علاقة بنية النفس بأسماء الله وصفاته

جدول المحتويات
علاقة بنية النفس بأسماء الله وصفاته

دور المعصومين في اكتساب الأسماء الإلهية من خلال بنية أنفسنا

ماذا كان الشعور الذي انتابك عندما ألقيت نظرة أولية على بنية وجودك من زاوية جديدة؟ متى أدركت أن بنية نفوسنا تخضع لقوانين رياضية تمامًا كالعالم الذي نسكنه؟ نعم! إن بنية وجودنا تتبع بنية رياضيًة دقيقةً، ومن ثم فكل ما يحدث لنا سواء كان ذلك من تفاعلات داخلية في نفوسنا أو تحولاتنا وتوقفنا، هي وفقًا لقوانين ومعادلات وحسابات. إننا لا يمكننا التصرف بعشوائية حتى عندما نسعى لاكتساب صفات الله والتشبه به؛ لأنه بنية وجودنا تعتمد على قوانين الرياضيات، مما يفرض علينا ضرورة مراعاة ذلك لاستثمار الوقت القصير الذي لدينا في هذه الحياة.

اكتشفنا في الدروس السابقة، أن ذواتنا تشبه الإله اللانهائي المحبوب أو الله شباهة كثيرة من حيث البنية، إلّا أنّه مادام أن الله بلا ظهور، فلا يمكننا فهمه. بغض النظر عن درجة معرفتنا بأسماء الله وصفاته، إذا لم نر مثالًا أو نموذجًا لهذه الصفات، نبقى في التحيّر والارتباك. والسؤال الذي يطرح نفسه الآن، هو: كيف يمكننا الوصول إلى فهم ما نجهله تمامًا، وكيف يمكننا تقريب بنية نفوسنا من أسماء وجود لا نهاية له ولصفاته؟ بينما لا نراه ولا يمكننا التواصل معه إلا من خلال جانبنا ماوراء العقلي؟

لا يُعدّ تحقيق التشبه بالكمال اللامحدود أمرًا سهلاً بالنسبة لمن يعيشُ في عالمٍ ماديٍّ محدود الأبعاد ولا يتجاوزُ وجودنا إلى اللانهاية إلا في جانبه ماوراء العقل. ومن الطبيعي أن نحتاج إلى نموذج يكون قدوة لنا، نسلك معه مسارًا يقربنا من الله ويكون مرآة لكمال أسماءه وصفاته الإلهية، وفي الوقت نفسه يتسم بهيكل إنساني ليمكننا من الشعور بالقرب منه.

في الواقع، قد وضع الله كل ما نحتاجه لتحقيق هدف الخلق في وجود المعصومين الذين يمثلون تجليا تامًّا كاملًا للأسماء إلهية. ما هي الاستجابة المناسبة التي يجب أن نظهرها في مختلف المواقف وظروف الحياة لتتجلي أسماء الله وصفاته في بنية نفوسنا؟ هذا ما نعتزم تناوله في هذا المقال.

الشروط للحصول على الأسماء

ندرك أنَّ أسماء الله وصفاته ليست محصورةً في اسمٍ أو اثنين، بل تتعدَّى لتشمل جميع جوانب حياتنا. يُعتبر اكتسابنا لجميع هذه الأسماء وتجسيدها في بنية نفوسنا ووجودنا طريقًا للوصول إلى قرب الله سبحانه. ولكن، هل تساءلنا يومًا كيف يمكننا الحصول على هذه الأسماء ومتى يمكننا ذلك؟ هل هناك فرصة دائمًا لنا لكسب جميع أسماء الله في أي ظروف؟ أم أن الحصول على الاسم المطلوب يحدث بمجرد الرغبة فيه؟

في الواقع، تختلف الطريقة التي يكتسب بها كل منَّا أسماء الله عن الآخرين. هذا يعني أننا نسعى لاكتساب أسماء الله وفقًا لقدراتنا الوجودية وإمكانياتنا. فعلى سبيل المثال، ما دام أننا لم نصل إلى مرتبة اسم “الجواد”، وما دمنا غير قادرين على الجود، فلن نستطيع أن نصل إلى مرتبة اسم “الكريم” الذي يتسم بالعطاء قبل الطلب. والآن، تخيلوا معي ماذا لو سيطر علينا الشح والبخل بدلاً من الجود والكرم، في هذه الحالة، لن يكون بوسع قدرة بنيتنا الذاتية حتى تجسيد اسم “الجواد”.

