مدرسة المنتظر لعلم الإنسان

دراسة دور النضالات السياسية في تعجيل الظهور والمصير النهائي لصراع الحضارات

جدول المحتويات
ما هو دور النضالات السياسية في تعجيل الظهور؟

ما هو دور النضالات السياسية في تعجيل الظهور؟

على امتداد التاريخ الإنساني الحافل بالتقلبات، ظلّت قوتان متقابلتان _الخير والشر_ في حالة صراع دائم؛ حيث تمثّل قوة الشر «الظلم المنظَّم»، فيما تمثّل قوة الخير «النزوع الفطري إلى العدالة». فمن جهة، سعت الأنظمة الاستكبارية بكل طاقاتها إلى طمس القيم الإلهية والإنسانية، ومن جهة أخرى، رفعت المجتمعات الواعية وصالحو العالم راية الأمل والمقاومة بأرواحهم وأموالهم.

وفي صميم الفكر الشيعي، يرتبط هذا الصراع التاريخي بمفهوم الانتظار، لينتهي إلى سؤال جوهري: “ما هو دور النضالات السياسية في تعجيل الظهور؟ هل تقتصر وظيفتنا على الانتظار السلبي والدعاء، أم ينبغي لنا أن نتحرك حركة فاعلة وبنّاءة لتهيئة الأرضية لإنهاء عصر الغيبة؟”

إن الانتظار ليس مجرد حالة سكونية، بل هو فلسفة حياة وسلوك عملي. فالنضالات السياسية والاجتماعية والثقافية التي تتشكل في مواجهة الاستكبار العالمي، تمثّل التجسيد العملي لهذا الانتظار.

فهذه الحركات لا تقتصر على كونها وسيلةً لحفظ الهوية الدينية في مواجهة جبهة الشر، بل تمضي أبعد من ذلك لتؤدي دورًا محوريًا في عملية «بناء القابلية العالمية». إنّ العالم، لكي يكون مهيّأً لاستقبال العدل المطلق، ويبلغ حالة الاضطرار لظهور المنقذ، لا بدّ أن يمرّ أولًا بتجربة إدراك فشل الأيديولوجيات البشرية وعجزها. وكل حركة نضالية تُسقط ركناً من أركان جبهة الشيطان، وتقرّب البشرية خطوة نحو النضج الفكري والاستعداد لتقبّل الحضارة العالمية الجديدة. وهذه النضالات هي أعلام تحمل الحق، لتسلّمه في اللحظة الموعودة إلى صاحبه الحقيقي.

وفي الحقيقة، فإن دور النضالات السياسية في تعجيل الظهور يتجلّى بوضوح في أنه من دون نضالات سياسية هادفة وثورات إلهية تُحطّم أسطورة عدم قابلية الظلم للهزيمة، وتُنشئ قوى صالحة مؤهلة، فإن انتظار الظهور يصبح وهماً ساذجاً. وعليه، فإن هذا الدور ليس شعاراً شكلياً أو دعائياً، بل هو خريطة طريق عملية تنقل المؤمنين من دائرة الصبر السلبي العقيم إلى ميدان الجهاد البنّاء لتحقيق مستقبل مشرق.

إن هذه المجاهدات والنضالات الإلهية تُطهّر الأرض من الملوّثات لتهيئتها لخطوات المنقذ المقدسة، كما تُحقّق الإرادة الإلهية في تربية الإنسان حتى يبلغ مقام الخلافة الإلهية.

دور الانتظار الفاعل في مواجهة الخير والشر

منذ لحظة خلق الله فيها الإنسان وكرّمه وجعله أشرف المخلوقات، ظهرت مشاعر الكِبر والحسد الكامنة لدى الشيطان؛ فتمرّد على أمر الله وامتنع عن السجود لآدم. ومنذ ذلك اليوم، تشكّلت جبهتان متقابلتان في العالم.

فكل إنسان، منذ ذلك الحين وحتى اليوم الموعود، ينتمي _بحسب اختياراته وأفكاره ومعتقداته ونمط حياته_ إلى إحدى هاتين الجبهتين: جبهة الخير، وهي جبهة أهل التوحيد، وجبهة الشر، وهي جبهة الشيطان. وقد بدأ هذا الصراع بعصيان الشيطان، وسيستمر حتى قيام الدولة الكريمة والحضارة الإسلامية العالمية الجديدة.

