ما خطر الشرك؟ ولماذا يُعَدّ من الذنوب التي لا تُغفَر؟

جدول المحتويات
كيف يُعيقنا خطر الشِّرك عن التقدّم نحو الهدف المنشود؟

كيف يُعيقنا خطر الشِّرك عن التقدّم نحو الهدف المنشود؟

خطر الشِّرك، وفقًا لما ورد في الروايات الدينيّة، من أخطار مدمِّرة لجميع أعمال الإنسان. إنّ خطر الشِّرك بالغٌ إلى درجةٍ يمكن أن يمنع حتى شفاعة الشافعين يوم القيامة من أن تنفع صاحبه. ولكن لماذا؟ من الطبيعيّ أنّ الإنسان، بعد أن يتّضح له هدفه في أيّ مرحلةٍ من مراحل حياته، ينبغي له أن يسعى لإزالة عوائق وصعوبات تعترض طريقه؛ إذ إنّ غموض الهدف قد يمنعنا من بلوغه، وكذلك فإنّ وجود الموانع والمشاق يمكن أن يجعل حركتنا بطيئةً أو حتى يُوقفها تمامًا. وأعظم طريقٍ رُسم لنا في حياتنا _ وهو الذي يضمن سعادتنا الأبديّة أو يجرّنا إلى شقائنا الدائم _ هو  السير نحو الأبدية التي هي موطن الرجوع ومقرّنا الأصلي، وجميع أعمالنا وسلوكنا تُعرَّف وتُوزَن في ظلّ مدى جدّيتنا في النظر إليها، ومدى إدراكنا الصحيح لظروفها ومتطلّبات الحياة فيها. إنّ ولادتنا السليمة إلى عالم الأبدية هي التي تحدّد في النهاية سعادتنا أو شقاءنا الدائم، ومن الواضح أنّه من دون مراعاة لوازم هذه الولادة السليمة أثناء سيرنا نحو الأبدية، فإنّ الوصول إلى النتيجة المنشودة سيكون أمرًا مستحيلًا. لكنّ الشيطان، بوصفه العدوّ الأكبر لنا، لم يغفل لحظةً واحدة عن وضع عراقيل في هذا الطريق، بل يبذل قصارى جهده ليمنعنا من بلوغ هدف رسمه الله لخلقنا. ومن أبرز ما يصنعه في هذا السبيل أن يُثير فينا الشكَّ في الطريق، أو أن يُوقِعنا في الشِّرك بالله.

في هذا الدرس نريد أن نتعرّف على معنى الشِّرك بالله، وكيف يمكن لخطر الشرك أن يؤثّر في نوعيّة سيرنا نحو الأبدية، وفي مدى قدرتنا على الوصول إلى الهدف الذي من أجله خُلقنا.

تعريف الشِّرك

من الطبيعيّ أن نفهم، قبل الحديث عن خطر الشِّرك وتأثيره في مسيرتنا نحو الأبدية، ما هو الشِّرك حقًّا. فإدراك صحيح لمعناه هو الخطوة الأولى لمعرفة مدى خطورته. إنّ الشِّرك يُعَدّ أحد أبرز العوامل التي تُعيق حركتنا، ولا يمكننا أن نُدرك أثره ما لم نتعرّف على خصائصه وحقيقته. ولكي نستوعب مدى أهميّة هذا الخطر، يكفي أن نعلم أنّ الشِّرك يقف في الجهة المقابلة للتوحيد؛ أي إنّه نقيض العامل الذي نحتاج إليه لنبلغ غاية خُلقنا من أجلها. وكما أشرنا في الدروس السابقة، فإنّ سعادة الإنسان وسكينته في دار الخلود ترتبطان بمدى قربه من الله تعالى، وهذا القرب إنما يتحقّق بقدر ما يتشبّه بالله، أي بالكمال والوجود المطلق اللامتناهي. غير أنّ الخطوة الأولى في سبيل الوصول إلى هذا القرب والتشبّه، هي أن يملك إيمانًا صحيحًا بوحدة الوجود اللامتناهي الذي لا قيام لوجودنا من دونه. وكما أنّ للإيمان والتوحيد مراتبَ متعددة، فإنّ للشرك أيضًا مراتب مختلفة؛ لكن من حيث النوع يمكن تقسيمه إلى قسمين رئيسيين:

• الشِّرك النظري

وهو أعظم أنواع الشرك وأخطرها، ويقع حين يؤمن الإنسان، قولًا أو عملًا، بأنّ لله شريكًا في ألوهيّته، أو حين يرى أنّ ثمّة مؤثّرًا في الوجود غير الله تعالى، أو أنّ شيئًا سواه يملك قدرةً مستقلّةً عن مشيئته. فمن يجعل لغير الله نصيبًا في الخلق أو التدبير أو التأثير، فقد أشرك شركًا نظريًّا صريحًا، وهو على رأس جميع الذنوب.

• الشِّرك العملي

ويقع هذا النوع من الشرك حين نُقرّ بألسنتنا بوحدانية الله، ولكنّ أعمالنا تخالف أقوالنا. فنحن وإن كنا نعترف بأنّ الله هو الخالق والمدبّر لكلّ شيء، إلّا أنّ سلوكنا قد يدلّ على اعتمادنا على أسباب ومسبّبات دون الله، وكأنّنا نرى لها قوّةً مستقلّة. فعلى سبيل المثال، نؤمن بأنّ الله هو صاحب الأمر كلّه، ومع ذلك نعتقد أحيانًا أنّ حلّ المشكلات أو مواجهة المصائب والأمراض إنما يكون بتأثير غير الله. وهذا هو الشرك العملي الذي يجعل التوحيد في اللسان لا في القلب والعمل.

