مدرسة المنتظر لعلم الإنسان

من هو المنتظر؟ هل الانتظار مجرّد شعارٍ لفظي، أم أنّه منظومة من الأعمال القلبية والاجتماعية؟

جدول المحتويات
من هو المنتظِر؟ مهندسٌ فاعل ودورٌ يتجاوز مجرّد المتفرّج

من هو المنتظِر؟ مهندسٌ فاعل ودورٌ يتجاوز مجرّد المتفرّج

الانتظار يتجاوز كونه صفةً عابرة، ليكون حالةً حية يقِظة، نابضة في وجود الإنسان. هذا المفهوم متجذّر في رؤيةٍ عميقة تربط بين توق الإنسان إلى الكمال وسعيه اليومي لتحقيقه. فالانتظار ليس سكوناً، بل هو تركيزٌ للطاقة الداخلية نحو هدفٍ عظيمٍ ذي قيمة؛ نقطةٌ يُستبدل فيها رفض الواقع القائم ببناء الواقع المنشود. وهذه الجاهزية لا تقتصر على مسألة ظهور المنقذ الموعود فحسب، بل هي نزوعٌ قلبيٌّ أصيل؛ فالانتظار الحقيقي يعني ألّا يقف الإنسان مكتوف اليدين.

من هو المنتظِر؟ إنه ذلك الإنسان الذي يسعى في تفاصيل حياته اليومية ليجعل عالمه شبيهاً بذلك العالم المثالي الذي يترقّبه. فهو لا ينتظر قيام حكومة عادلة فحسب، بل يعمل على تهيئة ذلك المستقبل من خلال إصلاح قلبه وسلوكه، ورفع مستوى وعيه، ومواجهة الاستكبار العالمي. وإذا أردنا تبسيط الإجابة عن سؤال: من هو المنتظِر؟ فإنّه ذاك الذي يساهم في التعجيل بالظهور عبر العيش القويم والسعي لبناء مجتمعٍ وعالمٍ أفضل. هذه الجاهزية عمليةٌ مستمرة؛ فكلّ خطوةٍ نحو تحصيل القلب السليم، وكلّ نورٍ يُسلّط على ظلمات الجهل والظلم، يجعل دور الإنسان في تحقيق الوعد الإلهي أكثر حضوراً وتأثيراً.

بناءً على ما تقدّم، يمكننا أن ندرك بوضوحٍ أكبر أنّ المنتظِر ليس مجرّد ناظر، بل هو مهندسٌ فاعل في بناء عصر الوعد، وأنّ حضوره تجلٍّ لأمله الدائم. إنّه يؤمن بأنّ العدالة ليست حكماً سماوياً فحسب، بل قرارٌ أرضيّ ينبغي أن يُبنى في القلوب كلّ يوم. وهذا الانتظار الحقيقي يحوّل المنتظِر إلى جسرٍ يصل بين ما هو كائن وما ينبغي أن يكون؛ جسرٌ يحتاج يومياً إلى ترميمٍ وتعزيزٍ بالإيمان والعمل. وفي نهاية المطاف، فإنّ الإجابة عن سؤال: من هو المنتظِر؟ هي أنّه ذلك الذي يهيّئ العالم لبناء الصورة الكبرى، من خلال تشييد نموذجٍ مصغّرٍ من الجنّة في قلبه ومجتمعه. ويتمّ بناء هذا النموذج عبر ثورةٍ في العالمين الداخلي والخارجي للإنسان. فالشخص الذي يبلغ مقام الانتظار يكتسب خصائص كجهاد النفس، وبناء الذات، والجهاد العالمي، وتغيير نمط الحياة، والشعور بالاضطرار، والاستغاثة؛ ثمّ تتحوّل هذه الصفات لديه، عبر التكرار والمداومة، إلى ملكاتٍ راسخة تمكّنه من بلوغ هذا المقام العظيم.