والنقطة المحورية هنا هي أنه لا يمكن لأي إنسان أن يقف خارج هاتين الجبهتين أو في منطقة وسطى بينهما، إذ لا وجود لجبهة وسطى. فغاية خلق الإنسان هي أن يعيش في ظل دولة كريمة، تحت تربية مربٍّ معصوم ومتخصص، ليبلغ أعلى درجات التشبّه بصفات الله تعالى. غير أن الشيطان وجنده لا يكفّون عن السعي لإفشال هذا الهدف بكل ما أوتوا من قوة.

وهنا يتجلّى معنى دور النضالات السياسية في تعجيل الظهور. فالصراع بين جبهة التوحيد وجبهة الشيطان يتخذ أبعاداً متعددة؛ يبدأ بصراع العقائد والأفكار، ثم يمتد إلى صراع أنماط الحياة والعلاقات والاختيارات. غير أن السؤال المطروح هنا هو: هل تكفي هذه المواجهات الفكرية والثقافية وحدها أمام الهجمات المتعددة الأبعاد والتجهيزات العسكرية لجبهة الشيطان؟ وهل يمكن خوض المعركة بمجرد الخطاب والكلمة؟ الجواب هو: كلا.

إن دور النضالات السياسية في تعجيل الظهور هو دور متعدد الأبعاد وعميق التأثير، ويتعيّن على مجاهدي جبهة التوحيد الإحاطة بجوانبه المختلفة. فالصالحون في آخر الزمان مطالبون بأن ينظّموا استعدادهم القتالي بما يتناسب مع استعداد العدو، وأن يظلّوا في حالة يقظة دائمة.

وهذا يتطلّب اكتسابَ المعرفة، وتنقيةَ العقيدة، واختيارَ نمط حياة إلهي، وخوضَ نضالٍ فكريّ وثقافي، ومواجهةَ معركة الأفكار، إلى جانب التعلّم والتخطيط لتحقيق الأهداف العسكرية. وهذا كلّه هو معنى «الانتظار الفاعل» الذي يقع على عاتق المنتظرين الصادقين وصالحي آخر الزمان، الذين يؤمنون بدور النضالات السياسية في تعجيل الظهور، ويجعلون حياتهم قائمة على هذا الهدف.

دور الانتظار الفاعل في عولمة الظهور

لقد برزت رؤية «الانتظار الفاعل والبنّاء» وطرحت بقوة بعد انتصار الثورة الإسلامية في إيران؛ وهو انتظار عملي يرى بوضوح الدور المحوري للنضالات السياسية في تعجيل الظهور، ويعدّ هذه النضالات والثورات ضرورة حتمية لتهيئة القابلية العالمية لفهم حقيقة المنقذ، وتمهيداً لوقوع الظهور.

إن الحكومة العالمية للإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف) لا يمكن أن تتحقق في فراغ سياسي واجتماعي، بل تحتاج إلى قاعدة فكرية وعسكرية لإدارة العالم. ومن أبرز أدوار النضالات السياسية توفير هذه القاعدة. فالنضالات السياسية والثورات الإلهية تتحدى القوى العالمية التابعة لجبهة الشيطان، وتؤسس لبُنى عسكرية وسياسية مستقلة، وتُهيّئ البنى التحتية اللازمة لدعم حكومة المنقذ الموعود.

وقد أشار قادة الثورة الإسلامية في إيران مراراً إلى الطابع المهدوي لهذه الثورة، بوصفها خطوة في سبيل إعداد البنية التحتية للحضارة الإسلامية العالمية الجديدة. فقد قدّم الإمام الخميني والسيد علي الخامنئي (رحمة الله عليهما) الثورة الإسلامية في إيران على أنها حركة فكرية وسياسية تهدف إلى تهيئة أجواء الظهور. وقد تحقق هذا الهدف من خلال جهود صالحي آخر الزمان ومعرفتهم بدور النضالات السياسية في تعجيل الظهور؛ حيث أصبحت إيران الإسلامية اليوم تمتلك موقعاً متميزاً في ميدان القوة العسكرية، ولها حضور فاعل ومؤثر على الساحة الدولية.

