إشكالية ابتعاد البعض عن الدين مع انسجام الدين والفطرة
كثيرًا ما يشعر الإنسان في بعض مراحل حياته بوجود فجوة بين ما تمليه عليه رغباته الداخلية وبين ما يدعو إليه الدين. وهذه التجربة تثير سؤالًا جوهريًا: إذا كان الدين فطريًا في أصله، فلماذا نشعر أحياناً بهذا النوع من التنافر؟ هل يكمن الخلل في طبيعة الدين، أم أن منشأ الإشكال يعود إلى فهمنا لبنية الإنسان ذاته؟ للإجابة عن هذا التساؤل لا بد من قراءةٍ أدقّ للتركيب الوجودي للإنسان. فالإنسان ليس مجرد مجموعة من رغبات عابرة أو انفعالات لحظية، بل هو كائنٌ يحمل في أعماقه حقيقةً أعمق تُسمّى «الفطرة»، وفي ضوء هذه الحقيقة تتحدد وظيفة الدين ومعناه.
من منظور علم الإنسان، لا يُختزل الدين في كونه منظومة أوامر ونواهٍ، بل هو مشروعٌ منسجم مع البنية الأصيلة للوجود الإنساني. فالإنسان مفطور على الميل إلى الحقيقة، والعدل، والجمال، والكمال. هذه الميول ليست نتاج بيئةٍ أو تربيةٍ فحسب، بل هي عناصر مودعة في أصل خلقته. وقد أشار القرآن الكريم إلى هذه الحقيقة حين تحدّث عن دينٍ متوافق مع الفطرة الإلهية التي فطر الناس عليها.[1]
وعليه، فإن الدين لا يقف في مواجهة الفطرة، بل يرسم الطريق الذي تتفتح عبره طاقات كامنة في أعماق الإنسان. غير أنّ التجربة الحياتية تكشف أن هذا الانسجام لا يُدرك دائمًا على نحوٍ واضح؛ إذ قد تنشأ مقاومة داخلية إزاء بعض الأحكام الدينية. وهذه المقاومة ليست وهمًا، بل ظاهرة حقيقية، غير أنّ تفسيرها يقتضي الالتفات إلى أن البنية الداخلية للإنسان ليست ذات بُعدٍ واحد.
فالإنسان يعيش في داخله اتجاهان فاعلان: الفطرة والطبيعة. فبينما تدفعه الفطرة نحو الحقيقة والخير والكمال، تميل به الطبيعة إلى اللذة العاجلة، وصيانة المصالح الآنية، وإشباع الرغبات بصورة سريعة. وفي حين أنه كلا البعدين جزءٌ من تكوينه، غير أنّ وظيفتهما واتجاههما مختلفان. ويبدأ الإشكال حين يُخلَط بين هذين الندائين، أو حين تُفَسَّر مطالب الطبيعة على أنها تعبيرٌ عن الفطرة.
قد نُطلق على بعض رغباتنا اسم «الميول القلبية»، غير أنّها في حقيقتها ليست سوى استجابةٍ لطبيعة تعزّزت بفعل العادة، أو بتأثير المجتمع، أو نتيجة محفزات خارجية، لا تعبيرًا عن النداء العميق للفطرة. وفي مثل هذه الحالة، إذا بدا أنّ الدين يتعارض مع ذلك الميل، يتوهم البعض أنّ التعارض قائمٌ بين الدين والفطرة، بينما الواقع أنّه تعارضٌ بين الدين وطبيعةٍ طارئة غلبت على صوت الفطرة. هذه نقطة جوهرية ينبغي التنبه لها: فالدين لم يُشرّع ليحاصر الفطرة أو يحدّ من مجالها، بل جاء ليحميها من هيمنة الطبيعة حين تستولي على مركز القرار الداخلي للإنسان.
ذلك أنّ هناك كثيرًا من الرغبات التي نظنّها أصيلة، بينما هي ليست إلا نتاجًا للبيئة الاجتماعية، أو انعكاسًا لعادات متراكمة، أو استجابةً لإثارات خارجية، وليست تمثيلًا للحقيقة الوجودية للإنسان. وإذا لم نميز بين هذين المصدرين، برزت قراءتان خاطئتان: إحداهما تجعل الدين قوةً كابحة تضيق على الإنسان، والأخرى تَعُدّ كل رغبة داخلية تعبيرًا فطريًا أصيلًا. وكلتاهما تعطي تصورًا مضطربًا عن العلاقة بين الدين والفطرة.
الغاية من هذا البحث هي إيضاح أنّ الدين والفطرة منسجمان في أصلهما، وأنّ شعور الإنسان أحيانًا بوجود تعارض بينهما ناشئٌ عن غلبة الطبيعة على موضع الفطرة، لا عن تناقضٍ بين الدين وحقيقته العميقة.