تزكية النفس والتحوّل القلبي

إنّ أهمّ وأثمن سمةٍ في شخصية المنتظِر، والتي تُعدّ بمثابة العمود الفقري لبقية خصائصه ومقوم شخصيته، هي تزكية النفس ومراقبتها؛ إذ إنّ جميع صفاته تفقد معناها وتأثيرها دون هذه السمة التي تؤدّي إلى سلامة القلب وطهارة النفس، بل قد تُخرجه عاجلاً أم آجلاً من دائرة المدّعين للانتظار. إنّ تهذيب النفس وإعداد القلب يمثّلان الدور الأبرز في إزالة موانع الظهور وتأسيس الحضارة العالمية الجديدة. وهذه المسألة على درجةٍ من الأهمية والحيوية بحيث يمكن الجزم بأنّ بناء حضارةٍ إلهية عالمية دون إصلاح الفرد أمرٌ مستحيل.

وعلى الساعين إلى مقام الانتظار أن يتعرّفوا على معايير الحضارة الإسلامية، وأن يسعوا، بالإرادة والجهد والممارسة والصبر والاستمرارية، إلى بلوغ هذا النموذج الشخصي المتكامل ضمن إطار الحضارة العالمية الجديدة. وإلّا فلن يتمكّنوا أبداً من إزاحة الحضارات العاجزة والبالية والفاسدة، وإحلال الحضارة الإلهية الإنسانية محلّها؛ لأنّ الحضارة الموعودة تقوم على نظامٍ اجتماعيّ خاص، وهذا المجتمع يتشكّل من أفرادنا واحداً واحداً.

إنّ السبب في تأخّر ظهور الإمام المهدي (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) عبر القرون، يكمن في أنّ الشيعة والمدّعين للانتظار لم ينخرطوا بجدّيةٍ وأصولية في تهذيب النفس ومراقبتها، ولم يبلغوا مؤشرات المستوى المطلوب في الحضارة الإسلامية. فإذا كنّا نتطلّع لمعرفة من هو المنتظِر وكيف نصبح منتظرين حقيقيين، فعلينا أولاً أن نكتسب المعرفة الكافية في إصلاح النفس، كمعرفة النفس، ومعرفة الله، ومعرفة الإمام، ومعرفة الشيطان، ومعرفة الطريق. وبعد تحصيل هذه المعارف من مصادرها الصحيحة، يأتي دور التنفيذ والعمل بها.

بمعنى أنّ الإنسان المنتظِر ينبغي أن يُجسّد الصفات الإلهية والإنسانية في ذاته، وأن يجعلها ملكاتٍ راسخة في قلبه، وأن يداوم على هذا النهج باستمرار، حتى يقترب تدريجياً من سيرة الإمام المعصوم. ويجب أن يستمرّ هذا التماثل والتقارب القلبي مع سيرة الإمام إلى حدّ يكتسب معه أهلية التمهيد للظهور، ومن ثمّ العمل في الدولة الكريمة. إذن، المنتظِر هو ذلك الذي أدرك جيّداً ضرورة تغيير نمط حياته ليتوافق مع نمط الحياة في آخر الزمان، وأن ينظّم أنماطه الغذائية والرياضية بما يضمن سلامة جسده وروحه، ليزجّ بهما معاً في ميدان الجهاد الشاق من أجل التمهيد لظهور المنقذ.

السعي لإيقاظ الناس والثورة العالمية

تناولنا حتى الآن الإجابة عن سؤال: من هو المنتظِر، من زاويةٍ محدّدة، غير أنّ هذه الصورة ما تزال غير مكتملة؛ فشخصية المنتظِر ثرية ومتعددة الأبعاد، وتحمل في طيّاتها جوانب أخرى لا تقلّ أهمية. فالمنتظِر الحقيقي هو ذلك الذي، إلى جانب تزكية نفسه ونموّه الفردي، يسعى سعيًا هادفًا لعرض الدين الحقيقي على شعوب العالم. إنّ من أدرك ضرورة حضور الإمام لتحقيق غاية خلقه، يعرّف نفسه بوصفه إنسانًا، ولذلك يحمل في أعماقه رغبةً صادقة في إيصال البشرية إلى مرحلة طلب الإمام. ومثل هذا الإنسان لا يمكنه أن يكون غير مبالٍ بمصير الآخرين، بل يسعى بجدٍّ لإيصالهم إلى إمامهم. فالمنتظِر يبدأ أولًا بتجسيد الصفات الإلهية في ذاته، ثم يسعى، بقدر استطاعته، إلى ترسيخ هذه الصفات في أفراد المجتمع.