ومن أدوار أخرى للنضالات السياسية في تعجيل الظهور، إيجاد حالة من الاستعداد الفكري لدى الشعوب لإدراك الحاجة إلى المنقذ، والعمل على إسقاط الطواغيت. فالحراك السياسي، من خلال طرح شعارات العدالة ومكافحة الفساد والاستكبار، يوجّه الرأي العام العالمي نحو فكرة الحكومة العالمية العادلة، وهو مستوى من النضج يُعد شرطاً أساسياً لقبول الإمام على نطاق عالمي.

لقد اكتسب هذا المسار زخماً من خلال الدعم العالمي للأحرار لقضية الشعب الفلسطيني المظلوم؛ إذ انطلقت شرارة نصرة المظلومين في فلسطين ومواجهة الكيان الإسرائيلي المصطنع من إيران الإسلامية، ثم ما لبثت أن تحولت _بفعل التوعية والدعم المستمر_ إلى حركة عالمية التحق بها أحرار العالم. واليوم، نشهد تشكّل ثورة فكرية على مستوى العالم، حيث يقف الأحرار جنباً إلى جنب في مواجهة الطغيان، ساعين إلى القضاء على الطواغيت وتمهيد الأرض لظهور المنقذ.

دور النضالات السياسية في تاريخ التشيّع

في الواقع، في عالم اليوم الذي تمسك فيه القوة والنفوذ بأيدي الأطراف الأكثر تجهيزاً واستعداداً، لا خيار أمام المنتظرين إلا أن يكونوا مؤمنين أقوياء ومجهزين. إن تحقق الظهور مرهون بتمكّن صالحي آخر الزمان، ولذلك ينبغي للمنتظرين أن يكونوا مجاهدين مؤمنين، أذكياء، واعين، شجعاناً ومتخصصين، قادرين على إيقاظ شعوب العالم بقوة إيمانهم وعلمهم وأقلامهم وسلاحهم.

وعندما تتحقق هذه اليقظة، يلتحم صالحو العالم بعضهم ببعض، ليشكّلوا قوة عارمة كالمحيط، تبتلع جبهة الشيطان كما ابتلع البحر جيش فرعون؛ وعندئذٍ تتهيأ الأرض لاستقبال المنقذ وإقامة حكومته.

وخلال فترة الإمامة التي امتدت 250 عاماً لدى أئمة الشيعة (عليهم السلام)، فإن السبب الرئيسي في عدم تشكيلهم لحكومة مستقرة أو عدم استقرار بعض الحكومات القصيرة التي أُقيمت، لم يكن غياب الفرصة السياسية، بل كان النقص أو الانعدام في وجود مقاتلين حقيقيين، مؤمنين إيماناً صادقاً، يلتزمون بالطاعة المطلقة لأوامر الإمام.

فقد كان بعضهم من أصحاب النزعة العبادية المنعزلة الذين لم يروا طاعة الإمام واجباً عليهم، في حين كان آخرون من حملة السلاح الذين كانوا يقاتلون وفق أهوائهم لا وفق توجيهات الإمام. ولهذا السبب، اضطرّ معظم الأئمة المعصومين (عليهم السلام) إلى اعتماد التقية طوال فترة إمامتهم، وتحملوا معاناة شديدة، لكي _وإن لم يتحقق الظهور في تلك المرحلة_ تُوضع اللبنات الأولى لتربية الأمة وتمهيد أسس الحكومة الإلهية.

إن مشكلة عدم إدراك دور النضالات السياسية في تعجيل الظهور كانت حاضرة على الدوام عبر التاريخ، وشكّلت عائقاً كبيراً أمام تحقق ظهور الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف). ويتجلى مثال ذلك في الفترة التي سعى فيها الإمام الخميني (رحمة الله عليه) إلى إقامة الثورة الإسلامية في إيران، حيث لم تحظَ دعوته بدعم هاتين الفئتين المتطرفتين في الإفراط والتفريط.

غير أنه، وبفضل إدراكه العميق لدور النضالات السياسية في تعجيل الظهور، ووعيه بحجم الأضرار التي لحقت بتاريخ التشيّع بسبب هذا الجهل، عمل على إعداد وتربية جيل من المجاهدين الممهدين للظهور، القادرين _بسلاح العلم والإيمان_ على استنهاض العالم، وتمهيد الأرض لاستقبال الإمام المنقذ.

اكتب رأيك