كيف يساعدنا دور الشيطان على النمو في الحياة؟
يتوق الكثيرون منّا إلى حياةٍ هادئةٍ خاليةٍ من أيّ همٍّ أو غمّ. ولكن هل تساءلنا يومًا ما عن إمكانية تحقيق ذلك الحلم؟ ماذا لو مرّت أيامنا دون أيّ مشاكلٍ أو تحدّيات؟ مع تأمّل هذا السؤال بدقة، ترسم بعض المفاهيم مثل: “الركود” و “المَلَل” بوضوحٍ أكبر في أذهاننا. في الواقع، نعم، إنّ الأحداث والتجارب التي نمرّ بها في الحياة هي التي تُكسّر جمودَ السكون وتُبعد المللَ عنّا، وتُساهم في نموّنا وتطورنا.، وإذا لم تكن هناك صعوبات وللتأكد من ذلك، يكفي أن نتخيل أنفسنا لو لم نُجبر على تحمل عناء تعلّم الحروف الأبجدية في المدرسة، فمتى وكيف سنصبح قارئين وكاتبين؟
كلما ازداد عزمنا على التعلم والنمو، ازدادت سهولة تحمل مشقة ذلك وصعوبته. يمكننا ملاحظة مثالٍ راقٍ على ذلك في سلوك الأشخاص الذين يطمحون إلى بلوغ درجاتٍ عاليةٍ في الرياضة الاحترافية. فقد أصبح تحمل المشقة أمرًا داخليًا لديهم، لدرجةٍ تجعلهم ينافسون خصومًا مختلفين قبل المباراة الرئيسية مراتٍ ومرات، وذلك من أجل تحديد نقاط ضعفهم واكتساب اللياقة البدنية اللازمة.
لا شكّ أنّ وجود خصمٍ مناسبٍ يُمثّل عاملًا هامًا في النمو والتطور، وكلّما ازدادت عزيمتنا على النمو والتطور والتخلّص من الجمود، كلّما ازدادت وضوحًا أهمية هذا الأمر. فكلّ منّا بحاجةٍ إلى خصمٍ يُساعدنا على تحديد نقاط ضعفنا وتقوية نقاط قوتنا.
يلعب الشيطان دورًا مشابهًا في حياتنا، مع فارقٍ جوهريٍّ هو أنّ الصراع معه غير اختياريّ، بل هو حتميٌّ في مسارنا نحو تحقيق هدف خلقتنا. ولكنّ الانخراط في صراعٍ حقيقيّ مع خصمٍ مثل الشيطان، يحمل ضغينة دفينة تجاهنا، يتطلّب بالتأكيد وعيًا وتدريبًا وتركيزًا. لكنّ ثمار الفوز في مثل هذا الصراع عظيمة بقدر صعوباته، بشرط أن نعزّز مهاراتنا وقدراتنا لمواجهة هجمات الشيطان، وأن ندرك دوره في حياتنا.
نادٍ بلا منافس
لنتصور أنّك انضمّمت إلى نادٍ للفنون القتالية منذ فترة، وتكابد بجدٍّ لتعلم تقنيات القتال واستراتيجياته. بعد مرور بعض الوقت، تبدأ بالتوقّع طبيعيًا خوض المعارك، وتنتظر من المدربِ
بمرور الوقت زيادة عدد خصومك ومهاراتهم، تمهيدًا لدخولك غمار المباريات الرسمية. لكن ماذا لو منعك المدرب من المشاركة في المباريات والمنافسات التمهيدية، وطلب منك الاستمرار بالتدرب بشكلٍ فرديٍّ فقط؟ إذا شعرت أنه يوجد لديك القدرة على المشاركة في المسابقة، ولكن لا يسمح لك المدرب بذلك أو لا يعتبر المنافسة ضرورية لتطوير مهارتك، ما هي المشاعرُ التي ستنتابك في هذه الحالة؟ من المحتمل أن تغيّر ناديك ومدرّبك و تذهب إلى نادٍ يمكنك من خلاله التطور في رياضتك، لأنك تؤمن بحق أن إحدى واجبات المدرب هي توفير بيئة مناسبة لنمو طلابه. والذي لا يحدث إلا من خلال خوض المعارك وتجربة التنافس. فلا يمكننا أن نتطوّر ونُحسّن مهاراتنا دون خوض التجارب العملية ومواجهة الخصوم.
تصوّر الآن مدربًا لا يسمح للرياضيين بالتدرب خوفًا من إصابتهم، أو رياضيًّا يتخلى عن التدريب بعد أول ضربةٍ يتلقّاها. كلا السلوكين غير طبيعيين ولا يوجد لهما مكان في الرياضيات الاحترافية.
وبالمثل، فإنّ حياتنا في الواقع ليست بعيدةً عن حياة الرياضيين. فنحن جميعًا نسعى في حلبة الحياة لنيل الكمال الإنساني ونصبح أشبه بالإنسان الكامل. وفي هذه الرحلة، يكون الله تعالى مربّينا، فهو من أعدّ لنا ميدانًا للمسابقة بمساحة الدنيا كلها.
