هل مصير الإنسان مكتوب أم أن التغيير في الحياة ممكن؟

جدول المحتويات
هل مصير الإنسان مكتوب أم أن التغيير في الحياة ممكن؟

آثار التغيير في الحياة والمقدرات

هل تعتقد أن مصيرك مكتوب على جبينك ولا مفر منه؟ أو أن قدرك محتوم وعليك أن تعيشه كما هو؟ لا شك أنك مررت في حياتك بمواقف لم ترضَ عنها، وتمنّيت لو كان بوسعك أن تغيّرها. والخبر السار هو أنك، كإنسان، تملك هذه القدرة. لكن تغيير الحياة له قواعد وضوابط، وهذا ما سنناقشه في هذا الدرس.

إن تغيير الحياة، أو بعبارة أخرى: تغيير القدر الإلهي، يدخل تحت قانون القضاء والقدر. فكما تعلمنا في الدروس السابقة، لكل شيء قدر محدّد وميزان مضبوط، وباختيارنا لأي قدر، فإننا نواجه قضاءه ونتيجته. فمثلاً: إن قررنا البقاء في مدينتنا، سنعيش عواقب هذا القرار، وإن هاجرنا، سنواجه أقداراً أخرى قد تغيّر مسار حياتنا تماماً. نحن أحرار في اختيار الأقدار التي نريدها، لكن علينا أن ندرك أن كل خيار نحسمه يحمل في طيّاته عواقبه ونتائجه الخاصة. وغالباً ما نخطئ حين ننسى أن ما نعيشه هو نتاج قراراتنا، فنشكو من النتائج ونتهم القدر. على سبيل المثال: إذا هاجرنا إلى بلد آخر ولم نجد ما نرضى به من عمل أو حياة مستقرة، أو واجهت عائلاتنا مشكلات، فإننا نميل لإلقاء اللوم على قضاء الله بدل الاعتراف بأن قراراتنا هي السبب. إذن، من الأدق أن نقول: نحن نملك حرية الاختيار ضمن مشيئة الله، لكن يجب أن نكون على استعداد لتحمّل تبعات هذه الاختيارات.

إمكانية تغيير المصير

لقد تبيّن لنا أن تغيير الحياة والقدر أمر ممكن، لكن نتائج هذه التغييرات ترتبط بقراراتنا نفسها. فكل اختيار نقوم به يتبعه اختيار آخر خفيّ: عاقبته. فمثلاً: إذا اخترنا ممارسة الرياضة، تغيّرت أقدارنا من مرضٍ وسقم إلى عافيةٍ وحيويةٍ وعمرٍ مديد. أو إذا اخترنا مهنة التدريس، فإننا نؤثّر في حياة الآخرين ونغيّرها.

صحيح أن هناك جوانب من حياتنا ليست بأيدينا، مثل: البيئة التي ولدنا فيها، أو كوننا ذكوراً أو إناثاً، أو مواهبنا الفطرية. لكن رسم ملامح نمط حياتنا ومستوى معيشتنا أمر متروك لنا. نحن من يقرّر: هل نعيش كالجماد أو الحيوان أو النبات، أم نسمو بعقولنا لنعيش كالبشر كما أراد الله؟

تغيير الحياة مرهون بقرارات الشخص. وبمعنى آخر: لن يتبدّل وضعنا أو حالنا ما لم نمتلك إرادة حقيقية للتغيير. لقد وهبنا الله القدرة على أن ننتقل من قضاءٍ نعيشه إلى قدرٍ أفضل نختاره، على أن يكون ذلك عن وعي وتخطيط، لا اندفاع وتهوّر. فالاختيار غير المدروس قد يقودنا من وضع سيئ إلى أسوأ. ومن هنا، سنناقش في هذا الدرس الظروف التي تستوجب حقاً أن نغيّر حياتنا.

الدعاء وسيلة لتغيير الحياة

لا تسير الحياة دوماً كما نرغب، وقد نحتاج لتغييرها. لكن يجب أن نتذكّر أننا كبشر محدودو المعرفة، لا نحيط بجميع جوانب حياتنا. لذلك، يبقى أفضل خيار واعٍ لنا هو اللجوء إلى المتخصص المعصوم الذي يعرف أبعاد وجودنا كلها، ويدرك مسارنا وغايتنا، فيوجّه خطة حياتنا بما يصبّ في مصلحتنا وينتهي بنا إلى ولادة سليمة في الآخرة. ولهذا وفّر الله لنا طريقاً لتغيير مصائرنا، وهو التوجّه إلى الله بالدعاء عبر هذا المتخصص المعصوم الذي يملك البصيرة التامّة بحقيقتنا. فبدون هذا اللجوء، قد نأخذ قرارات تبعدنا عن الصراط المستقيم وعن الهدف الذي خُلقنا من أجله.

ضرورة تغيير الحياة

ذكرنا أنه بإمكاننا الانتقال من قضاء نعيشه إلى قدرٍ أفضل. لكن هناك أحوال يصبح فيها التغيير أمراً لا مفر منه. فمثلاً: إذا كانت بيئتنا أو أعمالنا تعيقنا عن التديّن والسير نحو هدف الخلق، وجب علينا أن نغيّرها. كوظيفة تُبعدنا عن الله، أو تخصّص يغذّي فينا الجانب المادي على حساب إنسانيتنا وعقولنا، أو محيط يدفعنا إلى نمط حياة حيواني أو نباتي بدلاً من الحياة الإنسانية، أو علاقات ومجالس تسحبنا بعيداً عن الله وحبّه. كل هذه الظروف لا مكان لها في طريقنا إلى الهدف الأسمى، ولا بد من تغييرها.

بمعنى آخر: ينبغي أن نرتّب حياتنا بما ينسجم مع ميولنا، لكن ضمن إطار الهدف الذي خُلقنا لأجله: السعي نحو الكمال المطلق. فهذا وحده يجلب السعادة والطمأنينة. ومهما بلغت حياتنا من رفاه وراحة، فإنها بلا طمأنينة لا قيمة لها. إذن، نمط الحياة الذي نختاره يجب أن يقودنا إلى السكينة، وإلا فهو قابل للتبديل.

فعلى سبيل المثال: إن كان عملنا يستنزفنا ويؤذينا، وجب علينا تغييره إن لم يكن ضرورياً. وإن كانت بيئة ما تهدّد تديننا أو دين أولادنا، حتى لو كانت مرفّهة، فهي ليست صالحة لنا. حتى الأصدقاء الذين يبعدوننا عن الله وأوامره، ينبغي أن نتخلّى عنهم، ولو كانوا سبباً في مكاسب دنيوية أو ألفنا صحبتهم.

فكل نمط حياة متعارض مع فطرتنا وحقيقتنا، ويبعدنا عن هدف الخلق، لا مكان له في مسيرتنا نحو الله، ولا بد من تغييره.

وهكذا، أدركنا أن كل قرار نتخذه يحمل نتيجته معه، وأننا باستغلال هذا القانون نستطيع تغيير حياتنا وظروفنا. لكن ليس كل تغيير في صالحنا، فقد ننزلق من سيئ إلى أسوأ. لذلك، لتفادي القرارات الخاطئة، تبقى أفضل وسيلة هي التوجّه إلى الله بالدعاء والاستعانة بالمتخصص المعصوم.

وقد يصبح التغيير ضرورياً عندما يسرق الوضع القائم سعادتنا وطمأنينتنا، أو يعوق تديّننا، أو يمنعنا من بلوغ هدف خلقنا. فهل جرّبت يوماً أن تغيّر حياتك لأحد هذه الأسباب؟

اكتب رأيك