنا، فإن مفاهيم الخسارة والضياع تصبح بلا معنى في حضرة الخالق القدير، الذي يمكنه بعظيم رحمته ورأفته أن يعوّضنا عن إخفاقاتنا وأن يحوّل كلّ ما فقدناه في الدنيا إلى وضعٍ مثاليٍّ في الآخرة. إننا كالعادة نُصاب بالغضب أو الحزن عندما يسيطر علينا وهم الخسارة؛ فإذا ما زال هذا الوهم، وأدركنا أن أصغر أعمالنا الإيجابية يُحسب لنا، لم يبقَ أي مبرر للغضب أو الحزن. بالإضافة إلى ذلك، فإن كسلنا وفقداننا للحافز، وشعورنا بالخواء، وغضبنا وسوء خلقنا، كلها ناتجةٌ عن نسيان الآخرة وفقدان النظرة الأبدية للذات. بمعنى آخر، هذه المشاعر هي نتاج نظرةٍ لا ترى سوى الدنيا، وتغفل عن الأبدية. إذا نظرنا إلى الحياة الدنيا على أنها جزء من مسار أوسع نحو الأبدية، فإن أي تأجيل أو إضاعة للوقت يصبح بلا معنى. فنحن مثل جنين يتشكل باستمرار ويستعد للحياة، نحن أيضًا في رحم الدنيا في حالة صيرورة دائمة؛ وكل انشغال أو تكرار للأخطاء يبطئ أو يوقف مسيرتنا نحو الآخرة، ولا يجلب لنا سوى الضرر والخسارة، ولا يمكن تفادي هذا الضرر إلا بالنظرة الأبدية.
في الواقع، امتلاك نظرة أبدية يجعلنا نرى هدفنا وغايتنا فيما يتجاوز الدنيا، ويهيئنا للتربية وفق النظام الأبدي. فلكي نستفيد من نظام الآخرة، يجب أن نتوافق مع شروطه ومتطلباته، والتي تتحقق داخل رحم الدنيا. إن وضع الهدف على حقيقة خالدة وأبدية يحررنا تلقائيًا من قيود علاقات زائلة ومحدودة في الدنيا. فبوجود الله، نصبح شخصياتٍ أحراراً غير معتمدين على أحد، لا ننتظر ثناءً أو تملّقاً من الآخرين، ولا نبطئ مسيرتنا إلى الأمام في انتظار تقديرهم. وهكذا، فإننا لا نتحرك فقط نحو مستقبلٍ مشرقٍ في الآخرة، بل ننعم أيضاً بالسعادة والطمأنينة في الدنيا.