مدرسة المنتظر لعلم الإنسان

ما هي آثار المعية مع الإمام وكيفية تأثيرها على أبعاد حياتنا المختلفة؟

جدول المحتويات
ما هي آثار المعية مع الإمام وكيفية تأثيرها على أبعاد حياتنا المختلفة؟

آثار المعية مع الإمام؛ كيف توصلنا مرافقة الإمام إلى المقام المحمود؟

عندما نتحدث عن آثار المعية مع الإمام، فإننا نتحدث عن ثمار ارتباط يمكن أن يرتقي بحياتنا من أدنى مستويات طبيعية إلى قمم روحانية وسعادة والرضا الإلهي، ويقربنا من كمالنا الإنساني. إذ لا توجد علاقة ذات أثر على سلوك الإنسان، مثل العلاقة بولي الله ومرافقته ومعيته. كل عمل، صغيرًا كان أم كبيرًا، له نتائج، بغض النظر عما إذا كنا نهدف بوعي إلى تحقيق آثاره، أو إذا كنا ننوي القيام به فقط دون الانتباه إلى الأثر والنتيجة، فإن لكل عمل نتيجة ولكل نتيجة قيمتها ومكانتها الخاصة. تمامًا مثل بذرة تزرع في التربة، بغض النظر عن رغبة الزّراع، فإنها تسلك مسارها الطبيعي وتثمر في النهاية عند توفر ظروفها الموضوعية من الماء والهواء والتربة الصالحها …..وغيرها. كلما كان نوع العمل الذي نقوم به أعظم وذا قيمة أعلى، كانت النتيجة والأثر أسمى. وكما أشرنا في الدروس السابقة، فإن أحد أعظم وأهم الأعمال في طريقنا لتحقيق الهدف من وجودنا في هذه الحياة هو الوصول إلى مكانة ومرتبة عالية من المصاحبة والمرافقة مع الإمام.

الإمام ليس مجرد شخصية تاريخية أو اجتماعية مؤثرة، بل هو أسمى مظهر لله في عالم الوجود ونظام الخلق. فهو مرآة عاكسة لتمام أسماء الله وصفاته، حيث تتجلى فيه الرحمة والعلم والعدل وسائر أسماء الله بأكمل وجه، والتشابه والقرب والتجانس معه يوصلنا إلى التّشبه بصفات الله. لذلك، فإن تحقيق معية الإمام ليس مجرد خيار روحي، بل هو أعمق وأثمن نتيجة يمكن توقعها من مسار الحياة والجهود الإنسانية، وبالطبع فإن آثار المعية مع الإمام ستكون بطبيعة الحال من أثمن الأعمال. في هذا الدرس، نعتزم تناول آثار مادية ومعنوية لتحقيق معية الإمام في الحياة.

آثار تحقيق المعية

إن تحقيق مرافقة الإمام و معيته هو شرف يسعد فيه جانبنا ماوراء العقلي، أكثر من بقية الجوانب فينا، غير أنّ آثار هذه المعية لا تقتصر على الجانب الإلهي من وجودنا، بل تمتد لتؤثر بشكل مباشر في حياتنا المادية. نستعرض فيما يلي أهم هذه الآثار:

الوصول إلى السكينة

كثيراً من الأشخاص تبدوا عليهم علامات التمتع بالراحة، إلا أنهم محرومون من مؤشرات السعادة مثل السرور الحقيقي والطمأنينة والسكينة المستديمة في نفوسهم، لأنّ هذه العوامل من طبائع النفس التي تحتاج إلى متسعاً من الوقت لتتغلغل في أعماق النفس، إذ لا يمكن تحققها تلقائياً، بل لابد من ارتباط دائم والتقرب  من مصدرها وهو الله بوصفه الوجود المطلق اللانهائي.

من المؤكد أن الوصول إلى مقام المودة، ومن ثم المصاحبة أو المعية مع الإمام، يتطلب تحمل صعوبات الطريق وبذل التضحيات من كمالاتنا الأربعة الدنيا، مما يسبب ضغطاً طبيعياً على النفس. بيد أنّه عندما يتم ضبط الحركة والسلوك بناءً على أهداف وتدابير أسمى تجليات إلهية، ويُبذل الجهد في سبيل تحقيقها، يصبح تحمل هذه الضغوط سهلاً وميسوراً. إن الحركة في سبيل تحقيق برامج الإمام حساسة للغاية وتتطلب السرعة والسبق، بحيث لا تترك مجالاً  للحزن وهموم جوانبنا الطبيعية الدنيا. فإن لحظة من الغفلة في هذا المسار تؤدي إلى الابتعاد عن تدبيرات الإمام وأقداره، وهذا الابتعاد هو ما يجرّ على الإنسان الحزن، والفساد، والابتلاء بمشاكل وهموم غير فطرية.

عدم الشعور بالتعب

إن بناء نهج قائم على المودة والمعية مع الإمام سيقودنا بالتأكيد إلى حيوية أعلى، وتحديد أهداف أدق، ونتائج أفضل في شؤون الحياة، وسيؤدي إلى زيادة قوتنا ونشاطنا في المسار. إن الوصول إلى علاقة عميقة مع أهل البيت عليهم السلام باعتبارهم عائلتنا الحقيقية، يغير نظرتنا للحياة ومصاعبها؛ إذ لم تعد الصعاب تشكل عائقاً، بل تتحول إلى جسور للنمو والتقرب أكثر من المحبوب؛ فنتخلص  من الضجر والتعب والكسل، ولن تؤثر بعد ذلك تبريرات واهية، وإغراءات الآخرين، وهجمات الشيطان على قلوبنا من إيقاف مسيرتنا؛ لأنّ الدعم الروحي  من أهل البيت الذي نجده فيهم، يعتبر كدرع حصين، يقوي إرادتنا ويمنحنا قوة مضاعفة في تحمل الصعاب والتعب. بطبيعة الحال، فإن الفرد الذي يضبط أفق رؤيته مع أهداف أعلى وعالمية، ويرى نفسه جزءًا من خطة الإمام وهدفه العظيم في إنقاذ البشر وإسعادهم، يتحرك على مستوى هذا الهدف ولا ينهار بسهولة.