وعليه، فإنّ المنتظِر الحقيقي يعيش دائمًا في حالة سعيٍ ومجاهدة؛ فالخطوة الأولى في مجاهدته هي بناء الذات، والخطوة التالية هي الإسهام في إيقاظ الآخرين من خلال التعريف بالإمام. وبما أنّ حكّام العالم وسياسييه في عصرنا يشكّلون قيادات جبهة الشيطان، وقد امتلكوا النفوذ في مختلف المجالات، فإنّهم يبذلون كلّ طاقتهم لمنع دين الله من الوصول إلى السيادة العالمية. ومن ثمّ، لا خيار أمام الصالحين والأطهار في آخر الزمان سوى أن يكتسبوا قوّةً كبيرة في مختلف الميادين. فهم، بخلاف حزب الشيطان، يسعون إلى التقدّم واكتساب القوّة في مختلف العلوم بدافع إقامة الحكومة الإلهية.

وعليه، فالمنتظِر هو ذلك الذي يسعى باستمرار إلى النموّ في مختلف المجالات: العقائدية والإيمانية، والعلمية والاقتصادية، والسياسية والعسكرية، وغيرها. ومع ذلك، فإنّ المنتظِر يوقن دائمًا بأنّ مفتاح جميع الفتوحات يكمن في يد الإمام المباركة، وأنّه لا يتحقّق أيّ إنجاز دون مشيئة الله وإرادته؛ غير أنّه مكلّف بالسعي والمجاهدة في هذا الطريق.

الاضطرار والاستغاثة

لقد بلغ الإنسان المنتظِر درجةً عميقة من معرفة الذات، بحيث أدرك تمامًا أنّه سيبقى ناقصًا من دون الإمام المعصوم. وهو قد فهم أنّه لم يُخلق ليقتصر هدفه على الزواج، وتكوين الأسرة، والعمل، ورفع مستواه التعليمي، وقضاء عمره في هذه الأمور فحسب. فالمنتظِر واعٍ للروح التي نُفخت فيه من الله، ويسعى إلى إيجاد السبيل لتنمية هذه القابلية وإثمارها في داخله. كما أنّه استطاع، من خلال التقوى وتزكية النفس، أن يحافظ على جذور إنسانيته. وهذا الفهم العميق جعله يشعر بحاجةٍ ملحّة إلى وجود مربٍّ إلهيٍّ معصوم، يقوده نحو بلوغ مقام الخلافة الإلهية في الأرض.

ولأنّ المنتظِر، عبر تهذيب نفسه وتزكيتها، قد اقترب كثيرًا في الشبه من الله والإمام، فقد تعلّق بهما حبًّا، وابتُلي بحالةٍ شديدة من الاضطرار للالتحاق بهما؛ كحال من فقد طفلًا أو عزيزًا. إنّه اضطرارٌ عميق ومؤلم يجعله يطلب المنقذ من الله بكلّ وجوده. وقد طهّر كيانه من الأنانيات، ومن التعلّقات الحقيرة والصغيرة، ومن الذنوب والأمراض، ولذلك استطاع، بفضل طهارة نفسه، أن يكون موطنًا لحبّ الإمام وألمه. إنّه يرى نفسه في مقام الفقر المطلق، فيسأل الله، بتضرّعٍ وافتقار، منقذه ومنقذ العالم. وهذه الحالة نفسها تمنحه روح الرحمانية والبصيرة في البحث عن طريقٍ لإنقاذ العالم.

فالمنتظِر إنسانٌ رحيمٌ بجميع الناس في العالم، عطوفٌ ومشفق، لا يقتصر عطاؤه على فئةٍ معيّنة. إنّ قلبه ينبض لكلّ متألّم، ولكلّ فقير، ولكلّ محرومٍ ومظلوم في هذا العالم، ويرى أنّ الطريق الوحيد لنجاة نفسه ونجاة البشرية جمعاء يكمن في الاستغاثة الفردية والجماعية على مستوى العالم.

اكتب رأيك