الميزان والاختيار الصحيح: سبب تأثير فهم الميزان على قراراتنا

جدول المحتويات
ما هو الميزان، وما طبيعة العلاقة بين الميزان والاختيار الصحيح؟

ما هو الميزان، وما طبيعة العلاقة بين الميزان والاختيار الصحيح؟

في مسيرة حياتنا، نجد أنفسنا حتمًا أمام سيل من خيارات كل منها يحمل في طياته مسارًا مختلفًا ومصيرًا محتملًا. وسط هذا التنوع الهائل، يتبادر إلى الذهن سؤال محوري: كيف نتمكن من اتخاذ قرارات صائبة وهادفة، واختيار المسار الأمثل؟ الإجابة تكمن في فهمنا لمفهوم أساسي وعريق: “الميزان.”

ليس الميزان مجرد أداة قياس بسيطة، بل هو معيار فاعل يتداخل مع مختلف جوانب حياتنا: الفردية، والاجتماعية، والروحية على حد سواء، ويصعب التمييز بين الصواب والخطأ بدونه، وهو يمنحنا القدرة على تقييم القيم، وترتيب الأولويات، واتخاذ قرارات تتناغم مع الحقيقة والسعادة الحقيقية.

إن فهم الميزان وتعلم كيفية تطبيقه في اختياراتنا اليومية لا يرشدنا نحو النجاح الدنيوي فحسب، بل يضيء دربنا في سبيل تحقيق الكمال والسعادة الأخروية. تتجلى أهمية هذا الموضوع في وروده في المصادر الدينية كونه معيارًا إلهيًا لتقييم أعمال الإنسان وقراراته.

في هذه المقالة، نسعى للإجابة عن السؤال المحوري: ما العلاقة بين الميزان والاختيار الصحيح؟ وسنستعرض مصادر فهم الميزان والعوامل المؤثرة في ثقله، بحثًا عن طرق لتحسين جودة قراراتنا التي من شأنها أن تثقل ميزاننا وتقودنا نحو النمو والكمال الحقيقي.

دور الأقدار في توجيه الاختيار الصحيح

من المسائل البارزة التي تشغل تفكيرنا في المجالين الديني والعقلي، والتي ترتبط ارتباطًا وثيقًا بعلاقة “الميزان” بالاختيار الصحيح، هي قضية القضاء والقدر وعلّة كل شيء ومعلوله. وجوهر هذه القضية يكمن في الاختيار؛ فمن خلال اختياراتنا ننتقي أقدارًا متنوعة، وبناءً عليها، نستقبل قضاءً ونتائج مختلفة. فكل قَدَر يحمل في طياته قضاءً ونتيجة خاصين به.

لقد صُممت قوانين الكون بطريقة تمكننا، عبر اختيار الأقدار المناسبة والسعي لتطبيقها، من تغيير مسار حياتنا وتحقيق النجاح. كما يقول القرآن الكريم: (إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ).[1] تنطبق هذه القاعدة على مصير الإنسان في الدنيا كما في الآخرة. فإذا عرفنا القوانين المرتبطة بالاختيار الصحيح، وتمكّنا من التعرّف على القضاء المناسب، سنفهم الاحتمالات المترتبة على اختياراتنا. وبالتالي، إذا كنّا نسعى إلى نيل ميزان ثقيل في الآخرة، فعلينا أن نتعرّف على المقادير المتناسبة مع هذا الهدف، ونتخذ قرارات مبنية على ذلك.

الميزان في حياتنا اليومية: مرشد نحو الحق والنمو

إن أهمية فهم الميزان لا تقتصر على القرارات الكبرى أو المنعطفات المصيرية في الحياة، بل تمتد لتلعب دورًا حيويًا بنفس القدر في قراراتنا البسيطة واليومية. ففي كل صباح نستقبله، نجد أنفسنا أمام سيل من الخيارات:

  • كيف نقضي وقتنا؟
  • ماذا نقول؟
  • كيف نتصرف؟
  • ما الأشياء التي ينبغي أن نحبها، وما الأمور التي يجب أن نتجنبها؟

في كل هذه الأحوال، يعمل الميزان كمرشد خفي، وإذا ما تم تهذيبه بشكل سليم، فإنه يوجهنا نحو الحق والخير والنماء. إن تطبيق الميزان في حياتنا اليومية يعني أن نضع المعايير والمؤشرات الإلهية نصب أعيننا حتى في القرارات التي تبدو يسيرة. فالخيارات الواعية والهادفة، إذا ما وزنت بميزان الحق، تضفي على حياتنا طابعًا أكثر تنظيمًا، وجمالًا، وثراءً تدريجيًا. ولذلك نرى أن من استقرت موازينهم الداخلية على أسس الحق، يكونون أقل عرضة للتشتت، أو الندم، أو الانزلاق الأخلاقي.

