دور رسالة الأنبياء في تحقيق غاية الخَلْق
ماذا تعني “الرسالة” تحديداً؟ وما هي الضرورة الملحة لفهم واستيعاب مثل هذه المفاهيم في حياتنا؟ وهل من المستحيل حقاً بلوغ السعادة المنشودة دون إدراك حقيقي لمفاهيم كالنبوة ورسالة الأنبياء والإمامة وما شاكلها من موضوعات عقائدية؟
قد يرى المرء أن التعمق في هذه المفاهيم مقتصر على دراسات دينية متخصصة، أو يندرج ضمن اهتمامات فردية روحانية، طالما لم يصل إلى فهم عميق وصحيح للهدف الذي أراده الله لخلقنا. بيد أن إدراك غاية الخَلْق لا يغير نظرتنا تجاه العديد من القضايا ورؤيتنا للعالم فحسب، بل يضعنا في موقف نجد فيه أنفسنا مضطرين لمعرفة مجموعة من المسائل لتحقيق الهدف، ومن بينها موضوع الرسالة والنبوة.
عندما يتجلى لنا أن الغاية من وجودنا في هذه الدنيا هي التشبه بالرب والمربي، أي الله، وإظهار الأسماء والصفات الإلهية التي أودعها سبحانه فينا كطاقات كامنة، فإننا ننطلق بشكل فطري للبحث عن مسار مؤدي إلى هذا التشبه، ونستقصي أدوات ولوازم لتحقق هذا الهدف. فحقيقة الأمر أن الإنسان، بصفته طالب الكمال، يرى سعادته وكماله مرهونين بهذا التشبه، الأمر الذي يُلزمه بالسعي نحو كل ما يقربه من المقصد النهائي؛ وهذا لا يجعلنا نكتفي بمعرفة شخص أو أشخاص موكلين بمسؤولية الهداية، بل يجعلنا نبحث عن كيفية هذه الهداية وبرامج تفصيلية تقودنا نحو الهدف. في الواقع، إن الإنسان بما هو إنسان؛ يرى كماله وسعادته في رهن هذا التشابه، فيجب أن يلزم نفسه باكتساب كل ما يقربه من الهدف والغاية؛ أي أنه لا يرى نفسه في غنى عن معرفة الفرد أو الأفراد الذين يتحملون هذه المسؤولية، بل يسعى للحصول على معلومات حول كيفية هذا الهداية والبرامج التي يمكن أن تقربه من الهدف. لذا، فإن فهم ما تعنيه رسالة الأنبياء أو أهمية مكانة الإمامة في حياتنا، هي أهم الاهتمامات الرئيسية في الحياة؛ وأن الغفلة عنها تجعلنا نغفل عن الوصول إلى غايتنا النهائية. في هذا الدرس، سنتناول أهمية الرسالة، وسوف نناقش موضوع الإمامة بصفتها المتمم والكمَال لمسيرة الحركة النبوية في دروس أخرى.
أهمية الهداية البشرية
إن الإنسان هو أعقدُ موجودات الخَلْق على الإطلاق، سواء من حيث بنيته الوجودية الداخلية، أو من حيث تشابك علاقاته بالكون ومخلوقات أخرى؛ مما يجعله يتمتع بخصوصية ودقة متناهية. وعليه، فإن هدايتنا ليست موضوعاً عابراً، بل هي قضية تخصصية بامتياز لا يمكن أن يقوم بها إلا الخالق الذي أحاط علمه بجميع أبعادنا، ومبدئنا، ومسارنا، ومقصدنا النهائي. في الحقيقة، خلقنا الله ككائن جامع، ووصولنا إلى كمالنا يتطلب إظهار وتفعيل جميع الأسماء والصفات التي أودعها الله فينا بالقوة الكامنة. هذه الاستعدادات الكامنة، لكي تظهر وتنمو بشكل سليم، تحتاج إلى مرب إلهي متخصص، بالإضافة إلى ظروف وبيئة مناسبة. بعبارة أخرى، تحت مظلة التربية الصحيحة والموجهة إلهياً فقط، نستطيع تفعيل هذه الاستعدادات بشكل صحيح، ومتناغم، وشامل. وهذا لا يتأتى إلا عن طريق متخصص ومربٍ إلهي. إن سلوك أي طريق للهداية غير الذي رسمه الله لنا، أو اتباع أي شخص لم يأذن له الخالق بالقيادة، قد يؤدي إلى عواقب وخيمة لا تُجبر، أبرزها الحرمان من غاية الوجود (وهي التشبه بصفات الله وأسمائه) ومنع الولادة الروحية السليمة إلى الآخرة.