مع هذا كله، تمكنت الظروف الزمنية ومواقف الحياة من فتح الباب أمامنا لكي نكتسب الأسماء في بنیتنا الذاتية. على سبيل المثال، الظروف التي توفر لنا الفرصة لاكتساب أسماء مثل الرحمن أو الغفور عندما نصبح والدين، لا تحدث لنا قبل الزواج أبدًا. وكثيرًا ما نجد أنفسنا قادرين على اكتساب أسماء جديدة أثناء تحدياتنا المهنية، والتي قد لا تكون ممكنة أثناء فترة دراستنا. لا تظهر بعض الصفات إلا عندما نتفاعل بشكل ملحوظ مع الآخرين، بينما تتسنى للبعض الآخر أن تتجلى فقط في ظروف الاختبار والابتلاء. لذا يجب علينا أن نكون ليس فقط قادرين على تجسيد أسماء الله في أنفسنا، بل ينبغي أيضًا أن نكون حذرين وواعين للظروف الخاصة التي نعيشها، لكي نستطيع استغلال الفرص المتاحة بحكمة وذكاء.

الأئمة المعصومون: قدوات في اكتساب الأسماء

سبق أن أشرنا إلى أن المعصومين رغم كونهم بشر عابرين في عالم المادة، إلّا أنهم مظاهر جميع أسماء الله وصفاته التي قد تجلت فيهم. لذا، يمكننا القول بأن حياة المعصومين(عليهم السلام) وتعاملاتهم مع مختلف جوانب الحياة وتفاعلهم مع مختلف الظروف، تشكل نموذجاً مثالياً وقدوةً لتجسيد أسماء الله وصفاته و تجلّيها في بنية نفوسنا.

لو كان مقدرًا لنا أن نعثر على إجابات لكافة تساؤلاتنا في حياة واحد من حياة المعصومين، لكنا قد واجهنا مجموعة من الأسئلة المتعددة التي لا تزال بلا إجابة. بینما نرى أن هناك الإجابات لكثير من أسئلتنا عبر فترة حياة المعصومين التي امتدت لمدة 250 عامًا حسب أوقات وظروفهم المتباينة. لنفترض أنه يُمكن استغلال وجود معلم متميز لفترة قصيرة، فكلما زادت هذه الفترة، زادت فوائد وجوده لنا. كل الأمور اللازمة لنا موجودة بوضوح في أسلوب الحياة الإلهية للمعصومين منها:  كيف ننظم علاقتنا في مختلف الظروف مع إمامنا؟ وكيف يمكننا التعامل مع جيراننا؟ وكيف نتصرف مع شريك حياتنا؟ وكيف نطالب بحقوقنا؟ وكيف تكون علاقتنا مع مخلوقات الله الأخرى؟ وغيرها… وأهم ما في الأمر هو أنه بمجرد النظر إلى حياتهم وطريقتهم، ندرك النموذج الذي يجب علينا اتباعه لاكتساب اسم من أسماء الله. فالأهم هو فهم متى تتوفر الظروف لاكتساب اسم من الأسماء الإلهية.

