مدرسة المنتظر لعلم الإنسان

العلاقة بين المودة والرسالة: تحليل دلالة كون المودة أجر النبوة

جدول المحتويات
لماذا تعدّ المودّة أجر االنبوّة؟ ومتى يمكن لنا أن نؤدّيها صحيحاً؟

المودّة أجر النبوة: لماذا لا تكفي المحبّة لوحدها؟

إنّ الله تعالى قد أمر نبيَّه محمداً (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في القرآن الكريم أن يبلّغ الناس بأنّ مودّة أهل بيته هي أجر رسالته.[1] تحدّثنا في الدروس السابقة عن الفرق بين المحبّة و المودّة، وبيّنا أنّ المودّة هي المحبّة المصحوبة بالسعي والاجتهاد للتقرّب من المحبوب والتشبّه بصفاته. في هذا الدرس نتناول سؤالاً مهمًا: لماذا كانت المودّة هي أجر الرسالة التي أدّاها النبيّ الإسلام؟

إنّ كل عملٍ في هذه الدنيا يحمل معنى لا يظهر إلا من خلال ثمرته ونتيجته. فبغضّ النظر عن عظمة العمل أو حجمه، فإنّ صاحبه لم ينل أجره ما لم يثمر عملاً ناجزاً. تصوّر معلّماً أفنى عمره في التعليم، لكن تلاميذه لم يتعلّموا منه شيئاً ولم يبلغوا أيّ مستوى من الرقي، أو فلاحًا قضى حياته في حراثة أرضه وإعدادها، ثم لم يحصد منها أيّ محصول قط… هل يمكن أن نقول إنّ هؤلاء قد بلغوا ثمرة جهودهم أو نالوا جزاء تعبهم؟

ومن الطبيعي أنّ هذا السؤال يزداد أهميّة حين يتعلّق الأمر بأجر رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، خير المعلّمين و خاتم الأنبياء، الذي تحمّل في سبيل هداية البشر ما لا يطيقه بشر: بذل الليالي والأيام في تربية أمّته، وصبر على صنوف الأذى والاضطهاد، وتحمل الفقد والمشقّة في سبيل تبليغ الرسالة.

وهنا يبرز السؤال: لماذا كانت المودّة هي أجر رسالته (صلّى الله عليه وآله وسلّم)؟ وهو الذي حمل أعظم تكليف في هذا الوجود، وأدّى أهمّ عمل في تاريخ البشرية.

تكمن الإشارة في أنّ النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، بعد كل ما لاقاه في سبيل الله، لم يطلب من الناس مالاً ولا تكريماً شكليّاً، ولا جعل أجره صلاةً أو عبادةً أو جهاداً أو إنفاقاً. إنّما كان طلبه الوحيد هو: مودّة أهل بيته؛ وهم الذين يحملون بدورهم مسؤولية إتمام مسيرة الرسالة، والذين اصطفاهم الله معصومين، وجعلهم المتخصصين في هداية الأمّة في طريقها الشائك نحو تحقيق هدف الخلقة.

في الحقيقة، إنّ فهم معنى المودّة وإدراك علاقتها بالرسالة أمرٌ جوهري؛ فإذا وُضعت في موضعها الصحيح، صارت الأمّة كسند متين إلى جانب أهل البيت (عليهم السلام)، واستقامت بذلك على طريق التكليف الذي أراده الله ورسوله لها. غير أنّ عدم إدراك الأمّة لهذه العلاقة، كما ذكرنا سابقًا، هو ما أدّى إلى مصير مؤلم  آلت إليه أوضاع الأمّة وأهل البيت (عليهم السلام).

في هذا المقال نسعى لبيان: لماذا كانت المودّة أجر الرسالة؟ ومتى يمكن لنا أن نؤدّي هذا الواجب أداءً صحيحاً؟

أجر لم يُؤدَّ كما ينبغي

رغم أنّنا مُكلَّفين في هذا العالم بأداء الواجب دون أن نكون مكلَّفين بتحقيق النتائج، إلّا أنّنا كما أشرنا في مثال المعلّم أو الفلّاح، ندرك أنّ أجر كلّ عمل لا يتجلّى إلّا بظهور ثمرته. بناءً على ذلك، فإنّ هدف النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، كما يصرّح القرآن، هو إخراج الناس من الظلمات إلى النور؛[2]ومن ثمّ فإنّ أجره لا يتحقّق إلا إذا بلغ الناس ذلك النور.

غير أنّ هذا النور لا يُنال إلا عبر الارتباط بالوصيّ المعصوم للنبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وفي ظلّ إقامة الحكومة الإلهية؛ إذ لا يكتمل تطبيق الأحكام الإلهية ولا تتحقّق الحركة المتناغمة مع البرنامج الذي رسمه الله لنا إلّا ضمن نظام إلهي خالص. من البديهي أنّ بلوغ هدف الخلق، والسير نحو التشبّه بصفات الله، لا يمكن أن يتحقّق في ظلّ حكومةٍ أُسّست على خلاف إرادة الله، وعلى مسارٍ غير الذي رسمه.

من هنا خاطب القرآن النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بقوله: “يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ”[3]  وهذا يعني أنّه لو لم يبلّغ النبيّ ولاية أهل البيت (عليهم السلام)، فإنّ رسالته تبقى ناقصة، وأجره غير متحقّق.