وفي الواقع، لما كانت هداية الإنسان – وهو الكائن القادر على الوصول إلى مقام الخلافة الإلهية والتشبه بصفات الله – عملاً بالغ التعقيد والحساسية، فإن الحكم على هذا الإنسان وإدارته لا يمكن أن تتم إلا بإذن صريح من الله. فمن يتولى مسؤولية الناس والقيادة عليهم يجب أن يكون مفوَّضاً ومأذوناً له من الخالق، وإلا فإن حكمه يعتبر حكم طاغوت لا شرعية له.
فروق دقيقة في أداء الرسالة
لقد تباينت اختيارات الباري عز وجل للمكلفين بأداء هذا الدور العظيم في حياتنا، سواء من حيث السعة الوجودية (الطاقة الكامنة) أو من حيث حجم المسؤولية الملقاة على عاتقهم. ويظهر هذا التباين جلياً بين الأنبياء العاديين والرسل، أو ما يُعرف بـ “أولي العزم”. ورغم أننا غالباً ما نطلق عليهم جميعاً لقب “الأنبياء”، إلا أن ثمة اختلافات جوهرية في طبيعة مهامهم التفصيلية.
كلمة “النبي” مشتقة إما من مادة “نبأ” بمعنى صاحب خبر هام، أو من مادة “نبو” التي تشير إلى مقام رفيع ومكانة بارزة. أما كلمة “الرسول” فتعني المُرسَل أو حامل الرسالة. وقد عُدّت هاتان الكلمتان مترادفتين في أحيان كثيرة، إلا أن التراث الإسلامي قدم تفاسير متنوعة للتفريق بينهما:
- التمييز عبر كيفية تلقي الوحي: نُقل عن الإمام الباقر (عليه السلام) تفسيرٌ للآية “وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا” [1] حيث أوضح أن النبي هو من يرى المَلَك في المنام ويسمع صوته، ولكنه لا يراه بالعين المجردة في اليقظة. أما الرسول فإنه— بالإضافة إلى الرؤية والسماع في المنام— يرى المَلَك بوضوح بالعين الظاهرة في اليقظة، ثم تلا الآية 52 من سورة الحج.[2]
- التمييز عبر طبيعة المهمة: يرى فريق من علماء الكلام أن مصطلح “النبي” يشير إلى صفة داخلية للفرد؛ أي اطلاعه على أسرار الغيب وتلقيه للوحي، ويُطلق على من نزل عليه الوحي بغض النظر عن مهمة التبليغ. بينما يشير مصطلح “الرسول” إلى الجانب الدعوي والتبليغي الخارجي للرسالة. ووفقاً لهذا الرأي، كل رسول هو نبي، ولكن ليس كل نبي هو بالضرورة رسول مكلف بالتبليغ.[3]
- التمييز عبر الكيان الوجودي: هناك من يرى أن كلمة “رسول” يمكن أن تنطبق على الملائكة أيضاً (كجبريل)، بينما مقام “النبوة” مخصص للإنسان فقط. [4]
وعلى الرغم من هذه الفروقات الدقيقة، فإننا نلاحظ أن القرآن الكريم قد خاطب الأنبياء والرسل معاً بصفة “الأنبياء” دون إبراز التباين. لذا، سنتجاوز هذه التفاصيل في هذا المبحث، ونركز على الأصل الجوهري للموضوع، وهو ماهية الرسالة ذاتها.
واجب الأنبياء ورسالتهم
تتلخص الغاية المحورية لجميع الأنبياء في تحقيق الهدف الإلهي الأصيل من خلقنا؛ أي أن الأنبياء سعوا بجهد دؤوب لإنقاذ البشرية ورفعها إلى مقام الخلافة الإلهية. ولهذا السبب، فإن قوانين الدين ومسار الوصول إلى هذه الغاية ظل واحداً وثابتاً في مرحلتي الاعتقادات والأخلاق عبر رسالات الأنبياء كافة. بينما لم يطرأ التغيير إلا على بعض الأحكام الشرعية (المقررات الفقهية) التي تخضع لظروف الزمان والمكان. إذاً، الاعتقادات والأخلاق كانت ثابتة، أما الشريعة (العمل) فقد عرفت بعض التعديل.
