ماذا نعني بخلود الإنسان؟ هل الإنسان كائن خالد أم فان؟
تخيّل لحظة أنه لم يتبق إلا ساعة واحدة من عمرك، وملك الموت منتظرا على الأبواب لكي تُنهي آخر أعمالك المتبقية في الدنيا حتى يقبض روحك ويحوّلك إلى عدم. بعد ذلك، لن تكون حاضرًا في هذه الدنيا ولا في أي مكان آخر. إنك تُفنى تمامًا بعد الموت ولا يبقى لك أي أثر! ما هي مشاعرك تجاه فكرة الزوال المطلق هذه؟ فكّر بها بتمعن قليلا. هل يمكنك فعلاً أن تتصوّر أن يُمحى وجودك تمامًا وتتحول يوماً إلى العدم؟
لا شيء يثير الرعب في قلوب البشر كمفهوم الفناء والعدم بعد الموت. لذلك فقد سعى الذين نظروا إلى الموت بهذه النظرة على مر العصور إلى تأجيل هذه اللحظة المروعة أو منع حدوثها بكل الوسائل الممكنة. إنّ رغبة الإنسان في البقاء والخلود ومقاومة الزوال موضوع شغل عقول البشر منذ الأزل، وجعله يحلم يسرد الأساطير عن ينبوع ماء الحياة الذي يحافظ على الحياة إلى الأبد، وعن الإكسير الذي يحمي من الشيخوخة والموت. لقد تطورت هذه الخيالات ودخلت مرحلة جديدة في العصر الحديث، حيث قادت العلوم المتقدمة العلماء إلى مشروعات مبتكرة تعتمد على الذكاء الاصطناعي لبدء مغامرة خلود الإنسان. في أحد هذه المشروعات الملهمة المعروفة باسم “مبادرة 2045“، يتم إقامة اتصال بين عقل الإنسان وتمثال رقمي للكمبيوتر حيث يقود هذا الاتصال في نهاية المطاف إلى خلق نموذج حاسوبي للدماغ وتحميل الأدمغة الإنسانية على أجهزة الكمبيوتر.
يُعتبر نجاح مثل هذه الإجراءات أمرًا ثانويًا، إذ أن السؤال الرئيسي يكمن في مدى اعتماد حياة الإنسان على الدماغ. هل تعتمد حياة الإنسان على دماغه بحيث يمكن المحافظة على حياته من خلال تحميل بيانات الدماغ على الحاسوب؟ والأهم من ذلك، هل الإنسان قابل للزوال لكي يحتاج إلى تلك التقنيات المعقدة من أجل البقاء وتحقيق الحياة الخالدة؟
خُلق الإنسان خالدًا منذ البداية
إن مفهوم خلود الإنسان ككائن لا يموت هو أمر غير سهل بالنسبة للكثير من الأشخاص. يعود ذلك إلى انغماس الكثير من الناس في عالم المادة، والذي يؤدّي إلى التفكر الحسي أكثر من العقلي، بينما تمثل الأبدية فهمًا عقلانيًا بامتياز وليس استنتاجًا حسيًا. غالبًا ما تكون الإحساسات مارة ومؤقتة وليست خالدة، لذا فإن الذين يعتمدون بشكل كبير على الإحساسات يجدون صعوبة في فهم فكرة خلود الإنسان. إن محاولة الإنسان لخلوده من خلال محاكاة البيانات الدماغية هي حصيلة فهمه الخاطئ من علم الإنسان، إذ أن حياتنا كبشر ليست مرتبطة ببيانات أدمغتنا لكي نظل أحياء، بالإضافة إلى أننا بطبيعتنا خالدون ولا نحتاج إلى هذه الجهود لتحقيق الحياة الأبدية.
يعتقد بعض الناس حول العالم أن الإنسان سيختفي تماماً بعد وفاته ويتحول إلى العدم. ولكن، كما ذكرنا سابقًا، فإنه لا يوجد شيء يُدعى “العدم” أو “الفناء” فإذا كان العدم “موجودًا”، فلن يُطلق عليه اسم “العدم”. لذلك فإننا لا نختفي بعد الموت، بل نستمر في العيش في عالم آخر مع جسد مختلف عن جسدنا المادي. إن الإنسان كائن ذو بُعدين: الجسدي والروحي، إلا أنّ الروح هي حقيقة وجوده. إن الروح بطبيعتها مجردة ولا تمتلك خصائص المادة مثل الحجم والوزن والكمية والقابلية للتحرك والإشارة، ولا يمكن تجزئتها أو تقسيمها، وبالتالي لا يمكنها أن تختفي. تعمل روحنا في هذا العالم من خلال أجزاء الجسم، مثل العين والأذن واليد والقدم والدماغ، وبعد موت الجسم، يستمر وجودها مع جسم أرقى من الجسم المادي و هو يسمى “البدن البرزخي” في رحلتها في عالم الملكوت.