ليس الميزان مجرد معيار لتقييم الأعمال يوم الحساب، بل هو نور يضيء دروبنا في هذا الطريق المليء بالتعقيد والالتباس. وكلما كان ميزاننا الوجودي أكثر دقة وأقرب إلى الله، ازدادت قدرتنا على تمييز المسار السليم وسط خيارات براقة كثيرة ولكنها جوفاء. فالمسار الذي نسلكه ليس سوى محصلة تلك الاختيارات الصغيرة، وكل خطوة نخطوها وقد وزنت بميزان الحق، تقربنا خطوة نحو الغاية النهائية: كمال الإنسان ورضا الله. إذن لا يعتبر الميزان مجرد أداة حساب في نهاية المطاف، بل هو رفيق دائم يلازمنا في كل لحظة من لحظات حياتنا.

المصادر لفهم الميزان ومعايير الاختيار الصحيح

القرآن الكريم والمعصومون(عليهم السلام) هم أفضل المصادر وأكملها للتعرف على معايير الاختيار الصحيح المبني على الحق والميزان، وذلك لصلتهم المباشرة بهذا المفهوم الجوهري. وقد أشار الله تعالى في الآية الخامسة والعشرين من سورة الحديد إلى هذه العلاقة، مبيّنًا أن القرآن أُنزل ومعه الميزان.[2] كما أن الإمام الباقر(عليه السلام) في تفسير هذه الآية صرّح بأن أهل البيت(عليهم السلام) هم مصاديق الميزان.[3] وفي أحد مقاطع زيارة أمير المؤمنين(عليه السلام) يُشار إليه أيضًا بأنه هو ميزان الأعمال.[4]

القرآن الكريم، بصفته كتاب الهداية ودستور الحياة، لا يكتفي بتقديم الميزان كأداة إلهية للقياس، بل يرشدنا كذلك إلى سبل تثقيل هذا الميزان. لقد بيّن الله تعالى في كتابه الكريم قاعدة محورية؛ إذا جعلناها أساسًا لاختياراتنا، استحال أن تنحرف قراراتنا عن دائرة الحق. في هذه القاعدة، نجد أن محبة الله، وأهل البيت (عليهم السلام)، والجهاد، تتصدر قائمة المحبوبات، وتُقدَّم على كل محبوب آخر. [5]فإذا ما استحضرنا هذه القاعدة في اختياراتنا، لن نميل بعد ذلك إلى العلاقات والأفكار والسلوكيات السطحية التي لا تثقل موازيننا ولا تغني أرواحنا. هذه القاعدة تُنظم البنية الداخلية لوجودنا، وتساعدنا على إدراك العلاقة بين الميزان والاختيار الصحيح بشكل أعمق.

كما أن هناك أدلة عقلية ومنطقية كثيرة تؤكد أن أهل البيت(عليهم السلام)، إلى جانب القرآن، هم المصدر الأساسي والمرجع الأوثق لمعرفة معايير الاختيار الصحيح. من بين ما يُثبت هذه الحقيقة: الرجوع إلى الفطرة وتأمل خصائصها؛ فالفطرة الصافية تهتدي بالفكر السليم إلى أهل البيت كمصابيح للحق.

وفي ختام هذا المقال، نسعى إلى اكتشاف أثر أهل البيت(عليهم السلام) في تثقيل الميزان وتحقيق الاختيار الصحيح.

دور أهل البيت(عليهم السلام) في تثقيل الميزان وتحقيق الاختيار الصحيح

أشرنا في الدروس السابقة، أثناء الحديث عن الميزان، إلى ما بيّنه الله تعالى في القرآن من أن كلّ شيء يُقاس على أساس الحق.[6] ولكي نتمكن من تثقيل ميزاننا، لا بدّ أن نمتلك القدرة على التمييز بين الحق والباطل، وأن نُجري اختياراتنا على أساس الحق. لقد أودع الله فينا نفحةً إلهيةً، فصارت فينا فطرةٌ تُمكّننا بالفطرة من تمييز الحق من الباطل.[7] ولهذا، كثيراً ما يُحيلنا الخالق إلى فطرتنا في أمور حياتنا. ولكن، هل تُعدّ الفطرة وحدها ميزاناً كافياً للتمييز بينهما، ومعياراً سليماً لخياراتنا؟ ثمة أمور عدة تحول دون الاعتماد على الفطرة وحدها كمعيار للتمييز بين الحق والباطل.