ومن البديهي أن يتطلب أداء رسالة الأنبياء وتنفيذ برامجهم، إقامة حكومة إلهية عادلة. ففي ظلها، تجد القوانين الإلهية فرصة للتطبيق، ويتمكن أفراد المجتمع من الامتثال لها. ومن الطبيعي أن هذه القوانين والبرامج كانت تتناقض بشدة مع نمط حياة وطريقة تفكير حكام جائرين وطغاة استسلموا لأوهام القوة والثروة، ولهذا قوبلت غالباً بمعارضة شديدة. وعليه، كان لزاماً على معظم الأنبياء_ إلى جانب مهمة تأسيس الحكومة_ أن يتصدوا للطغاة وكل من يمنع نضج البُعد ما وراء العقلي ويعيق النمو الإنساني للإنسان.
متطلبات رسالة الأنبياء
بطبيعة الحال، يحتاج كل برنامج يسعى لتحقيق غاية عظيمة، إلى توفير مقومات وأدوات لازمة. ورسالة الأنبياء ليست استثناءً، وقد اعتمدت على أدوات وشروط أساسية:
- الكتاب والميزان
كما أشرنا سابقاً، يقوم عالم الخَلْق على علاقات رياضية ومنهجية محكمة. ولهذا، استخدم الأنبياء _ إضافة إلى الكتاب الذي أرسله الله لهداية البشر، مؤشراً وميزاناً في تنفيذ رسالتهم. ذلك أن بلوغ هدف الخَلْق، واجتياز طريق الوصول إلى مقام الخلافة الإلهية، والحصول على القلب السليم، لا يمكن أن يتحقق دون قاعدة وقانون يتيحان لنا إمكانية القياس والتقييم.
- إقامة العدل
نظراً لإحاطة الأنبياء الكاملة بكل أبعاد وتركيبات الوجود الإنساني، فقد رأوا أن سعادة الإنسان لا تتحقق إلا إذا تم تغذية كافة أجزاء كيانه بالعدل، وأن تسير كل شؤونه الإنسانية بتوازن وانسجام تام. فكما أن تجاهل حقوق البعد الإنساني والانشغال بالأبعاد الأربعة الدنيا يُبعد الإنسان عن هدفه ويعيق ولادته السليمة في الآخرة، فإنه من غير العدل أيضاً إلغاء الأبعاد الطبيعية السفلية من أجل التركيز فقط على البُعد الإنساني.
في الحقيقة، لا يتأتى مسار سعادتنا وتكاملنا إلا عندما ينال كل بُعد من الأبعاد الخمسة لحياتنا حقوقه، وتقوم الأبعاد الأدنى بدورها كـ “مركبة جاهزة” لخدمة البُعد الإنساني.
ولذلك، تمثلت إحدى مهام الأنبياء الأساسية في القيام لإرساء الظروف التي تمكن الناس من تلبية احتياجات جميع أبعاد وجودهم بشكل عادل، متحررين من هموم الأبعاد الدنيا، ليسيروا بخطى ثابتة نحو التشبه بصفات الله.
في ختام هذا المبحث، نكون قد استعرضنا مفهوم الرسالة وأهميتها البالغة في تحقيق هدف الخَلْق. كما بيّنا أن الحاكمية على الإنسان لا تكون إلا لمن ارتضاه الله، وأن رسالة الأنبياء تستلزم إقامة حكومة إلهية و مقارعة الطغيان، و أشرنا إلى هدفهم في إرساء العدل و وضع الميزان و المؤشر اللازم لبلوغ غاية الخَلْق.
[1] مریم، 51، 54
[2] النبي هو من يرى الملاك في المنام ويسمع صوته، ولكنه لا يراه بعينه في اليقظة؛ أما الرسول فبالإضافة إلى رؤيته في المنام وسماعه صوته، يراه في اليقظة بالعين الظاهرة أيضًا، ثم تلا الآية 52 من سورة الحج.
[3] مصباح يزدي، محمد تقي، تعليم العقائد، الدرس 29، ص 238، طهران، منظمة الدعوة الإسلامية، الطبعة الرابعة، 1379 هـ ش
[4] ميرزا خسرواني، علي رضا، تفسير خسروي، ج 5، ص 412، طهران، إسلامية، ط1، 1390هـ