فهم العلاقة بين الإنسان والله؛ الأساس الخفيّ للهوية والإرادة والوجود
لا يكاد يوجد سؤال في رحاب الحياة الإنسانية امتدّ في نسيج وجود البشر أعمق من هذا السؤال: ما حقيقة العلاقة بين الإنسان والله؟ فهذا السؤال ليس قضیة نظرية مجرّدة، ولا موضوعًا خاصًّا بالدين فحسب؛ بل هو الأساس الذي تقوم عليه جميع تجاربنا، من فهم الهوية والأخلاق، إلى الإحساس بالضعف والقوة، والأمل والقلق. فالإنسان، سواء أدرك ذلك أم لم يدركه، يعيش في كل لحظة في علاقة مع حقيقةٍ لامتناهية؛ حقيقةٍ تجعل حضوره ممكنًا، ودوامه قائمًا، وقواه متحققة. وإذا لم تُفهم هذه العلاقة على نحوٍ صحيح، غدا مفهوم «الأنا» غامضًا ومبهمًا.
إن العلاقة بين الإنسان والله ليست مجرد ارتباط تعبّدي أو نفسي، بل هي صلة وجودية وتكوينية تُحدِّد بنية وجود الإنسان نفسه. فما يجعل الإنسان إنسانًا هو أن حقيقته قائمة بوجود الله، وأن كل قوةٍ لديه، وكل إرادةٍ وحركةٍ وبقاء، تنبع من المصدر الذي هو المالك الحقيقي للعالم. يسعى هذا المقال إلى تقديم صورةٍ أدقّ وأعمق عن العلاقة بين الإنسان والله، بالاستناد إلى هذا الأصل الجوهري ـ أي أن الإنسان قائم بوجود الله وملكية الله الحقيقية.
قوام الذات الإنسانیة بالباری وآثاره الوجودیة
لم یأت الإنسان إلی هذا العالم ککیانٍ مستقلٍ بذاته، بل إن حقیقته لیست سوى ظهورٍ وتجلٍ للخالق سبحانه. وهذا القول لیس مجازاً شعریاً، بل هو تقرير وجودیٌّ عمیق. ولتقریب هذا المفهوم، دعونا نتأمل فی “الصورة الذهنیة” وعلاقتها بصاحب الخیال؛ فعندما يتصوّر الإنسان في ذهنه شخصاً قويًّا ذا إرادة، فإن كل قوته وحركته تصدر في الحقيقة من الإنسان نفسه، ولو انصرف لحظةً عن هذا التصوّر، فإن ذلك الكائن المتخيَّل لا يفقد قدرته فحسب، بل يفنى ويزول. فهذا الموجود الخيالي ليس إلا بروزًا وتجليًا لوجودنا. کما هو الحال في شخصیة الأجواء وقوانین أي کتاب؛ فهي في جوهرها لیست إلا انعکاساً لما یختلج في باطن مؤلفه.
وتنبع أهمية هذا المثال من كونه يقرّبنا من فهم ماهية العلاقة بين الإنسان والله؛ فالإنسان مظهرٌ حقيقيٌّ لله، وكما أن الصورة الذهنية متعلّقة بالمتصوِّر، فإن الإنسان متعلّق بالله. فقوتنا، وإرادتنا، وبقاءنا، وقدرتنا على التأثير، ليست شيئًا من ذواتنا، بل هي جريان القدرة الإلهية في وعاء وجودنا.
من هذا المنظور يكتسب ذكر «لا حولَ ولا قوّةَ إلا بالله» معنىً يتجاوز كونه ذكرًا تعبّديًا؛ إذ يغدو بيانًا موجزًا لحقيقةٍ ميتافيزيقية: فلا حركة، ولا تغيّر، ولا قدرة، ولا أثر مستقلّ يتحقّق من جانب الإنسان؛ بل كلّ ذلك حولٌ وقوّةٌ تتدفّق من الله وتظهر في الإنسان.
وهذا الإدراك الوجودي هو الأساس لفهمٍ صحيحٍ للعلاقة بين الإنسان والله. ففي هذه العلاقة، ليس الإنسان شريكًا لله، ولا منافسًا له، ولا كائنًا مستقلًا ينجز بعض الأمور بنفسه. إنما هو وعاءُ تجلٍّ؛ شعاعٌ إن توقّفت الشمس لحظةً عن الإشعاع تلاشى. إنَّ مثل هذه المعرفة من شأنها أن تجتثّ جذورَ الغرور والادعاء بالاستغناء أو توهُّم الاستقلال لدى الإنسان، دون أن تـنال من کرامته أو تُقلّل من شأنه؛ بل إنها تضعه في موضعه الدقیق ضمن نظام الکون: فهو کائنٌ يملكُ القدرة، لکنّ هذه القدرة لیست مِلکًا له، ویملك الإرادة، لکنّ إرادته قائمةٌ على غیره ومستمدةٌ منه.