فلذا علينا أن ندرك دور الشيطان في حياتنا بشكلٍ أوضح، ونفهم أنّ الله تعالى، على الرغم من كلّ الصعوبات الناشئة من قبل الشيطان، لما يضعه في طريقنا إلاّ لنموّنا وتطورنا.
ماهو الشيطان من خصم؟
في ميدان هذه المعركة الكبرى، نواجه خصمًا دائم التأهب، لا يتوانى عن استغلال كلّ وسيلةٍ وفُرصةٍ لتحقيق النصر علينا. لكنّ الله تعالى، في المقابل، يُنير دروبنا بمعرفة وجوده، ويُفصّل لنا جميع خصائصه في مختلف المواقف. فلا شكّ أنّ إدراكنا لوجود عدوٍّ يتربّص بنا يجنّبنا الوقوع في فخّ الغفلة. بل إنّ معرفتنا لجميع جوانب خصمنا وبنيته، من لسان خالقه، تُرفع من نسبة انتصارنا.
هذا الخصم هو الشيطان.
لقد أكّد الله بصفته معلّمنا و مربينا كثيراً على أن الشّيطان ليس خصماً وهميًا، بل هو عدو مبين ذو شخصيّة حقيقيّة و خارجيّة. صحيحٌ أنّنا لا نستطيع رؤية الشيطان بأعيننا المادية، لكنّ هجماته واضحةٌ وجلّيةٌ لدرجةٍ تُمكّننا من تمييزها بسهولة.
لقد أوضح الله لنا بشكل كامل خصائص هجمات الشيطان ودوره الخفي في حياتنا. على سبيل المثال فإننا نعلم أن أهم ما يميز هجمات الشيطان هو أنه لا يتربص بنا إلا على الصراط المستقيم، لا معنى لمحاربة الشيطان خارج الصراط المستقيم. كما ينتظرنا خصم المصارع فقط على الحلبة، ولا يُعدّ الرياضيون الأشخاص العاديين في الشارع الذين ليس لديهم أي فكرة عن المصارعة، خصومًا للتدريب. يتصارع الشيطان فقط مع أولئك الذين ينوون السير في الصراط المستقيم. كلما تقدمنا أكثر في هذا الطريق، زادت هجماته وسوف يحاول بكل طريقة ممكنة إبعادنا عن طريقنا المستقيم.
إنّ دور الشيطان في حياتنا أمرٌ لا شك فيه، فهو يسعى باستمرار لإغواءنا وخداعنا، ويصمم هجماته خصيصًا لكل فرد. فمثلاً تختلف الإغراءات التي يواجهها الشخص الذي يسعى وراء الكمالات الجماديّة أو الحيوانيّة عن تلك التي يواجهها الشخص الذي يسعى وراء الكمال العقلي.
يشبه الشيطان مهندسًا ماهرًا، فهو يفحص وجودنا بالكامل ويحدد نقاط ضعفنا وقوتنا. يستغل أي مدخلٍ يمكنه من خلاله دخول عالمنا وخداعنا، سواءً من خلال نقاط ضعفنا أو من خلال نقاط قوتنا. لذلك، لكي نكون في مأمن من هجمات الشيطان، من المهم معرفة من هم أو ما هم محبوباتنا، وكم نقدرهم.
دور وساوس الشيطان وتأثيرها
كما ذكرنا سابقا فإن هجمات الشيطان تختلف حسب بنيّة و نوع شخصية كلّ منا. فالشيطان ينظر إلى إمكانياته وأدواته التي وفرناها له في أنفسنا ليخدعنا. ويصف القرآن الكريم خصائص هجماته بقوله: (ثُمَّ لَأٓتِيَنَّهُم مِّن بَينِ أَيدِيهِم وَمِن خَلفِهِم وَعَن أَيمَانِهِم وَعَن شَمَآئِلِهِم وَلَا تَجِدُ أَكثَرَهُم شَاكِرِينَ.)[1] ولكن ماذا تعني كل من هذه الاتجاهات؟ سنشرح كل منها باختصار.
ترتبط وسوسة الشيطان من جهة الأمام بأفكارنا و مخاوفنا بشأن المستقبل، فمثلاً، عندما نرغب في القيام بعمل كريم ونُنمّي صفة “الكرم” في أنفسنا، يسعى الشيطان لثنينا عن ذلك من خلال زرع الخوف من المستقبل وتوقع الفقر.
تُمثّل هجمات الشيطان من الخلف، ضرباتٍ يوجّهها لنا بهدف إبعادنا عن طريق الله تعالى، وذلك من خلال استغلاله للذنوب والهفوات التي اقترفناها في الماضي، أو الفشل الذي قد واجهناه وأدى إلى إحباطنا. يسعى الشيطان من خلال هذه الهجمات إلى زرع بذور اليأس في قلوبنا، وإقناعنا بأنّنا لا نستحقّ رحمة الله تعالى وعفوه، ممّا يُحرمنا من نعم وجوده. من المؤسف أنّ كثيرًا من النّاس يقعون ضحايا لهجمات الشيطان، ويُفقدون الأمل في العودة إلى حضن الله تعالى والتوبة، فيسقطون في هذه المعركة.