هل كلّ ما ينبعث من داخل الإنسان هو بالضرورة صوت الفطرة؟
من الأخطاء الشائعة في فهم العلاقة بين الدين والفطرة الاعتقادُ بأنّ كلّ إحساسٍ داخلي يمثّل تعبيرًا مباشرًا عن الفطرة. وفق هذا التصوّر، يكفي للإنسان أن يصغي إلى ما يشعر به في داخله ليدرك الصواب. غير أنّ التجربة الإنسانية تكشف عن صورةٍ أكثر تعقيدًا.
يبيّن القرآن الكريم هذه الحقيقة بوضوح في قوله تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا • فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾.[2] إذ يكشف هذا البيان أنّ باطن الإنسان لا يختزن ميلًا واحدًا ثابتًا، بل إنّ الله سبحانه جعل فيه قابلية التوجّه إلى التقوى، كما أتاح له إمكانية الانحراف. ومن هنا، فإن باطن الإنسان ليس مسارًا محكومًا بوجهة واحدة، بل هو ساحةُ اختيارٍ تتجاذبها نزعتان.
لتقريب هذا المعنى، يمكن النظر إلى مواقف يومية بسيطة؛ فحين يجد الإنسان أنّ الكذب قد يوفّر له منفعةً عاجلة، قد تنشأ في داخله رغبة في الإقدام عليه. وهنا يبرز السؤال: هل هذا الميل وليد الفطرة الباحثة عن الحقيقة، أم أنّه صادر عن طبيعةٍ ميّالة إلى الربح السريع؟
وينسحب الأمر ذاته على نزعة طلب الظهور ونيل التقدير. فقد تنبع هذه الرغبة أحيانًا من حسّ المسؤولية والرغبة في الأداء الأفضل، لكنها قد تكون في أحيانٍ أخرى امتدادًا لرغبة خفية في التفوق على الآخرين. والتمييز بين المصدرين ليس دائمًا أمرًا ميسورًا.
ولهذا يحذّر القرآن الكريم من الانقياد للأهواء، لأنّ خطرها لا يقتصر على دفع الإنسان إلى اختيارٍ غير صائب، بل يتجاوز ذلك إلى إضعاف قدرته على رؤية الحقيقة نفسها.[3] وقد عبّر الإمام عليّ (عليه السلام) عن هذا المعنى بقوله: «كم من عقلٍ أسيرٍ تحت هوى أمیر»،[4] أي إنّ العقل قد يفقد دوره الهادي إذا وقع تحت هيمنة الميل المنحرف.
ويظهر الخطر الأكبر حين تتقدّم الطبيعة لتتلبّس بلباس الفطرة، فيظنّ الإنسان أنّه يلبّي نداء أعماقه، بينما هو في الحقيقة يتبع ميولًا غذّتها الطبيعة وعزّزتها الظروف. وفي مثل هذه الحالة قد يُفسَّر التعارض مع الدين ـ خطأً ـ على أنه تعارض مع الفطرة، مع أنّ الدين والفطرة متّجهان في خط واحد، لا متقابلان ولا متعارضان.
دورُ الدِّين في الصراع بين الفطرة والطبيعة
بعد أن تبيّن أنّ في باطن الإنسان توتّرًا حقيقيًا بين الفطرة والطبيعة، يبرز سؤال أساسي: ما دور الدين في هذا السياق؟ هل يقتصر دوره على تأييد ما يشعر به الإنسان في باطنه، أم أنّ له وظيفة أعمق من مجرّد التصديق على الميول الداخلية؟
التصوّر الشائع يرى أنّ الدين ليس إلا استجابةً للفطرة؛ أي إنّ الميول الأصيلة قد زُرِعت في أعماقنا سلفًا، وما الدين إلا مُعبِّرٌ عنها ومُعزِّزٌ لها. غير أنّه لو كان الإنسان قادرًا دائمًا، بالاعتماد على إحساسه الداخلي وحده، على تمييز الطريق القويم، فما الحاجة إذن إلى الهداية، والإنذار، والتربية.
الحقيقة أنّ الدين لا يقتصر على التأييد فحسب؛ بل يعين الإنسان على أن يتعرّف إلى المنبع الحقيقي لرغباته، وأن يميّز بين نوعين من الإرادة: إرادةٍ تنبع من الفطرة، وأخرى هي ثمرةُ غلبةِ الطبيعة، أو اندفاعِ الأهواء العابرة، أو تأثيرِ الظروف المحيطة. وقد أشار القرآن إلى هذه الحقيقة الدقيقة، فقال: “بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَىٰ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ وَلَوْ أَلْقَىٰ مَعَاذِيرَهُ”[5]، أي إنّ الإنسان قد يُحسن تبرير سلوكه، ويُقنع نفسه بوجاهته، من غير أن يكون قد أدرك على وجه الدقّة منشأه الحقيقي.