الملكيّة الحقيقيّة لله وتبيين العلاقة الوجوديّة بين الإنسان والله
الله تعالى هو «ربّ العالمين» والمالك الحقيقي للوجود كلّه. هذه المِلكيّة ليست مِلكيّةً تعاقديّة أو اعتباريّة، بل مِلكيّة وجوديّة. ففي المِلكيّات تكون النسبة بين المالك والمملوك نسبةً قانونيّة؛ يشتري الإنسان بيتًا، فيُثبّت القانون هذا العقد. أمّا في العلاقة بين الله والإنسان، فالأمر مختلف: فالله مالكُ ذاتِ الإنسان، أي إن وجود الإنسان من الله، ولا بقاء له من دونه.
وهذه الحقيقة ـ على بساطتها الظاهرة ـ هي المفتاح لفهم الرابطة بين العبد وربه. فالملكية الحقيقية تعني أن الإنسان “مملوکٌ بذاته” لا بموجب قانونٍ خارجي. فوجودنا، واستمرارنا، وقدراتنا، وعينا، وكل تجليات كياننا، إنما هي فيضٌ متدفق من المنبع الإلهي؛ ولو انقطع هذا الفيض لحظةً واحدة، لم يبقَ لنا شيءٌ ننسبه لأنفسنا.
وهنا يتضح لنا مثال “الصورة الذهنية”: فالكائن الذهني إذا غفل عنه صاحب الذهن طرفة عين، تلاشى وانعدم. ومع تأكيدنا على أن الإنسان ليس كائناً خيالياً، بل هو حقيقة موجودة، إلا أن هذه “الحقيقة الوجودية” هي ذاتها متعلقة بالله. فنحن في صميم وجودنا متعلقين بخالقنا؛ أي أن وجودنا لا يكتسب معناه إلا من خلال هذه النسبة الإلهية.
بناءً على هذا التصور، لا تصبح العلاقة بين الإنسان وخالقه علاقة بين ذات مستقلة وأخرى، بل هي علاقة التجلي بـمصدره، والمظهر بـمُظهره، والمفتقر بـمُفيضه. هذه الرؤية تعيد تحديد موقعنا في هذا العالم؛ فنحن لسنا كائناتٍ نملك بعض قُوانا من ذواتنا، ونستمدّ بعضها الآخر من الله. بل نحن قائمون بالله في كل أمورنا، محتاجون إليه كلياً، ومملوكون له تماماً. والغريب أن هذا الاحتياج ليس موطن ضعف، بل هو الركيزة الحقيقية ونقطة الاستناد الوحيدة التي نستمد منها قوتنا.
آثار “القیّومیة” والملکیة الحقیقیة فی فهم العلاقة بین العبد والرب
إنّ إدراک قیام ذات الإنسان بذات الله هو الحجر الزاوية الذي لا یمکن فهم العلاقة بین العبد وخالقه بدونه، ویتجلى ذلک فی المحاور التالیة:
- نفي الاستقلال الذاتي
عندما یعی الإنسان أنّ وجوده قائمٌ بالله، ينهار معنى «الأنا المستقلّة». فالهوية الحقيقيّة للإنسان هويّةٌ اشتقاقيّة؛ أي إنها لا تكتسب معناها إلا في ظلّ تعلّقها بالله. هذا الفهم يكشف عن جانب جوهري من العلاقة بين الإنسان والله؛ الإنسان لیس کائناً موازياً لله أو مستقلاً بذاته، بل هو فی کل شؤون وجوده “ظهورٌ” لتجلیاته سبحانه.
- فهم حقيقة العبوديّة
حين يتّضح أنّ كلّ ما نملكه من الله ـ من قدرة، وعقل، وإرادة، وفرصة، وبقاء، وغير ذلك، يصبح الادّعاء أو المطالبة بحقٍّ على الله أمرًا لا معنى له. فالإنسان لا يملك حقًّا ذاتيًّا، ولا رصيدًا مستقلًّا يمكنه الاتّكاء عليه. هذا المنظور يقرّبنا من العبوديّة الحقيقيّة، عبوديّةٍ قائمة على الخشوع والمعرفة، لا على الإكراه أو الخوف.