والتاريخ شاهدٌ جليّ على هذه الحقيقة؛ إذ إنّ كثيراً من الناس في زمن النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) كانوا يحملون المحبّة له في قلوبهم، لكنّهم لم يبلغوا مقام المودّة تجاه المعصوم. كانوا يحبّونه، لكنّهم لم يكونوا على استعدادٍ لأن يقدّموا طاعته وطاعة أوصيائه على رغباتهم، أو مصالحهم الدنيوية، أو روابط قبلية وعشائرية ينتمون إليها.

هذا الخلل في الفهم، وهذا الانحراف في إدراك العلاقة بين المودّة والرسالة، هو ما أدّى إلى استشهاد ثلاثة عشر معصوماً عبر التاريخ، وإلى غيبة المعصوم الرابع عشر لقرابة ألف عام؛ في حين أنّ النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) كان يرى في المودّة العامل الأساس لارتفاع المجتمع البشري إلى مقام الحياة الطيّبة والإنسانية تحت ظلّ أهل البيت (عليهم السلام). لقد طالب بمحبّةٍ تُثمر عملاً، وبمودّةٍ تتحقّق باتّباع البشر لأوامر المتخصّص المعصوم، فتثمر أجر الرسالة.

وفي الواقع، يمكننا اعتبار مودّة أهل البيت ثمرةً مشتركةً بين رسالة النبيّ وحياة البشر؛ فهي تُكمِل جهد نبيّ الرحمة، وتعود على الإنسان بالسعادة والسكينة في الدنيا والآخرة. ومن الطبيعي أنّ بلوغ الفرح والسكينة لا يكون إلّا من خلال الارتباط بـ وليّ الله، الذي هو مصدر الرحمة الإلهية، ومنبع الكمالات المطلقة واللانهائية.

المودّة؛ طلبٌ غير شخصي

باختياره المودّة، تجاوز النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) حدود الطلب الشخصي أو العاطفي، ووجَّه الناس نحو محبّةٍ تؤدي إلى عملٍ، وولاءٍ، وطاعةٍ لأهل البيت (عليهم السلام). فكما أنّ المودّة بين الزوجين تؤدّي إلى التعاون والتضحية والإيثار وتُرسّخ دعائم الأسرة، فإنّ المودّة الحقيقية تجاه أهل البيت (عليهم السلام) تفضي إلى اتخاذهم قدوةً في الحياة، والعمل بتوجيهاتهم، والاهتداء بنورهم، وهو ما يقود الإنسان إلى الكمال الحقيقي.

وبذلك تكون مودّة أهل البيت (عليهم السلام)، بوصفها أجر الرسالة، نافعة لنا قبل أيّ شيء؛ فهي الطريق الذي يثمر في الجانب الفردي كمالاً روحياً يقرّبنا إلى الله، ويؤدي في الجانب الاجتماعي إلى نشر الرحمة والعدل، وترسيخ نمط الحياة الإلهي تحت ظلّ حكومة المتخصص المعصوم.

لقد كان النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) مكلّفاً بوصفه مربّياً، أن يعرض أجر عمله بطريقةٍ تؤدّي إلى صناعة بشر يشبهونه ويشبهون أهل بيته، أي يشبهون الإنسان الكامل. إنسانٌ على مستوى الخلافة الإلهية، يعرف أصله وجذره، يرى نفسه كائناً أبدياً، ويُعرّف حياته ضمن امتداد مالانهاية. هذا الهدف لا يتحقق إلا إذا لم يُترك الناس بعد النبيّ هملاً، بل وُضعت لهم قدوةٌ يُشبِهون بها الله، وهُيّئت لهم هداية المتخصص المعصوم الذي يمتلك كافة العلوم التخصصية اللازمة لإيصال الإنسان إلى السعادة. ومن هنا أعلن الله تعالى في الآية الثالثة من سورة المائدة أنّ نعمة الولاية هي تمام الدين وإكمال الرسالة؛[4] إذ عند هذا الموضع تبلغ رسالة النبيّ كمالها وغايَتَها وثمرتها.

إذا تأمّلنا الأمر جيّدًا، نرى أنّ ثواب كلٍّ يُحدَّد تبعًا لنيّته وهدفه؛ وعندئذ يصبح أمرًا يسيرًا علينا فهمُ علاقةِ المودّة بالرسالة. فقد جُعِلَت المودّةُ أجرَ رسالةِ النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) لتكون وسيلةً لبناء إنسانٍ مُشرَقٍ بنور الله، مرتبطٍ به، سائراً في طريق التشبّه بصفاته. وهو هدفٌ لا يتحقّق إلّا في ظلّ مودّةٍ صادقة ومحبّةٍ عميقةٍ تلازمها الطاعة والاتباع للإمام.

إنّ مودّة أهل البيت (عليهم السلام) هي تجسيد الرسالة والطاعة العملية للمتخصص المعصوم، وهي التي تؤهّلنا للقبول في مدرسة النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وتقرّبنا من غاية الكمال الإنساني. وحين ندرك أنّه رسالة النبيّ تبقى ناقصة من دون المودّة، وأنّ المودّة بوصفها أجر الرسالة تصبح بلا ثمر، تصبح العلاقة بين المودّة والرسالة واضحةً جليّة في أذهاننا.

[1] قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى؛ سورة الشوری، الآية 23

[2] لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّور، سورة الحدید، الآية 9

[3] سورة المائدة، الآية 67

[4] اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي

اكتب رأيك