فعلى سبيل المثال، قد يتجلّى حبُّ الظهور في صورةِ تأثيرٍ اجتماعيٍّ أو خدمةٍ للآخرين، كما قد يُلبَس التهرّبُ من المسؤولية ثوبَ الحرّية. وفي مثل هذه الأحوال، يشتدّ الالتباس بين الفطرة والطبيعة؛ إذ قد تتخفّى نزعات الطبيعة وراء أقنعة القيم. وإذا استمرّ هذا المسار، خبت قدرةُ التمييز شيئًا فشيئًا، حتى يوشك الإنسان أن يخلط بين رغباته العارضة وحقيقة ذاته.
وقد حذّر القرآن من ذلك بقوله: «ولا تتّبع الهوى فيُضلَّك عن سبيل الله».[6] وهذا التحذير لا يقتصر على الانحراف في السلوك فحسب، بل يشير إلى أثرٍ أعمق؛ إذ إنّ الإمعان في اتباع الميول المنحرفة يُفضي تدريجيًا إلى إضعاف بصيرة الإنسان وقدرته على التمييز
وقد عبّر أمير المؤمنين (عليه السلام) عن هذه الحقيقة بقوله: «مَنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ أَعْمَاهُ وَ أَصَمَّهُ وَ أَذَلَّهُ وَ أَضَلَّهُ»[7]؛ أي إنّ الخضوع للهوى لا يقتصر أثره على السلوك، بل يمتد إلى إضعاف البصيرة الداخلية نفسها. وعندما تتمكن الطبيعة من أن تتقمّص دور الفطرة، يظن الإنسان أنّه يستجيب لنداء أعماقه، بينما هو في الواقع يتبع ميولًا غذّتها الظروف وعزّزتها الطبيعة. وهنا قد يُفسَّر التعارض مع الدين خطأً على أنّه تعارض مع الفطرة، مع أنّ الحقيقة أنّ الدين والفطرة يسيران في اتجاه واحد.
ومن هنا تتضح وظيفة الدين؛ فهو يوفّر للإنسان مرجعًا ثابتًا لا يخضع لتقلب الظروف ولا لتغيّر الأهواء. وبفضل هذا المرجع يستطيع الإنسان أن يميّز بين ما يصدر عن فطرته الأصيلة وما يتشكّل تحت تأثير العادة أو البيئة أو رغبات عارضة. لذلك فالدين ليس في مواجهة الفطرة، بل هو حارسها ودليلها، يحفظ مسارها ويعين الإنسان على أن يسلك طريق نموّه الحقيقي بوعي.
ما تبيّن في هذا الدرس أنّ الدين والفطرة ليسا في تعارضٍ أصلًا، بل إنّ الدين يحفظ الفطرة ويهدي إلى سبيل ازدهارها وتفتّحها. وإنّ كثيرًا من مظاهر التعارض التي تُطرَح بوصفها تناقضًا بين الدين والفطرة، إنما تنشأ في حقيقتها من الخلط بين صوت الطبيعة وصوت الفطرة.وحين ينكشف هذا الفارق، تتبدّل نظرتنا إلى الدين تبدّلًا عميقًا؛ فلا نعود نراه مجموعةً من القيود المفروضة، بل نهتدي إليه بوصفه دليلًا يقود الإنسان إلى نموّه الأصيل وكماله الحقيقي.
إنّ الفهم الدقيق للعلاقة بين الدين والفطرة يمثّل نقطة البداية لأي تربية صحيحة؛ فحين يُدرك الدين بوصفه معيارًا للتمييز، لا يُختزل في الإكراه ولا يتحوّل إلى مسألة ذوق شخصي، بل يستعيد مكانته الحقيقية بوصفه مرشدًا لمسيرة الإنسان نحو الكمال.
إن كنت قد اختبرت في داخلك شيئًا من هذا التعارض بين الدين والفطرة، أو كانت لديك رؤيةٌ خاصة حول هذا الموضوع، فنسعد بسماعها منك ومشاركتنا بها.
[1] . فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا؛ سورة الروم، الآیة 30
[2] . سورة الشمس، الآيتان 7 و 8
[3] . أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ؛ سورة الجاثیة، الآية 23
[4] . نهج البلاغة، الحکمة 211
[5] . سورة القیامة، الآیتان 14 و 15
[6] . سورة ص، الآية 26
[7] . التمیمی الآمدی، عبدالواحد بن محمد، تصنیف غررالحکم و دررالکلم، ص ۶۵