هناك نقطة بارزة أخرى تكمن في أن الروح ليست من سمات الدماغ على عكس ما يعتقده بعض علماء الأحياء وبعض الفلاسفة الماديين الغربيين. عندما يتوقف نشاط الدماغ بالكامل في حالة السكتة الدماغية، لا يزال الجسم حيًا و يواصل الشخص التنفس. هذا يشير إلى أن عامل الحياة في الجسم هو شيء غير الدماغ. بالإضافة إلى ذلك، إذا كانت الروح هي جزء من صفات الدماغ وتنشأ من التفاعلات الكيميائية داخل الدماغ، إذن فلا بد أن يظهر جميع الأفراد سلوكًا متشابهًا عند التعبير عن الغضب أو الفرح أو الخوف، إلخ. حيث أن التفاعلات الكيميائية المتشابهة في أدمغتهم يجب بالضرورة أن تؤدي إلى نتائج متشابهة، ولكن نعلم جيدًا أن هذا ليس هو الحال. تعود تلك الاختلافات إلى سبب آخر وهو أن الروح هي مصدر تصرفات الإنسان وليس الدماغ. الدماغ هو مثل باقي أعضاء الجسم، مجرد أداة بيد الروح، وتقوم الروح أو النفس من خلاله بتنفيذ الأنشطة العقلية والفكرية المرغوبة.
ما هو تأثير الاعتقاد في خلود الإنسان على أسلوب الحياة؟
يتجلى أبرز أثر للاعتقاد في خلود الإنسان في حريته من هواجس الحياة الدنيوية واضطراباتها وفي إيمانه الراسخ بحقيقة السعادة والنعيم الأبدي. لو كنا مؤمنين ببقاء النفس وندرك أننا لم نخلق للدنيا، فإننا لن نشعر بالأسى أو العجز بسبب أي نقص، ولن يكون بمقدور أي شيء في هذا الكون أن يقودنا إلى الغفلة أو يسمح لنا أن نتورط في الذنب والخطيئة. هذا لأن جذور الخطيئة تتجلى دوماً في الخوف من فقدان لحظات اللذة والنعمة، وعندما نكون على علم بأننا سنجني نعمًا دائمة وغير قابلة للوصف إذا تجاهلنا المتع الضارة والعابرة، فإننا لن نرضى عن القليل ولن نبيع شخصيتنا باليسير.
الدنيا ليست مكانًا سيئًا، بل إنها محدودة! لأنها مصنوعة من المادة و تبقى المادة مقيدة ومحدودة. لا يمكن لظاهرة محدودة أن ترضي روح الإنسان اللانهائية. لقد تم خلقنا منذ بداية الخلق ككائنات تتوق إلى اللانهاية والخلود، والمحل الوحيد الذي يمكن للإنسان أن يريح هذه الروح هو المكان الذي يمكن فيه أن يتجدد باستمرار، و الجنة هي الخيار الوحيد التي يمكنها أن تمنح هذه الفرصة.
من الآثار الأخرى للإيمان بخلود الإنسان هو التحرر الكسل والملل، بالإضافة إلى تنظيم دقيق لكافة اختياراتنا وعلاقاتنا وسلوكياتنا وأفكارنا، مع نظام الأبدية وحياة الآخرة بانسجام تام. وحسب ما عبر عنه المرحوم العلامة حسنزاده آملي: “هناك أبدية أمامنا، و إننا باقين إلى الأبد ولن يزول الإنسان.” عندما تكون أمامنا أبدية، ليس لدينا الوقت لإضاعته في أمور تافهة، ولا يمكننا أن نقوم بخيارات ضعيفة أو التمايل إلى أي شيء يغرينا. في بعض الأحيان، قد يُلقي بنا قرار خاطئ أو تصرف غير لائق ملايين السنين إلى الوراء في النظام الأبدي وحياة الآخرة، مما يؤدي إلى هبوط شديد في سرعتنا في تحقيق الكمال والتطور.
سنتناول بتفصيل أكبر موضوع خلود الإنسان في حياة الآخرة وتأثير أعمالنا على حياتنا الأبدية في المستقبل.