- فهم عميق لـ «الحول والقوّة»
إنّ کل فعل یصدر عن الإنسان إنما یستمد حوله وقوته من الله؛ فالله لیس مجرد خالقٍ أوجد الکون ثم ترکه، بل هو الفاعل المستمر فی کل حین. هذا الإدراک یمنح العلاقة بین الإنسان وربه بعداً عمیقاً، حیث یشعر الإنسان فی کل لحظة أنه یستند إلى قدرةٍ لیست من لدن نفسه، بل هی فیضٌ دائم.
- رؤية جديدة للقوّة والقدرة والإرادة
إنّ فهم الربط الوجودی بین الخالق والمخلوق لا ینفی إرادة الإنسان، بل یضعها فی نصابها الصحیح؛ فللإنسان إرادة، لکنها لیست مستقلة. وهذا لا یعنی “الجبر” بأی حال، بل یعنی “الربط الوجودی”؛ فمن کان وجوده قائماً بالله، کان اختیاره أیضاً قائماً به. فالإنسان مختار، لکنّ هذا الاختیار فی أصله ومنتهاه من فضل الله علیه.
التوحيد بوصفه الأفق النهائي للعلاقة بين الإنسان والله
إنّ “الذات الإلهية هي الوجود المطلق، والوجود المطلق لا يترك مجالاً لوجودٍ مستقلٍّ سواه”. تُعدّ هذه القاعدة من أعمق القضايا في الأنطولوجيا الإلهيّة وأعمقها؛ فمطلق الوجود يعني استغراق كافة المراتب الوجودية فيه، لا بمعنى الفناء والعدم، بل بمعنى التبعية الذاتية المطلقة. هذه الرؤية تنقل علاقة الإنسان بالله من سطحيتها المعهودة إلى عمقها الوجودي الأصيل.
وفق هذا المنظور، لا يقف الإنسان في موازاة الله، ولا حتى بجانبه؛ بل هو دائمًا في شعاع وجوده. فالتوحيد هو إدراكٌ شهوديّ بأنّ كل ما سوى الله لا يملك استقلالاً، بل وجوده وجودٌ “ربطيّ”. وهذا المفهوم يبلور حقيقة “القيّومية”؛ فالقيام بالذات الإلهية ليس صفةً للإنسان وحده، بل هو حال العالم بأسره؛ فالعالم كله “ظهور”، كله “مظهر”، وكله “مرآة”.
من هذا المنظار، لا تعود العلاقة بين الإنسان والله مجرّد علاقةٍ بين موجودين، بل تصبح نسبةً بين الحقيقة المطلقة وتجليّاتها. وهي نسبةٌ غير قابلة للانفصام، لا تنقطع لحظةً واحدة، ولا يخرج عن نطاقها أيُّ بُعدٍ من أبعاد الحياة البشرية.
وبناءً على ما سبق، نخلص إلى نتيجةٍ جلية: “لا يمكن تصور الإنسان بمعزلٍ عن الله”؛ لا في بدايته، ولا في بقائه، ولا في قوته، ولا في إرادته أو عمله. هذه هي جوهرة العلاقة الوجودية بين الإنسان والله سبحانه؛ حيث يكون الإنسان قائمًا بالله كليًّا، وتكون إرادته وقدرته مظهرًا للقدرة الإلهية، ووجوده مملوكًا حقيقيًّا لخالقه، وما يسميه “قوةً” أو “تملّكًا” ليس إلا أمانةً فائضةً من ربه.
إنّ الفهم السويّ لهذه النسبة كفيل بتغيير رؤية الإنسان للكون، بل وإعادة صياغة هويته، وأخلاقه، ومعنوياته، ومفهومه عن القوة والحرية. حينها يستعيد الإنسان مكانته الحقيقية في الوجود: فلا هو بكائن ضعيف هامشي، ولا هو بمستقل مطلق، بل هو “وعاءٌ” يتجلى فيه النور الإلهي بقدر ما يمتلك من صفاءٍ ونقاء.
من هنا يتّضح لماذا تُعَدّ العلاقة بين الإنسان والله أهمّ مسألة في حياة البشر. فهي ليست مجرّد رابطة تعبّديّة، ولا عقدًا اعتقاديًّا، ولا حالةً نفسيّة، بل حقيقةٌ وجوديّة تتدفّق في أعماق كياننا في كلّ لحظة. فإن لم نعرف هذه النسبة، لم نعرف أنفسنا، وإن عرفناها على نحوٍ صحيح، اختبرنا العالم وخالق العالم في أفقٍ جديد.