الشِّرك في مسيرة الإنسان

وهنا يُطرح السؤال: كيف يُعرقل الشِّرك وصولنا إلى الهدف من خَلْقنا، وكيف يؤثّر في مصيرنا الأبدي؟ إنّ الإيمان الراسخ بأنّ غاية الخلق تكمن في التشبّه بصفات الله تعالى يجيب إلى حدٍّ كبير عن هذا السؤال؛ إذ إنّ بلوغ هذه المشابهة لا يتحقّق إلّا إذا كانت لدينا معرفة صحيحة بالله. أي أن نؤمن بأنّ الله هو الوجود الواحد الساري في كلّ ذرةٍ من هذا الكون، وأنّ كلّ ما في الوجود قائمٌ به ومتعلّقٌ به، لا استقلال له عنه.

لكنّ الشِّرك إنما يعني العكس تمامًا؛ فهو يدلّ على أنّ الإنسان قد أخطأ في فهمه لله بوصفه الوجود الواحد المؤثّر في هذا العالم. فعندما يتسرّب الشرك إلى قلوبنا، تتغيّر رؤيتنا لله: فنراه موجودًا محدودًا، لا يشمل كماله كلَّ شيء، ولا يملأ حضوره أرجاء الوجود، وكأنّ بينه وبين الكمال المطلق بُعدًا شاسعًا.

ومن هنا، حين نضعف، لا نراه ذا قدرةٍ مطلقة نستمدّ منها العون، ولا نؤمن به مدبّرًا مطلقًا فنفوّض إليه أمرنا، ولا نُسلِّم له علمًا وربوبيّةً لا حدّ لهما فنطمئنّ إليه في حلّ مشكلاتنا.

إذن، الشِّرك يبدأ منذ لحظة نختلّ فيها في تعريفنا لله، فلا نراه الكمال المطلق الذي ترتبط به جميع الأمور وتتعلّق به كلّ الأسباب. ومن هنا تحديدًا يصبح الشرك العقبة الأولى في طريق سعادتنا، والعائق الأكبر أمام بلوغ الهدف الذي من أجله خُلقنا. ولهذا السبب أيضًا كان الشِّرك من الذنوب التي لا تُغفَر، إذ هو على رأس الذنوب كلّها، لأنه يضرب أصل العلاقة بين العبد وربّه، ويفسد الأساس الذي تُبنى عليه جميع الأعمال والعبادات، فيُفقدها معناها وغايَتها.

الشِّرك؛ عامل الإعاقة عن التقدّم

مهما بلغنا من نجاحٍ في حياتنا، ومهما قطعنا من مراحل التقدّم في مراتب الكمال بمختلف أبعاد وجودنا، فإنّنا ما لم نصل إلى الغاية التي خُلقنا من أجلها ، نظلُّ في حقيقة الأمر خاسرين. فالعمر قصير، والوقت الذي نملكه في رحم الدنيا محدود للغاية، ولذلك لا يكون الإنسان ناجحًا حقًّا إلّا إذا كانت حركته نحو الهدف لا تسير فحسب، بل تتّصف بالسرعة والسبْق أيضًا. غير أنّ خطر الشِّرك يعمل في المقابل كعاملٍ مُعطِّل، فهو عامل الإعاقة عن التقدّم؛ إذ لا يكتفي بتشويه صورة الهدف في أعيننا، بل يُضعِف اندفاعنا نحوه، فيُفقِدنا السرعة، ويمنعنا من السبق في السير إلى الأبدية، بل ويُدخِلنا في حلقةٍ مفرغة لا تُفضي في نهايتها إلى المقصد الحقّ، أي إلى الله سبحانه وتعالى. وفي تلك الحالة، بدلاً من أن نضع الله في مركز كلّ أمرٍ ونتّخذه رأسًا ومرجعًا لكلّ حركةٍ في حياتنا، نستند إلى أوهامٍ لا وجود حقيقيًّا لها، بل إنّ وجودها ذاته قائمٌ على الله ومتعلّقٌ به.

إن ذلك أشبه بأن نحاول، بدلًا من التفاهم مع رئيس الشركة، أن نبذل كلّ جهدنا للتواصل مع أحد موظّفيه البُسطاء، ثم ننتظر  على نحوٍ ساذج، أن نحصل على النتيجة المرجوّة. أو بمعنى آخر: نترك الأصل ونتعلّق بالفرع، نغفل عن المصدر ونتشبّث بالوسائط، ونطلب التأثير من أمورٍ تستمدّ وجودها من غيرها ولا تملك من ذاتها شيئًا.

ورغم أنّ ذلك قد يبدو في الظاهر أمرًا بعيدًا وغير منطقي، إلا أنّه في الحقيقة واقعٌ نعيشه؛ فكثيرٌ منّا يقعون في هذا النوع من الشرك بدرجاتٍ مختلفة، ولهذا تتباطأ حركتهم في الطريق إلى الأبدية أو تضعف.

وبقدر ما يختلّ فهمنا لمعنى الكمال المطلق والوجود اللامتناهي، وبقدر ما نفقد إيماننا بأنّ الله هو المؤثّر الوحيد في هذا العالم، نكون قد سقطنا في مراتب متنوّعة من الشرك، شئنا أم أبينا.

اكتب رأيك