“السنن الإلهية هي الصيغ والقواعد الرياضية التي تحكم الخلق”

جدول المحتويات
يُطلق على القوانين الرياضية الدقيقة التي تحكم كل جانب من جوانب حياتنا "السُنَن الإلهية".

ما هي السنن الإلهية وما هو دورها في حياتنا؟

تصوّروا عالمًا تسود فيه الصدفة والعشوائية، حيث لا ينصاع أي شيء لقاعدة أو نظام محدد. على سبيل المثال، تشرق الشمس في أي لحظة تشاء، وتدور الأرض حول الشمس بسرعة متغيرة، وتتسارع ضربات قلبك وتتباطأ دومًا، ويزداد عطشك كلما شربت الماء. إذا كانت هناك حياة في عالم كهذا، كيف سيكون العيش فيه؟

نود أن نُعلِنَ بسعادة أن العالم الخيالي الذي يستدعيه أفكارنا هو ثمرة خيالنا فقط، ولا يوجد شيء بدون تنظيم وترتيب في الحقيقة. إن كل شيء في عالم الوجود يتبع قوانين رياضية وصيغًا معينة. هذه القوانين كانت ولاتزال موجودة منذ بداية الخلق وستظل على هذا النحو حتى آخر يوم في حياة الكرة الأرضية. هذا لأن العالم تم خلقه بواسطة عالِمٍ رياضيٍ ماهرٍ قام بحساب وتنظيم كل شيء منذ البداية وضبط جميع مكونات هذا النظام المُعقَّد بتناغم مع بعضها البعض ومع بنية أنفسنا بالضبط. يُطلق على هذه القوانين الرياضية الدقيقة التي تحكم كل جانب من جوانب حياتنا “السُنَن الإلهية“.

  • ما هي السنن الإلهية وما هو الدور الذي تضطلع به في حياتنا؟
  • هل يقتصر تأثير السنن الإلهية على القوانين الفيزيائية والمادية فقط، أم أن لها تأثيرًا أعمق يمتد إلى عوالم الميتافيزيقيا؟
  • ما هي العلاقة بين أحكام الدين والسنن الإلهية؟

السنن الإلهية هي قواعد رياضية تحكم الخلق

نجد غالبًا ما أن دروس الرياضيات لا تثير فينا الإيجابية ولاتعجبنا، حيث تبدو لنا كمفاهيم معقدة وصيغًا صعبة وغير فعّالة، ولا نعلم بالضبط كيف تلعب دورًا في حياتنا. ولكن اللافت للنظر هو أننا في نفس الوقت الذي نعتبر فيه الرياضيات غير فعّالة فإننا نستخدمها بصورة غير إرادية. نحن نختار كلماتنا بناءً على الرياضيات التي تحملها، وتعمل خلايا أدمغتنا بناءً على صيغ دقيقة رياضية، والأهم من ذلك هي نفسنا التي تشكل عامل الحياة الجسمانية ومنبع تفكيرنا والتي تحمل بنية رياضيًّة تامّة.

تتجاوز رياضيات الكون مفاهيمنا المعتادة، کالاشتقاق والتكامل وما إلى ذلك بالطبع. بنية الكون هي بنية رياضية، مما يعني أن كل شيء في العالم له حدود وحجم ونتيجة معينة. على سبيل المثال، ينصهر الجليد بجوار النار، ويذوب الملح في الماء، ويتبخر الماء إذا تعرض للحرارة، وهكذا. هذه القوانين الفيزيائية كانت موجودة منذ بداية خلق الكون وستظل هكذا حتى آخر يوم في حياة الکرة الأرضية. إنها قواعد ثابتة ولا يمكن التجاوز عليها، وقد تم صياغتها بدقة وتظهر نتائج متماثلة في جميع أنحاء الأرض.

الصيغ التي تحكم عالم المادة هي دقيقة لدرجة أن العلماء يمكنهم اكتشاف و تنبؤ نتائجها واستخدامها لتطوير تكنولوجيات متقدمة. يمكنهم بناء صواريخ تقطع مسافات طويلة وتصيب الإحداثيات المستهدفة بدقة، أو يمكنهم تحديد سلوك الذرات في تفاعل كيميائي واستنتاج تركيبات كيميائية مختلفة باستخدام خصائص الذرات والجزيئات. إذا كانت هذه القوانين غير قابلة للتنبؤ، فلن يكون هناك علم على الإطلاق. في تلك الحالة، لن يتمكن الأطباء حتى من وصف كبسولة واحدة لأي مريض إذ أن من الممكن أن خصائص الكبسولة تتغير وتتفاعل مع جسم المريض.

لا ينطبق هذا الأمر فقط على ميدان الفيزياء والكيمياء وعلم الأحياء، بل هناك رياضيات خاصة في عالم الكلمات أيضًا. قد تكون قد سمعت عن تأثير الكلمات على تغيير شكل قطرات الماء. فالكلمات تحمل معها تأثيرات مماثلة على روحنا وعقولنا، حيث يمكن لكلمة معينة أن تشوش أعصابنا، بينما قد تؤدي كلمة عاطفية إلى عزف سيمفونية الفرح في قلوبنا. رغم أن كلا الكلمتين تتشكل من مجموعة حروف مشابهة، ولكنها تظهر تأثيرات متنوعة في اللحظة التي يُنطَق بها.