على الرغم من أن كل معصوم هو نموذج بمفرده لجميع أسماء الله وصفاته، إلا أنه بسبب اختلاف ظروفهم الزمانية والمكانية، وبسبب وجودهم في مواقف متباينة، أظهروا وفقًا للزمان وأسلوب حياتهم، أحد أسماء الله أو صفاته بشكل واضح. فعلى سبيل المثال، كان النبي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)، رحمة للعالمين بسبب ظروفه الزمانية وموقع حياته وتجليًا لصفة الرحمن، التي تعتبر في الواقع بوابةٌ لاکتساب باقي أسماء الله. بينما برزت صفة العدالة في الإمام علي (عليه السلام) أكثر من غيرها. وبنفس الطريقة، برزت صفات الجود، والرحمة، والعلم، والحلم وغيرها في كل معصوم وفقًا للتوازن الذي وضعه خالق الكون، ولكن كما ذكرنا، فإن قدراتنا الوجودية تختلف عن بعضنا البعض، فقد يتسنى لكل منا، بناءً على بنيته الذاتية ریاضیات وجوده، تطوير علاقة قلبية أعمق مع معصوم معين، وقد تكون الظروف أكثر ملائمة لنا لاكتساب صفة محددة من صفات الله في فترة من فترات حياتنا.

أقصر طريق لتحقيق الهدف

قد يتبادر هذا الاستفسار إلى أذهاننا: لماذا الآن؟ ولماذا ينبغي علينا الانتقال نحو اكتساب اسم محدد في ظروف ومواقف معينة؟ يعود السبب في ذلك إلى قصر عمرنا. إن هدف خلقنا هو التقرب من أسماء الله وصفاته، ولذا يجب علينا اختيار أسرع وأقصر الطرق لتحقيق الغاية المنشودة نظرًا لقصر المدة وضيق الوقت. لنفترض أنك نسيت شيئًا في المنزل واستعجلت لفتح الباب لأخذه. من الأفضل لك أن تكون ملمًا بمفتاح الباب وتتوجه مباشرة إليه، ولكنك إذا قمت بتجربة كافة المفاتيح المتاحة، سيكون هناك إضاعة للوقت والجهد. ينطبق نفس المبدأ بالنسبة لاكتساب اسم من أسماء الله، حيث يجب علينا معرفة الظروف والمواقف التي يجب التوجه فيها نحو الاسم المناسب والمعصوم الذي ينبغي التقرب إليه، وبالتأكيد ستوفر لنا هذه المعرفة الوقت والجهد وتسهل علينا الوصول إلى الغاية والهدف بسرعة أكبر. قد تكون الفرص المتاحة لنا في حياتنا لاكتساب اسم أو تعلق قلبي مع معصوم قصيرة ومحددة كبقية فرص الحياة. لذا يجب علينا استغلال هذه الفرصة المتاحة، إذا كانت ظروف ومواقف حياتنا توفر لنا فرصة لتحقيق الكرم والرحمة والعدالة واكتساب باقي أسماء الله وصفاته، يجب علينا الاستثمار فيها وعدم تفويتها لتحقيق التقرب من الكمال المطلق.

تناولنا في هذا الدرس، كيفية تصميم بنية النفس بطريقة تعكس التشبه بأسماء الله وصفاته. تحمل بنية نفوسنا هذه الأسماء بالقوّة، غير أنّ الفهم والتأمل فيها لا يمكن أن يحدث بدون وجود نموذج ومثال نقتدي به. في الواقع، یعتبر المعصومون(عليهم السلام) نماذج الكمّل والمثالي لهذه الأسماء والصفات، و يعمل كل منّا على اكتساب أحد هذه الأسماء، بناءً على قدرته الوجودية والظروف والمواقف في حياته، والعلاقة التي لديه مع المعصومين علیهم السلام.

هل فكرتم فيما مضى في مواقف حياتكم كفرصة لاكتساب الأسماء الإلهية؟ إلى أي مدى برزتَ اسم “الرحمن” الذي يُعتبر مقدمة لاكتساب الأسماء الأخرى في بنية نفوسكم ووجودكم؟

اكتب رأيك