وأمّا في الوسوسة من اليمين فإنّ الشيطان يُوظّف في هذا النوع من الهجمات، إنجازاتنا وقدراتنا كوسيلةٍ لإبعادنا عن الصراط المستقيم. فإذا نجح في إغرائنا بجمالنا أو ثروتنا أو علمنا، قد يُغرّنا بكبرياءٍ زائفٍ، ويُبعدنا عن الله تعالى.
وفي الوسوسة من جهة اليسار تصبح نقاط ضعفنا، أو بالأحرى ترتيبنا الخاطئ لأولوياتنا في الحياة، بمثابة منفذ للشيطان ليدخل إلى نفوسنا، ومن خلالها يغرينا لارتكاب الخطيئة. فإذا كنّا سريعي الغضب، على سبيل المثال، قد يُحوّل أيّ سلوكٍ من الآخرين إلى مصدرٍ للضيق والاستياء.
يشكّل إدراكنا لسمات هجمات الشيطان سلاحًا فعّالًا في هزيمته، فبمجرد ملامسة مشاعر سلبيةٍ مثل الحزن والإحباط والاكتئاب والخوف والقلق، يجب علينا البحث عن المصدر في مكان ما خارج أنفسنا، فيصبح بإمكاننا تمييز عدوّنا وميدان الصراع، وبالتالي التصدي له بحزمٍ وحكمةٍ.
تأثير الشيطان على نمونا
كما شرحنا فإن وجود الشيطان هو حاجتنا الطبيعية للنمو، وإذا لم تكن هناك مثل هذه الصراعات، فلن يحدث أي نمو وسنبقى أسرى لكمالاتنا الخيالية. إذا قبلنا وآمنّا بالشيطان باعتباره العدوّ، ستكون حياتنا مليئة بالهياج والنشاط. لأنه بالنظر إلى دور الشيطان في الحياة، نعلم أننا لسنا بمأمن من وجوده وهجماته حتى في عالم النوم، لذلك يتوجب علينا أن نسلح أنفسنا بأدوات لمحاربته حتى أثناء النوم. ولسوء الحظ، فإن معظمنا لا يدرك هذا الصراع تمامًا، مثل شخص يقف في منتصف حلبة المصارعة مع خصم، ولكنه يحافظ على يديه خلف ظهره ولا يريد المشاركة في المباراة، غافلا عن أن السباق مستمر، سواء شاء أم أبى.
لا يوجد هناك متفرجين في ساحة الحياة فالجميع في حالة سباق. فالشيطان لا يتوانى عن الرّدّ على أصغر عملٍ إيجابيٍّ نقوم به، بل يهاجمنا بشراسةٍ، ويكبّل الكثيرين في هذه المعركة، ليحوّلهم إلى عبيدٍ له. فهم، على الرغم من إدراكهم لخطأ مسار حياتهم وأفكارهم وسلوكهم وخياراتهم، يصرّون على المضيّ في طريق الضلال، ويصبحون أدواتٍ في يد الشيطان لمحاربة الآخرين.
إذن فإن أهم ما يميّز هجمات الشيطان هو وضوحها. فإذا عرفنا أنفسنا حقّ المعرفة، سنستفيد من جميع هذه الهجمات كفرصةٍ للنموّ والتطوّر والتشبّه بمحبوبنا الحقيقي، أمّا إذا لم نعرف أنفسنا حقّ المعرفة ولم نتعرف على صفاتنا الجوهرية، سنعتبرُ كلّ هذا الصراع نوعًا من أنواع التهديد، وسنفشل في تحقيق النقاط المهمّة والنموّ في مسارنا، وعندما تنتهي فرصة الحياة، سندرك بلا ريبٍ أنّ أيدي الشيطان هي التي ارتفعت علامةً على النصر.
تناولنا في هذا المقال دور الشيطان في حياتنا. فتبين لنا أنه عدوّنا المبين، غير أنّ وجوده يُحفّزنا على النموّ والتطوّر. ففي أيّ مجالٍ نسعى للتقدّم فيه، نحتاج إلى ساحةٍ للصراع وخصمٍ لممارسة مهاراتنا. يلعب الشيطان دور هذا الخصم في حياتنا، لكنّه ليس خصمًا وهميًا أو افتراضيًا، بل عدوٌّ حقيقيٌّ، ممّا قد يُعرّضنا للانحراف عن الصراط المستقيم إلى الأبد، إذا غفلنا عن هجماته.
هل توافقون على أنّ معرفة دور الشيطان في الحياة تُفيدنا؟ وكيف تُعدّون أنفسكم لمواجهة هجمات هذا الخصم الحقيقيّ؟
[1] الأعراف، الآية ١٧