السنن الإلهية في عالم الميتافيزيقا

لا تقتصر السنن الإلهية على العالم المادي فقط، بل تمتد أيضاً إلى العالم الميتافيزيائي، الذي يكوّن أساسًا لا يمكن الخروج من سيادته في هذا الكون. كمثال، إحدى السنن الإلهية في العالم الميتافيزيائي هي زيادة الرزق والعيش الكريم نتيجة الإنفاق، على رغم أن ما نتوقعه من الشخص الذي ينفق ثروته أن يصبح أكثر فقرًا وفقًا لقوانين المادية، ولكن الحقيقة هي أن الإنسان يجد نفسه أكثر ثراءً وازدهارًا بعد ما ينفق من ماله. كما أن العكس ينطبق أيضًا، إذ أن الشخص الذي يكتسب ثروة عن طريق الحرام تصيبه حالة من الكآبة وعدم الراحة يومًا بعد يوم، وتتلاشى البركة من حياته بدلاً من أن يكون أكثر راحة وسرورًا. يعود ذلك إلى أن نظام الخلق تم تصميمه بهذه الطريقة، وهذا من السنن الإلهية والقوانين الرياضية التي تسود الكون.

يجد العديد من الأشخاص أنه من السهل فهم الرياضيات في العالم المادي، لكنهم يجدون صعوبة في استيعاب رياضيات العالم المتافيزيائي. إننا نعلم أن (2 × 2) يساوي أربعة، ولكننا نحتاج إلى وقت طويل لنقرر ما إذا كنا سنتبرع بالمال لزيادة ثروتنا أم لا، بينما تتّبع الصدقة نفس المبدأ الرياضي المتمثل في الضرب، (4=2 × 2) غير أننا نجد صعوبة في تصديقه بسبب طبيعته الخفية. ينطبق هذا على المفاهيم الأخرى التي قد سمعنا بها مثل دفع البلاء بالصدقة، وطلب الرزق بين طلوع الفجر والدعاء للآخرين أقرب للإجابة، كلها ليست مجرد أفكار غير واقعية، بل هي صيغ وقوانين رياضية دقيقة تحكم حياتنا سواء آمنا أو التزمنا بها أم لا.

يوجد العديد من الأمثلة في آيات القرآن وروايات أهل البيت(عليهم السلام)، عن السنن الإلهية التي تحكم حياتنا الشخصية والاجتماعية. تتنوع هذه السنن ما بين القضاء والقدر، والابتلاء، والمدد الإلهي، والعصمة، والتوفيق، وسبق رحمة الله على غضبه، وتأثير أفعال الإنسان على حياته، واختبارات الله، وغيرها العديد من السنن التي تظهر كواقع ثابت نتفاعل معه في حياتنا اليومية.

الأحكام الدينية: رياضيات تقود حياتنا

إن فهم السنن الإلهية في العالم المادي أمرا بسيطاً بالنسبة لنا جميعًا، خاليًا من الغموض والحيرة. إننا على سبيل المثال لا نتساءل عن الطريقة التي يقيس بها الصيدلي الكميات الدقيقة من المواد الكيميائية، حتى أصغر مليجرام. إننا نعلم جيدًا أن تغيير نسبة مادة معينة في دواء معين أكثر أو أقل من الحد المسموح به يجعل الدواء غير فعال أو حتى ضارًا. وبالمثل، فإننا لا نتسائل لماذا يقوم مهندس التصميم بحساب حجم قطعة ميكانيكية بدقة في حدود المليمتر، إذ أننا ندرك جيدًا أن تفوق أو تدني حجم هذه القطعة بشكل طفيف عن المعيار يمكن أن يؤدي إلى عدم تناسقها مع باقي الأجزاء والتسبب في عطل الجهاز بأكمله. ومع ذلك، عندما يتعلق الأمر بقوانين الميتافيزيقا، يظهر الأمر دائمًا مليئًا بالشكوك والتساؤلات. على سبيل المثال، يتم طرح السؤال دائمًا حول مدى أهمية الحجاب للسيدات وسبب عدم قبول الوضوء بسبب الأظافر الاصطناعية أو نجاسة الكلب على الرغم من تنظيفه وتعقيمه.

ترجع جذور الفهم الخاطئ حول أحكام الدين من قناعتنا القائلة بطبيعة عالم الكون بوصفه رياضيًا في إطار قوانين “الفيزياء” فقط، ويظل من الصعب علينا أن نقبل بالصيغ والقوانين التي تحكم عالم “الميتافيزيقا”. غافلين عن حقيقة أن خالق العالم المادي هو خالق العالم الميتافيزيقي نفسه ويتبع نظام الخلق قوانين ثابتة. إن الامتثال للحدود والأبعاد له تأثير في النظام الروحي تمامًا كما له تأثير في النظام المادي، حتى إذا لم تكن نتائج الامتثال لتلك الحدود واضحة وملموسة لنا في الوقت ذاته.

عندما نلقي نظرة على كتب الأحكام فإننا لا نرى شيئًا سوى الأرقام والأحجام والصيغ. هذا لأن كتب الأحكام ليست مجرد كتب دينية بل هي كتب رياضية و تم تصميمها وفقًا لبنيتا الحقيقية ولتحقيق الحياة الأبدية، ويقوم مراجع الدين باستخلاص الأحكام الرياضية مباشرة من كتاب الله وروايات أهل البيت(عليهم السلام)، ومن ثم تقديمها لنا في كتب الأحكام. إن السنن الإلهية ليست سوى صيغ وأحجام صممها الله متناسبة مع الرياضيات الخاصة بالنفس الإنسانية، ويكون عدم احترامها بمثابة صنع صانع لقطعة غير متناظرة لا يمكن جمعها مع باقي أجزاء الجهاز، أو كإنتاج صيدلي لدواء يتجاوز تناسب المواد الكيميائية المكونة له.

سنتحدث أكثر في المقالات التالية عن السنن الإلهية والبنية الرياضية للنفس والقوانين الرياضية التي تحكم الخلق.

اكتب رأيك