تنظيم السلوك

إن تنظيم العلاقة مع الإمام، ومرافقته، وتنسيق الرغبات والأولويات مع أشرف مخلوقات الله، يجعلنا نتصرف بدقة أكبر في اتخاذ القرارات والاختيارات في مختلف جوانب الحياة؛ في الواقع، يجب أولاً أن نأخذ بنظر  الاعتبار مكانة عائلتنا السماوية وننسق أنفسنا مع معايير ومتطلبات مرافقة الإمام. من الواضح أن متطلبات مرافقة الإمام في الخطوة الأولى هو صدق ارتباطنا في هذه المرافقة. فكم من أشخاص على الرغم من امتلاكهم لمظهر ديني مقبول والتزامهم بالشريعة، إلا أنهم في الواقع لا يتناسبون مع الإمام ولديهم مسافة كبيرة عن مؤشرات مرافقة الإمام؛ إذا قد نرى الفرد ظاهريًا مشغولًا بالصلاة، والصيام، ودراسات ومناقشات دينية، أو حتى أنشطة اجتماعية ودينية، ولكن في أي من هذه الأعمال لا يوجد لديه ارتباط بولي الله، وذلك لأنهم قد حرموا أنفسهم من الاتصال به، فامضوا عمرهم من دون الاستفادة بالمتخصص.

إذا لم تكن امتلاك مظهر ديني، وعبادات كثيرة، وحتى جهود علمية أو اجتماعية؛ نابعة من التركيز على الإمام ومرافقته، فسوف لن تلعب دورًا إيجابيًا في حياتنا الأبدية فحسب، بل ستبعدنا عن حقيقتنا؛ لأن حقيقة الدين مرتبطة بالاتصال بالإمام والعيش في ظله. إن الإنسان الذي يغفل عن هذا الارتباط وينشغل بكمالاته المحدودة، حتى لو اعتبر نفسه متديناً، فإنه قد حاد عن المسار الأصيل وأفنى عمره في الهوامش؛ إذ أن أعمالنا لا تكتسب قيمتها وتوجهها الحقيقي إلا في ظل المعرفة والمودة للإمام.

الارتقاء إلى درجة الإمام

يمكن اعتبار الأثر الرئيسي للمعية والمرافقة مع الإمام هو الوصول إلى مكانة قريبة من درجة المعصوم أو الوصول إلى المقام المحمود؛ كما نلاحظ ذلك في  زيارة عاشوراء التي تحثنا على السعي للإرتباط بالإمام والتقرب منه لتتقرب بها  إلى الله زلفا.[1] إن الوصول إلى هذه الدرجة يعني الارتقاء إلى درجة قريبة من المعصوم الذي تتجلى فيه جميع أسماء الله وصفاته؛ لذا فإن الارتقاء إلى المعصوم يتطلب أيضًا التشبه به واكتساب الأسماء والصفات الإلهية المتجسدة فيه. وهي مكانة لا تتحقق بسهولة أبدًا، إلاّ بعد تغيير نمط الحياة والتوافق مع الإمام في الاختيارات، والعلاقات، والسلوك، والأفكار.

إن الارتقاء إلى مستوى أهل البيت (عليهم السلام) لا يعني بالضرورة اكتساب العلم أو أداء الأعمال الدينية بأعلى المقاييس، بل هو نمو  في مسار الإنسانية والكمال في إحداثيات حياتنا، بحيث تكون سلوكياتنا ونوايانا انعكاسًا لصفات أهل البيت (عليهم السلام) وسيرتهم، وأن تكون نظرتنا إلى الأمور وطريقة تعاملنا مع الابتلاءات، نابعة من رؤيتهم للعالم؛ في الحقيقة إن متطلبات الوصول إلى المقام المحمود الذي ينبع من آثار المرافقة مع الإمام، هو التحرك نحو أداء أعمال صحيحة وذات جودة، وإن كانت تختلف باختلاف إحداثيات حياة كل منا، إلا أنها تتناسب مع المسار الإنساني وهدف خلقنا، وتؤدي في النهاية إلى التّشبه بصفات الله.

لقد بحثنا في هذا المقال آثار المعية والمرافقة مع الإمام؛ وقلنا إن المرافقة مع الإمام، باعتباره أقرب الكائنات إلى الله، تتطلب اختيار نمط حياة يتناسب مع اهتمامات الإمام، وأولوياته، ومقدراته. إن آثار المرافقة مع الإمام لا تؤثر فقط على الجانب الإلهي المعنوي الذي يوصلنا إلى أعظم مقام وأعظم  شرف، بل تشمل أيضاً جانبنا المادي والدنيوي، فتوصلنا إلى السكينة الدائمة والقدرة على الاستدامة والحيوية.

[1] وَأَسْأَلُهُ أَنْ يُبَلِّغَنِي الْمَقامَ الْمَحْمُودَ لَكُمْ عِنْدَ اللّٰهِ

اكتب رأيك