• أول الأسباب هو أن درجات فهم البشر للتمييز بين الحق والباطل متفاوتة، ومن غير العدل الإلهي أن يُحاسَب الناس بمعيارٍ لا تتساوى قدراتهم فيه.

• وثانيها هو أن مرور الزمن يُلقي حجابا على الفطرة النقية المنيرة لدى غالبية الناس، مما يجعل الفطرة وحدها لا تملك النور الكافي لتمييز طريق الحق من الباطل.

• أما النقطة الثالثة، فتتعلق بحدود فهمنا وإدراكنا للقضايا المعقدة التي تواجهنا؛ فبعض هذه المسائل لا يستطيع عقل الإنسان العادي إدراكها، مما يجعلنا بحاجة إلى عقل أكثر كمالاً ونضجاً من عقل الإنسان العادي ليهدينا إلى الصواب.

تُظهر هذه النقاط الثلاث أن فطرتنا وحدها لا تكفي لتمييز الحق من الباطل. ولكي نتمكن من اتخاذ خيارات مبنية على الحق تُفضي إلى ثقل الميزان، فنحن بحاجة إلى عامل آخر يكمّلها. ومن المستحيل أن الله الذي حدّد لنا نيل الميزان الثقيل هدفاً للخلق وعاملاً لسعادتنا، أن يكون قد تركنا دون أن يدلنا على الطريق إليه، أو أن يرسل لنا من يعيننا على بلوغه. لقد أودع سبحانه في كل واحد منا فطرة إلهية، وأرسل إلى جانبها بشراً ذوي عقول كاملة ونورانية؛ لكي نستعين بهم على معرفة مسار الاختيار الصحيح ومعاييره. وهؤلاء البشر الكمّل هم أئمة المعصومين(عليهم السلام)، الذين نعرفهم بأنهم المثل الأعلى والنموذج الكامل لله تعالى.

إن الأئمة المعصومين(عليهم السلام)، بصفتهم أفصح مفسري كلام الوحي، هم الاختيار الأمثل لتوضيح القواعد التي أرساها الله تعالى في القرآن الكريم لكي نتمتع بـ”ميزانٍ ثقيل” ونتخذ الخيارات الصائبة.

ومن أهم السبل التي تعيننا على بلوغ هذا الهدف، هو أن نتعرف على سيرة أهل البيت(عليهم السلام)العطرة، وأن نجعل أسلوب حياتنا مقياساً على اختياراتهم وأفعالهم وأقوالهم. فكلما اقترب نمط حياتنا ونوعية قراراتنا من سيرتهم النيرة، ازداد أملنا في أن يكون لنا ميزانٌ راجح وممتلئ بالخير.

وفي الختام، يمثل الميزان، المعيار الأساسي لخياراتنا الصحيحة، وهو دليلنا نحو الكمال. لا يقتصر دوره على القضايا الكبرى فحسب، بل يلعب دوراً حيوياً في أدق تفاصيل حياتنا اليومية. فمن خلال فهم هذا الميزان الإلهي وتعزيزه في أعماقنا، نتمكن من اتخاذ قرارات واعية وهادفة ترسم لنا مساراً أكثر استقامة وثباتاً. إن معرفة الميزان كأداة لتقييم صحة الخيارات، هي بمثابة مصباح يضيء لنا الدرب في طريق الحقيقة والتكامل.


[1] سورة الرعد، الآية 11

[2] قَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ؛ سورة الحديد، الآية 25

[3] وَ مَا الْمِیزَانُ؟ فَقَالَ: وَ نَحْنُ الْمِیزَانُ؛ صفار قمی، محمدبنحسن، بصائرالدرجات، جص 311

[4] السَّلامُ عَلى مِيْزانِ الاَعْمالِ

[5] قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّىٰ يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ؛ سورة التوبة، الآية 24

[6] وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ؛ سورة الأعراف، الآية 8

[7] . فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا”؛ سورة الشمس، الآية 8.

اكتب رأيك